شخصيات إسلامية | الإمـامُ الشَّـافِعى ثالث الأئمة الأربعة وصاحب كتــاب الأم
الإِمَــامُ الشَّــافِعى
(رحمه الله)
- نَســـَــــــب الشَّافعى :
هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع ابن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف .
والمُطَّلب هذا أحد أولاد أربعة لعبد مناف هم : المُطَّلب ، وهاشم ، وعبد شمس جدّ الأمويين ، ونوفل جدّ جُبيْر بن مُطعم ، وقد كان جدَّه السائب صاحب راية الهاشميين فى بدر .
أمَّا أُمُّه فيمنيَّة من الأزْد، وليست قُرشية وكان لها فضل ، فى تكوينه ونشئته ، أمَّا الأب فقرشىّ ، مات والشافعى فى المهد ، فنشأ فقيرًا ، فى مكة ، يقول صاحب كتاب تاريخ بغداد فيما قال الشافعى عن نفسه : " كنتُ باليمن فخافتْ أمّى علىّ الضَّيْعة ، وقالت : الحَقْ بأهلك فتكون مِثْلهم ، فإنى أخاف أن تُغْلَبَ على نَسَبِك فجهَّزَتْنى إلى مكة فَقدِمْتُها ، وأنا يومئذ ابن عَشْر ، أو شبيه ذلك ، فصرتُ إلى نسب لى ، وجعلتُ أطلب العلم " .
والإمام الشافعى هو ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة وصاحب المذهب الشافعى فى الفقه الإسلامى ، ومؤسس علم أصول الفقه ، وإمام فى علم التفسير وعلم الحديث .
- مَولـِـــــد الإمام :
تجمع الروايات على أنَّ الإمام الشافعى قد ولد سنة 150 هجرية فى غزة ، وأن هذه السنة ــ التى ولد فيها هى السنة نفسها التى تُوفى فيها الإمام أبو حنيفة (رحمه الله) شيخ فقهاء العراق ، وإمام القياس .
- نبُوغـه فِى العِـلْم :
حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين وجوَّده على مقرىء مكة : إسماعيل بن قسطنطين . ثم اتجه بعد حفظه القرآن الكريم إلى حفظ أحاديث رسول الله ﷺ ، وكان حريصًا على جمعها ، وقد فاق أقرانه بذكائه واجتهاده ، كان القادم من بيئة الفقه فى العراق ينبهر بفقهه ، وكان القادم من بيئة المحدثين فى المدينة ينبهر بدقَّته ، حتى رآه الإمام أحمد بن حنبل الذى جاء يطلب الحديث مع أداء الحج ومناسكه وكان مع صاحب له هو إسحاق بن راهوية ، فقال لصاحبه : " لقد سمعت رجلاً ما رأيتُ أحسن من عقله " فأخذه معه .
فقال له : أنترك حديث بن عيينة وأمثاله لنستمع إلى ذلك الشاب . فقال له : إنْ فاتك عقل هذا الفتى لا تجد بدله ، وإن فاتك الحديث بعلو لا يفوتك بنزول .
كان يجلس فى المسجد الحرام ، وحوله تلاميذ ومريدون فيهم من يكبره سنًا ، وفيهم غير ذلك ، يجلس للإفتاء ، وبيان حقائق الشريعة على نحو يلفت الأنظار ويبهرها بشكل لم يألفه الفقهاء والمحدثون .
- رَحلاتُهُ فى طَلب العِـلْم :
تبدأ المسيرة المباركة من غزة ، حيث بداية رحلة طلب العلم ، وحفظ القرآن الكريم ، ثم الإتجاه إلى مكة المكرمة حيت تلقى حديث رسول الله ﷺ ــ من شيوخ الحديث بها حيث حفظ الأحاديث وحرص على كتابتها أحيانًا على الخزف ، وأحيانًا على الجلود ، وإذا عزَّ عليه ذلك ذهب إلى ديوان الحكم يستوهب الظهور ( وهى الأوراق الديوانية التى كُتب على أحد وجهيها أى استعملت) ــ ليكتب على الوجه الذى لم يكتب عليه ، وذلك لندرة الورق ، وصعوبة حصوله عليه .
ارتحل الشافعى إلى العديد من البلدان لطلب العلم ، منها مصر واليمن والعراق والمدينة المنورة ، وفى أثناء تواجده بالعراق أسس مذهبا جديدًا خاصًا به اسمه المذهب الشافعى ، وقد جمع بين فقه أهل المدينة وبغداد .
