دروس وعبر | إبْراهِيمُ (عليه السَّلام) خليل الله وأولى العَزْم منَ الرُّسل وحِواره مع النَّمْرود

 إِبْـرَاهِـيمُ (عَليْه السَّلام)


  • سيدنا إبراهيم (عليه السلام) من أولى العزم من الرسل وهو خليل الله الذى اختاره إماما للناس ، وإمام الحنفاء ، الذين استقاموا على منهج الله ، وأخلصوا له التوحيد والعبادة . منَّ الله تبارك وتعالى عليه برجاحة العقل ، وبلاغة الحُجة ، وسرعة البديهة ، وصفه الله عزَّ وجلَّ فقال : ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) ﴾ النحل . 
  • هجرة إبراهيم (عليه السلام) إلى بلاد الحجاز :
  • أمر الله عزَّ وجلَّ إبراهيم (عليه السلام) أن يهاجر بزوجه وإبنه إسماعيل إلى واد ليس فيه زرع ولا ماء ، فأمتثل لأمر الله تعالى ووضعهما فى بلاد الحجاز ، ولما أراد أن يغادرهما تبعته السيدة هاجر أم إسماعيل وقالت له : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه إنس ولا شىء ؟ وقالت له ذلك مرارًا ، وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم ، قالت : إذن لن يُضيعنا ، ثم رجعت ، وانطلق إبراهيم (عليه السلام) حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت وتوجه إلى الله عزَّ وجلَّ بهذا الدعاء الخاشع : ﴿ رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡ‍ِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ 
  • حوار إبراهيم الخليل (عليه السلام) مع أبيه آذر وقومه :
  • لقد ذكر القرآن الكريم فى أكثر من موضع جهاد الخليل إبراهيم (عليه السلام) فى تعريف الناس بـ الله الواحد الأحد ، وتذكيرهم بنعمه ، فقد كان قومه يعبدون الأصنام ، وكان أبوه آذر ممن يصنعها ، فبدأ إبراهيم الخليل (عليه السلام) دعوته بدعوة أبيه وتذكيره بأن هذه الأصنام التى يصنعها لا تضر ولا تنفع ، وكان يدعوه باللِّين ، والرِّفق ، ولا يخاطبه إلا بقوله : "يا أبت" إلا أن أباه أصر على موقفه ، وطلب من إبراهيم أن يهجره ويتركه ، 
  • ويصور لنا هذه المشهد القرآن الكريم فى سورة مريم : ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) ﴾ مريم . 
  • ثم انتقل إبراهيم (عليه السلام) إلى دعوة قومه بترك عبادة الأصنام ، يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) ﴾ الأنبياء . ولكن القوم لم يجدوا جوابًا إلا طريقة التقليد وهى أن آباءهم سلكوا نفس الطريق فى عبادة الأصنام ، ولم يستجيبوا له ، فلما رأى منهم صدهم عن دعوته أقسم لهم أنه سيكيدُ لأصنامهم ويحطمها .
  • فلما خرج القوم من قريتهم لعيدهم ولم يتخلف أحد غيره أقسم وقال : والله لأكيدنَّ أصنامكم ، وأخذ يكسر الأصنام كلها إلا كبيرها الذى تركه وعلق الفأس فى عنقه لكى يظهر جهلهم فى عبادة الأوثان  ، فلما رجعوا وجدوا أصنامهم محطمة ، وعندما علموا أن إبراهيم (عليه السلام) هو من فعل بآلهتهم . قرروا أن يكيدوا له ؛ وذلك بأن يلقوه فى النار التى جمعوا لها حطبًا عظيما ثم أشعلوها ، ولشدة حرارتها وضعوا إبراهيم (عليه السلام) على منجنيق وقذفوه فيها فقال (عليه السلام) : حسبى الله ونعم الوكيل ، فأمر الله عزَّ وجلَّ  النار بأن تكون بردًا وسلامًا عليه ، فأنجاه الله منها ، يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ  ﴾ الأنبياء .
  • حوار إبراهيم (عليه السلام) مع النَّمرود :
  • يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) ﴾ البقرة . استدل إبراهيم (عليه السلام) على وجود الله بالمشاهدات التى حوله فى الكون : من موت ، وحياة . 
  • وفى مناظرة مع النمرود قال له إبراهيم (عليه السلام) : إن الله يحيى ويميت ، قال النمرود على سبيل المكابرة والجدل بالباطل : أنا أحيى وأميت بأن يأتى برجلين حُكم عليهما بالقتل ؛ فيقتل أحدهما ويعفوا عن الآخر ، فيكون بذلك قد أمات الأول ، وأحيا الآخر ، إلا أن إبراهيم (عليه السلام) تحداه وانتقل معه إلى أمر لايمكن معه المكابرة وقال له : إن الله يأتى بالشمس من المشرق فأْتِ بها من الناحية الأخرى من المغرب فتحير هذا الكافر وانقطعت حُجته . 
