من هدى النبى ﷺ | أَفْضلُ الجِهاد كلمة حق عند سلطانٍ جَائر

 أَفْــــضَلُ الْجِـهَــــادِ 


  • إن أرفع مهمات العَالِم الداعية أن يقول الحق دون أن يخاف فى الله لومة لائم ، وتلك هى سيرة علماء السلف ، ومن تبعهم من خير خلف ، فى قيامهم بوظيفة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر دون اكتراث بما قد ينشأ عن ذلك من أضرار قد تقع عليهم .
  • وقول كلمة الحق عند سلطان جائر من أعظم الجهاد لأن فيه مخاطرة بالنفس وتوطينها على تحمل الأذى فى ذات الله عزَّ وجلَّ  وفيما يلى خطبة الوداع للرسول ﷺ ألقاها يوم عرفة من جبل الرحمة ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :
  • أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، وَإِنَّ الله مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا ، فَنَاظِرٌ كَيْفَ  تَعْمَلُونَ ؟ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ، فَإِنَّ  أَوَّلَ  فِتْنَةِ  بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَتْ  فِى النِّسَاءِ .. أَلاَ إِنَّ بَنِى آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَنْ  يُولَدُ  مُؤْمِنًا ، وَيَحْيَا  مُؤْمِنًا ، وَيَمُوتُ  مُؤْمِنًا .. وَمِنْهُمْ  مَنْ  يُولَدُ  كَافِرًا ، وَيَحْيَا  كَافِرًا ، وَيَمُوتُ كَافِرًا .. وَمِنْهُمْ مَنْ  يُولَدُ مُؤْمِنًا ، وَيَحْيَا  مُؤْمِنًا ، وَيَمُوتُ كَافِرًا .. وَمِنْهُمْ مَنْ  يُولَدُ كَافِرًا ، وَيَحْيَا كَافِرًا ،  وَيَمُوتُ  مُؤْمِنًا .. أَلاَ  إِنَّ  الغَضَبَ  جَمْرَةٌ  تُوقَدُ  فِى  جَوفِ  ابْنِ  آدَمَ ، أَلاَ تَرَوْنَ  إِلَى  حُمْرِةِ  عَيْنَيْهِ  ، وانْتِفَاخِ  أَوْدَاجِهِ ،  فِإذَا  وَجَدَ  أَحَدُكُمْ  شَيئًا  مِنْ  ذَلِكَ  فَالأَرْضَ الأَرْضَ .. أَلاَ  إِنَّ  خَيْرَ  الرِّجَالِ  مَنْ  كَانَ  بَطِىءَ  الغَضَبِ  ، سَرِيعَ  الرِّضَا .. وشَرَّ  الرِّجَالِ  مَنْ  كَانَ سَرِيعَ  الغَضَبِ ،  بَطِىءَ  الرِّضَا ،  فَإِذَا  كَانَ الرَّجُلُ  بَطِىءَ الغَضَبِ  بَطِىءَ الفَىءِ ، وسَرِيعَ  الغَضَبِ  سَرِيعَ  الفَىءِ فَإِنَّها  بِهَا .. أَلاَ  إِنَّ  خَيْرَ  التُّجَّارِ مَنْ  كَانَ  حَسَنَ  القَضَاءِ  حَسَنَ  الطَّلَبِ ، وشَرَّ  التُّجَّارِ  مَنْ كَانَ سَيِّىءَ  القَضَاءِ سَيِّىءَ الطَّلَبِ ، فَإِذَا  كَانَ  الرَّجُلُ  حَسَنَ القَضَاءِ  سَيِّىءَ  الطَّلَبِ ، أَوْ  كَانَ  سَيِّىءَ  القَضَاءِ  حَسَنَ  الطَّلَبِ  فَإِنَّها  بِهَا  .. أَلاَ  إِنَّ  