وحين بدأت العجمية تغزو اللسان العربىّ جدّ فى طلب العربية وتَلمَّسَ طريق الفُصحى حتى لا يُصاب بما انتشر بسبب الإختلاط بالأعاجم فى المدائن والأمصار ، فخرج إلى البادية ليختلط بالبدو ويأخذ عنهم اللغة الصافية الرَّائقة ، ولزم قبيلة (هزيل) .
يقول الشافعى : "إنِّى خَرجْتُ من مكة فلازمتُ هزيلاً بالبادية ، أتعلَّمُ كَلامَها وآخذُ طبعَها ، وكانت أفصح العرب ، أرْحلُ برحيلهم ، وأنزل بنزولهم ، فلما رجعتُ إلى مكة كنتُ أذكرُ الآداب والأخبار" .
فكانت رحلاته للبادية كفيلة بتهذيب حِسَّه الأدبى ، وصقل ذوقه اللغوى ، فحفظ الأشعار ، وبخاصة شعر قبيلة (هزيل) ، ويكفيه فى ذلك فخرًا أن يقول فيه الأصمعى الرواية الثقة : "صَحَّحْتُ أشعار هزيل على فتًى من قُريش اسمه محمد بن إدريس" .
وإلى جانب المهارة اللغوية والأدبية تعلم الرماية وبرز فيها ، قال : " كانت همَّتى فى شيئين : فى الرَّمى والعلم ، فصرتُ فى الرَّمى بحيثُ أصيب عشرةً من عشرة " لكنه لم يتحدث عمَّا بلغه من العلم تواضعًا ، فأجاب بعض الحاضرين : " أنت والله فى العلم أكثر منك فى الرمى " .
هكذا كان الشافعى يُفتى ويحدِّث وهو فى العشرين من عمره ، وحين وصل إليه خبر الإمام "مالك بن أنس" (رضى الله عنه) وعلمه الغزير تطلع إلى لقائه والأخذ عنه لا سيما وقد ذاع كتاب مالك الشهير " الموطأ " فاستعاره ممن اقتناه بمكة ، وقرأه قراءة واعية خبيرة ، واتجه إلى (المدينة المنورة) ليلقى الإمام "مالك" (رضى الله عنه) ، ولما رآه الإمام مالك ــ وكانت له فراسة ــ قال له : يا محمد ! اتق الله ، واجتنب المعاصى فإنه سيكون لك شأن ، إن الله تبارك وتعالى قد ألقى على قلبك نورًا ، فلا تطفئه بالمعصة .
فى مصر : تعلم الشافعى فقه " الليث بن سعد " من يحيى بن حسان فى اليمن ، وتعلمه فى مصر وقال عنه : " العلم يدور على ثلاثة : مالك ، والليث ، وسفيان بن عيينة " . هبط الإمام الشافعى مصر ومعه تلميذه أبو بكر الحميدى ، ورفض أن ينزل عند بعض الأكابر وقال : أريد أن أنزل عند إخوانى من الأزد ــ قبيلة أمه .
ثم قصد إلى دار عبد الله بن الحكم ، وفى هذه الدار انقسم أهل العلم بين مالكية وشافعية .
كان الشافعى (رحمه الله) يستفتح نهاره بالقرآن الكريم ، ثم بالحديث ، ثم المناقشة المفتوحة ، ثم العلوم العربية من لغة وشعر وعروض ونحو . وهنا تكاملت بجامع عمرو بن العاص منهجية الدرس ، لهذا كان يقول الشافعى :
" مَنْ تعلَّم القرآن عظمت قيمته ، ومَنْ نظر فى الفقه نبل قَدْره ، ومَنْ كَتَبَ الحديث قويت حُجته ، ومَنْ نَظَر فى اللغة رقَّ طبعه ، ومَنْ نظر فى الحساب جزل رأيه ، ومَنْ لم يصنْ نفْسَهُ لم ينفعه علمه " .
كان حريصًا على منهجه فى عدم الإقبال على الجدل وظل فقه الشافعية بمصر حتى منتصف القرن الثانى الهجرى حيث أمرت الدولة الفاطمية بمذهب الشيعة ، حتى عاد للقضاء الشافعى أمره بعد ذلك .