  • إبراهيم (عليه السلام) وفداء ابنه إسماعيل :
  • مرت الأيام وشب إسماعيل (عليه السلام) ورأى إبراهيم (عليه السلام) فى منامه أنه يذبح ولده إسماعيل ، وأخبر رؤياه ولده إسماعيل ، فما كان من الإبن البار إلا أن يطيع أباه ويقول له : يا أبت إفعل ما تؤمر ويشجعه على تحقيق منامه ، فلما أراد أن يهوى بالسكين لذبح ولده ناداه الله عزَّ وجلَّ بالكف عن الذبح ، وأن هذا العمل منه يكفى تصديقًا للرؤيا ، ورأى إبراهيم (عليه السلام) كبشًا قريبًا منه ، فذبحه فدية عن ولده والآيات التالية تبين لنا هذا الموقف ، حيث يقول الحق تبارك وتعالى﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ  فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ  وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ  قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ  إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ  وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ ﴾  الصافات .
  • إبراهيم (عليه السلام) والطيور الأربعة :
  • طلب إبراهيم (عليه السلام) من ربه عزَّ وجلَّ أن يريه كيفية إحياء الموتى ليس إعتراضًا ولكنه أراد أن يطمئن قلبه بالأدلة اليقينية وطلب التجلى والمكاشفات ، قال الحق تبارك وتعالى : ﴿ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِ‍ۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَ لَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ .. (260) ﴾ البقرة .   قال إبراهيم (عليه السلام) : بلى أؤمن به إيمان الغيب ، ولكن أطلب حصولها ليطمئن قلبى بسبب حصول ذلك التجلى قال عزَّ وجلَّ : ﴿ .. قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 
  • إبراهيم (عليه السلام) وبِنَاء الكعبة :
  • بعد أن ترك إبراهيم (عليه السلام) زوجته هاجر وولده إسماعيل فى وادى لا زرع فيه ولا ماء ، وبعد أن نبع ماء زمزم تحت قدم إسماعيل وتجمعت القبائل حول زمزم ، بدأ إبراهيم (عليه السلام) بزيارة ولده إسماعيل الحين بعد الحين  ، ففى إحدى الزيارات أمر الله تعالى إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) أن يبنيا البيت فصدعا بالأمر وبدءا ببناء الكعبة فجعل إسماعيل يأتى بالحجارة وإبراهيم يبنى . حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له : فقام عليه وهو يبنى وإسماعيل يناوله الحجارة  وهما يقولان : ﴿ .. رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ  ﴾ البقرة .    ولما أتم بناء البيت أمره الله تعالى أن يعلم الناس بأنه بنى بيتًا لعبادة الله تعالى وأن عليهم أن يقصدوه للنسك . 
  • وطلب إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) من الله تعالى أن يريهما المناسك : ﴿ رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ  . فكان أول بيت وضع للناس ليعبدوا الله فيه ، ويحجوا إليه ، يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ  فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ 
  • وأمر الحق تبارك وتعالى إبراهيم (عليه السلام) أن ينادى ويؤذن فى الناس بالحج فقال إبراهيم (عليه السلام) : وما يبلغ صوتى ؟ فقال : عليك الأذان وعلينا البلاغ ، فقام إبراهيم (عليه السلام) على المقام فارتفع به المقام ، وأدخل أصبعيه فى أذنيه وأقبل بوجهه يمينًا وشمالا وشرقًا وغربًا ، وقال : يا أيها الناس ، ألا إن ربكم قد بنى لكم بيتًا ، وكتب عليكم الحج إلى البيت ، فأجيبوا ربكم ، فأجابه كل من كان يحج من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات : لبيك اللهم لبيك ، حيث يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ 

                   ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