لِكُلِّ  غَادِرٍ  لِوَاءٌ  يَومَ  القِيَامَةِ  بِقَدْرِ  غَدْرَتِهِ ، أَلاَ  وأَكْبَرُ  الغَدْرِ  غَدْرُ  أَمِيرِ  عَامَّةٍ  .. أَلاَ  لا  يَمْنَعَنَّ  رَجَلاً  مَهَابَةُ النَّاسِ أَنْ  يَتَكَلَّمَ  بِالحقِّ  إِذَا  عَلِمَهُ ، أَلاَ  إِنَّ  أَفْضَلَ الجِهَادِ  كَلِمَةُ  حَقٍّ عِنْدَ  سُلْطَانٍ  جَائِرٍ أَلاَ  إِنَّ  مَثَلَ  مَا بَقِىَ  مِنَ  الدُّنْيَا  فِيمَا  مَضَى  مِنْهَا مِثْلُ مَا بَقِىَ مِنْ  يَوْمِكُمْ  هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ  ..(من خُطْبَةِ له  بعد صلاة العصر) .   رواه الترمذىُّ ك : الفتن ، عن أبى سَعِيد الخُدْرىِّ (رضى الله عنه)  واسناده صحيح ، وَوَرَدَ أيضا فى صحيح الترمذى للألبانى .
  • هذا الحديث يشير إلى أمور فى غاية الأهمية ؛ فهو يُقسِّم الناس إلى أقسام تبعًا لمعادنهم .. ويُقسِّمهم تبعًا لشهوة الغضب فيهم .. ويقسِّمهم تبعًا لمعاملتهم لغيرهم .. ويحذِّر من فِتنة الدُّنيا والنِّساء .. ويُبيِّن خطورة الغَدْر .. ثم يختم الحديث ببيان أفضل الجهاد والذى به تنصلح أمور الأُمة بصدق النُّصح للحُكَّام .. وسوف يتم شرح  الحديث بشىء من التفصيل ؛ فهو حديث معجز جامع يدل على أنَّ قائله ﷺ لا ينطق عن الهوى بل هو وَحْى يُوحَى .. 
  • نجد أول الحديث " أَمَّا بَعْد " وهى تعنى أنَّ النبى ﷺ  قد سبقها بأن حَمَدَ الله عزَّ وجلَّ ، وأثنى عليه بما هو أهله .. وقد كان ذلك فى خُطبةٍ له بعد صلاة العصر .. وهو ليس وقت خُطْبة كخُطْبَة الجمعة ، أو العيدين ، أو يوم عَرَفة ، مما يدل على أهمية الموضوعات التى تناولها الحديث وخطورتها .. 
  • بدأ النبى ﷺ بوصف الدنيا بأنها : خَضِرَة حُلْوة .. فالمال والبنون ونِعَمِ الدنيا المتعدِّدة التى زُيِّنَتْ للناس مِصْداقًا لقوله عزَّ وجلَّ : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) ﴾ آل عمران . .. هذه الأمور جعلت الدنيا خَضِرَة فى عُيون الناس الذين غَفلوا عن أنَّ الأَخضر لا يبقى على خُضْرته فلا بد له أن يَيْبَسَ ، وأنَّ الحُلْوَ لا يبقى على حلاوته فقد تعقبه المرارة .. وأن ما على الأرض من زينة إِنَّما هو فِتْنة وابتلاء لقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) ﴾ الكهف . 
  • لذلك كان التنبيه بأن الإنسان مُسْتَخْلَفٌ فى هذه الدنيا مسئول عمَّا استُخْلِفَ فيه .. وطالما كانت الدنيا استخلافًا فهى إلى زوال إذ لو دامت لغيرك ما آلت إليك ثم جاء التحذير منها حتى لا يركن الإنسان إليها أو يجعلها أكبر همه أو مَبْلغ عِلْمه .. 