- فى جامع عمرو بن العاص فى مصر :
هاجر الشافعى إلى مصر سنة 199 هجريه فاستقبلته استقبال العلماء ، وأجلَّته ، واحتل مكانه العلمى للإفتاء فى جامع عمرو بن العاص يُرسى أساس مذهبه الجديد ، وفقهه .
أحبَّتْ مصر العالم الجليل محمد بن إدريس الشافعى . سمعه الناس وهو يتلو كتاب الله بصوت رائع جميل له تأثيره فى القلوب ، ولعذوبة صوته المُنْصبّ فى الآذان يَأْسِر النفوس ، يقول تلميذه المزنى : " كان إذا تكلَّمَ كأنه صنج أو جرس من حُسْن صوته " .
كما بهر الناس ببلاغته وعلمه فى جامع عمرو بالفسطاط على شاطئ النيل بمصر وفى " زاوية الخشابية " من هذا المسجد الجامع ــ أول مسجد أقيم فى أفريقيا ، تحلِّق الناس حول هذا العالم القرشى ينهلون من عِلمه وفقهه وفضله ، ويسمعون خطبه ، فهو خطيب مفوَّه ، ويرون هيبته ، حتى قال تلميذه الربيع : " والله ما جرؤتُ أن أشرب الماء ، والشافعى ينظر إلىَّ هيبة له " .
- محْنَة إتْهَام الإمام بالتشــيُّع
هكذا كان من صراحته وجرأته فى الفتوى ما جرَّ عليه بعض المتاعب حتى وشى به الوشاة على أنه شيعى يؤلب الناس على بنى العباس ، وهى تهمة خطيرة آنذاك تعاقب عليها الدولة أقسى العقوبة ، وهكذا حُشِرَ الإمام الشافعى للرشيد الذى سفك دماء من توهَّم أنهم ضده ، فاتهم الشافعى سنة 184 هجرية ، وسيق من اليمن إلى بغداد على قدميه أو فوق بعير مع تسعة آخرين مغْلولة أعناقهم وأيديهم فلم يجدوا الرشيد ببغداد ، فاقتيدوا إلى الرقة فى شمال غربى الجزيرة ، وكان إلى جواره فى مجلس المحاكمة " محمد ابن الحسن الشيبانى " قاضى الرقة وصاحب الإمام أبى حنيفة ، وتلميذ الإمام مالك ، وصاحب الشافعى .
ضُربت أعناق المتهمين واحدًا بعد الآخر إثر إتهامات عاجلة حتى حان دور الشافعى ، يقول : ثم قدمتُ ومحمدُ بن الحسن جالس معه ، فقال لى مثل ما قال للفتى .
فقلت : يا أمير المؤمنين : لستُ بطالبى (أتباع بنى أبى طالب أبى على) ولا علوى . وإنما أدخلت فى القوم بغيًا علىَّ . وإنما أنا رجل من بنى المطلب بن عبد مناف بن قصى ، ولى مع ذلك حظّ من العلم والفقه . والقاضى يعرف ذلك ــ وأنا محمد بن إدريس بن عثمان بن شافع بن السائب بن هاشم بن عبد مناف . فقال : أنت محمد بن إدريس ؟ ما ذكرك لى محمد بن الحسن . ثم عطف على محمد بن الحسن فقال : يا محمد : ما يقول هذا .. هو كما يقوله ؟ قال محمد بن الحسن : بلى وله من العلم محل كبير ، وليس الذى رُفع عليه من شأنه . قال : فخذْه حتى أنظر فى شأنه . فأخذنى محمد فكان سبب خلاصى لمَّا أراد الله عزَّ وجلَّ .
برئت ساحة الإمام ، وأمر له الرشيد بعطايا قدرها خمسون ألفًا ، ولما لحق به " هرثمة بن أعين " وهو من كبار القواد عارضًا عليه هدية رفضها قائلا : " إنى لآخذ الهدية ممن هو دونى " . ومن الجدير بالذكر فى هذا المقام أن يحيى بن معين اتهمه بأنه رافضى لأنه لم يذكر فى (كتاب السَّير) إلا على بن أبى طالب .
لكن الإمام أحمد بن حنبل قال : يا عجبا ، فبمن كان يحتج الشافعى فى قتال أهل البغى ؟ فإن أول من ابتُلى من هذه الأمة بقتال أهل البغى هو على بن أبى طالب . فخجل يحيى بن معين ، ثم قال فى الشافعى بعد ذلك : " لو كان الكذب مطلقًا لمَنَعتُه مروءتُه عن أن يكذب " .