  • فقد خَصَّ فِتْنة النساء بالتحذير بعد ما عمَّمه ؛ حيث هى أكبر الفِتَن وأشدُّها خطرًا على الرِّجال ؛ إذ رغم أنهن ناقصات عقل ودين إِلاَّ أنهن يذهبن بِلُبِّ الرَّجل الحازم إذا لم يتَّقِ الوقوع فى حبائلهن .. فقد كانت أول فِتْنة فى بنى اسرائيل فى النساء ، والتى قادتهم إلى المهاوى ، والمهالك ، والوقوع فى سائر الفِتَن والمصائب حتى استحلُّوا أموال الغير ، وحرَّفوا الكتاب ، وقتلو أنبياءهم كزكريا ويحيى (عليهما السلام) وهمُّوا بقتل المسيح وصلبه لولا أنْ رفعهُ الله إليه .
  • ثم يُبيِّن الحديث أنَّ الناس خُلِقُوا على طبقات شتى .. فقد خلق الله آدم من تُراب الأرض التى منها النفيس والرخيص ، والطَّيَّب والخبيث ، والحزن والسهل ، والأحمر ، والأسود ، والأبيض قال الحق تبارك وتعالى : ﴿ .. وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) ﴾  فاطر ..  ويقول فى موضع آخر : ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ .. (58) ﴾  الأعراف .
  • من هنا يَتبين لنا أن الناس معادن : منهم من يولد مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموت مؤمنًا .. وهؤلاء هم عبيد الإحسان الذين كان حظهم أن خُلِقُوا من أطيب تُراب الأرض فهم السُّعداء فى الدارين .. ومنهم من يُولَدُ كافرًا ويحيا كافرًا ويموت كافرًا وهؤلاء الذين خُلِقُوا من أخبث تراب الأرض .. ومنهم من يُولَدُ مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا .. وهؤلاء الذين يعملون بعمل أهل الجنَّة فيما يبدوا للناس وهم من أهل النار لخبث معدنهم وسوء طَوِيَّتهم .. ومنهم من يُولَدُ كافرا ويحيا كافرا ويموت مؤمنًا .. وهؤلاء الذين يعملون بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهم من أهل الجنَّة لطيب معدنهم ونقاء سَرِيرَتِهم وخلوص نيَّتهم وتلك أمور لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى الحكيم الخبير الذى لا تخلو أفعاله عن الحكمة حيث يقول  : ﴿ .. وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (46) ﴾  فصلت . 
  • ثم يشرح الحديث شهوة الغضب وبأنها من النار .. وطبيعة النار التأجُّج والإرتفاع ، وعلاجها يكون بالإتيان بفعل عكسى ألا وهو الإتجاه إلى الأرض أى لو غضب الإنسان وهو قائم فعليه أن يجلس ، وإن غضب وهو جالس فعليه أن يضطجع .. فإن كان مضطجعًا .. رقد .. وهكذا .. وشهوة الغضب نعمة إذا كانت فى حُدُودها المطلوبة : إذ بها تُجلَبُ المنافع ، وتُدفَعُ المضار .. أما إذا شابها الإفراط أو التفريط كانت وَبَالا على صاحبها .. والناس فى غضبهم أربعة أنواع أو أقسام
  • فمن كان بطىء الغضب سريع الرضا فهو خير الناس إذ تخَّلق بالحلم والسماحة .
  • ومن كان سريع الغَضب بطىء الرضا فهو شر الناس إذ يَسْهُل إغضابه ويَصْعُب إرضاؤه فهو شرس غليظ أسود القلب .
  • ومن كان سريع الغضب سريع الرضا ، أو بطىء الغضب بطىء الرضا فهذه بتلك أى تُعوِّض سرعة رضاه سرعة غضبه أو يمحو عَيْبَ بُطْءِ الرضا بُطْءُ الغضب فهذا لا له ولا عليه ولكنه على خطر . 
  • وينتقل الحديث إلى نوع من المعاملات بين الناس هو أهم أنواعها ألا وهو التبايع .. ويُقسِّم الحديثُ الناسَ فى هذا الشأن أيضا إلى أربعة أقسام
  • فخير التُّجَّار من كان حسن القضاء حسن الطلب أى : يؤدِّى ما عليه دون مماطلة ، ويُطَالِب بحقِّه فى أَدَبٍ ، ودون إلحاح ، أو إرهاق ، أو عدم تقدير للظروف . 
  • وشر التُّجَّار من كان سَيِّئَ القضاء سَيِّئَ الطلب .. يُماطل فى أداء ما عليه ويُلِحُّ فى طلب ما له .
  • أما إذا كان حسن القضاء ، سيِّئ الطلَب أو كان سيئ القضاء ، حسن الطلَب ، فقد عوَّضَت الصفَةُ الطيبة الصفَةَ السيِّئةَ ، وعادلتها ؛ فهو وسط بين خير التُّجَّار وبين شَرِّ التُّجَّار ، ولكنه على خطر ؛ فقد تميل به أهواؤه فيصبح فى عداد شَرِّ التُّجَّار . 
  • ثم ينبِّه الحديث إلى خطورة الغدر ـــ وهو ضد الوفاء ـــ إذ يفضح صاحبه يوم القيامة على رءوس الخلائق بأن تُرفع له راية على مقدار غَدْرَته .. والغَدْر من صفات المنافقين .. وأكبر الغَدْر غَدْرُ أمير عامة .. ذلك الذى استأمنه الناس على مصالحهم . فخان الأمانة مثل هؤلاء : 
  1. قائد جيش يُسلم جنوده للأَعْداء .
  2. ومُستأْمَن على أسرار الدولة فيفشيها .
  3. وحاكم يسلب أموال الدولة ويُهرِّبها إلى الخارج ويُودعها باسمه ، أو بأسماء أسرته فى مصارف خارجية وحسابات سرِّية .
  4. وممثِّل الشعب فى المجالس النيابِيَّة الذين لا هَمَّ لهم إلاَّ قضاء مصالحهم الشخصيَّة ، والإستفادة من حصانتهم .
  5. ورؤساء النقابات وما إلى ذلك من مناصب يكون الإنسان فيها مسئولاً عن الناس ، أو مُسْتَأْمَنًا على مصالحهم ، أو معهودًا إليه بشئونهم .. فيخون الأمانة ، وينقض العهد ، ويخل بالوعد .
  • ويختتم النبى ﷺ حديثه فى هذه الخُطبة الفَذَّة الجامعة بوصف العلاج الناجع ، والدواء لكل الأدواء ألا وهو قول الحق مهما كانت الظروف والأحوال ، وألاَّ يمتنع من يعلم الحق عن التكلُّم به مهما كانت النتائج ؛ فالحق يَعلو ولا يُعْلَى عليه .. والساكت عن الحق شيطانٌ أخرص .. وعلى من يعلم الحق أن يقول ما يَجِبُ أن يُقَالَ لا ما يُحِبُّ أنْ يَسمعه الناس ، وهذا هو الجهاد بالقول ومقاومة المُنكر باللسان .

  • وأفضل الجهاد كَلِمَة حق عند سلطان جائر .. إذ إنَّ جَوْرَ الحُكَّام من أخطر الأُمور على الأمة : فهو يُؤدى إلى انتشار النِّفاق ، والجُبْن ، والخنُوع ، وضياع الحقوق ، وإحساس الرعيَّة بعدم الإنتماء لبلدهم .. فتنهار الأمة من داخلها
  • ويبين الصادق المصدوق ﷺ أن ما بقى من الدنيا بالنسبة إلى ما مضى منها مثل ما بقى من صلاة العَصْر ـــ التى كانت خُطْبته ﷺ بعدها ـــ إلى صلاة المغرب بالنسبة إلى ما مضى من صلاة الفجر إلى صلاة العصر .     
                         ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛                       

     المرجع/مجامع الكلم

     للداعية الإسلامى/ياسين رشدى