- مَكانة الشافعى وشهادة تَلامِيذه له :
"ما رأيت أحدًا إلا وكتبه أكبر من مشاهدته إلا الشافعى ، فإن لسانه أكبر من كتبه ، وإذا كانت كتب الشافع على أحسن ما تكون من جودة التعبير ، وحسن تصوير للفكرة ، فكيف تكون حال مشاهدته ، وهى أقوى أداء ، وأكمل إشارة ، وأعلى عبارة ، ولقد بلغ من إجادته للبيان أن قال فيه إسحاق بن راهوية : " إنه خطيب العلماء " .
وقال يحيى بن معين فى خُلق الشافعى : " لو كان الكذب مباحًا لكانت مروءته تمنعه من أن يكذب " .
وقال الكرابيسى : " ما كنا ندرى ما الكتاب ولا السُّنَّة ولا الإجماع حتى سمعنا الشافعى يقول : الكتاب والسنة والإجماع " .
وقال أبو ثور : " لما قدم علينا الشافعى دخلنا عليه فكان يقول : " إن الله تعالى قد يذكر العام ، ويريد به الخاص ، ويذكر الخاص ويريد به العام " ، وكنا لا نعرف الأشياء فسألناه عنها ، فقال : إن الله تعالى يقول : ﴿ .. إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ .. (173) ﴾ البقرة . والمراد أبو سفيان ، (أى وهو خاص) ، وقال تعالى : ﴿ .. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ .. (1) ﴾ الطلاق . ، فهذا خاص والمراد عام .
وقال الزعفرانى : " كان أصحاب الحديث رقودًا حتى أيقظهم الشافعى فتيقظوا " ، وحين قرأ عبد الرحمن بن مهدى رسالته فى الأصول قال : "هذا شاب مفهم" .
وقال عنه محمد بن عبد الله بن الحكم أحد تلاميذه فى مصر : " لولا الشافعى ، ما عرفتُ كيف أردَّ على أحد ، وبه عرفْتُ ما عرفْت ، وهو الذى علمنى القياس رحمه الله " .
وقال عنه أحمد بن حنبل : روى عن رسول الله ﷺ أنه قال : " إن الله عزَّ وجلَّ يبعث على كل مائة سنة رجلاً يقيم بها أمر دينها فكان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة ، وأرجو أن يكون الشافعى على رأس المائة الأخرى " .
وقال أيضا : " كان الفقه قفلا على أهله حتى فتحه الله بالشافعى " .
وقال أيضا : " كان الشافعى كالشمس للدنيا ، وكالعافية للناس " .
ويقول الزركشى فى (البرهان فى علوم القرآن) : " قال الشافعى (رضى الله عنه) : جميع ما تقوله الأمة شرح للسُّنة ، وجميع السُّنة شرح للقرآن ، وجميع القرآن شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العليا " .
وقال الربيع بن سليمان تلميذ الشافعى وخادمه وراوى كتبه : " لو وُزن عقل الشافعى بنصف عقل أهل الأرض لرجحهم ، ولو كان من بنى إسرائيل لاحتاجوا إليه " .
مؤلفات الإمام الشافعى :
ألف الكثير من الكتب والمصنفات كان من ضمنها كتاب " الرسالة " وهو أول كتاب كُتب فى " علم أصول الفقه " ، ومعرفة الناسخ من المنسوخ ، وكان ملمًا بعلم التفسير وعلم الحديث ، واتصف الإمام الشافعى بالورع وحسن الخلق وبالفطنة والفراسة والذكاء الشديد ، كما أنه كان متواضعًا .
كان للشافعى لغته حتى قالت المراجع : هذه لغة الشافعى وقد أملى الشافعى كتبه بنفسه ، ولم يترك آخرين يقومون بالتدوين مستقلين ، وكتب بيده . ولهذا تتسم أعماله بالثبوت والوضوح مع ضخامتها ، كما اتسم منهجه بالإستقلال .
كان محمد بن إدريس أعلم الناس بلغة الكتاب والسنة ، ولهذا لقبوه (ناصر الحديث) ، وفيما بعد لقبه العلماء (واضع علم الأصول) .
ومن مؤلفاته أيضًا : أحكام القرآن ، واختلاف الأحاديث ، وإبطال الإستحسان ، وجماع العلم ، والقياس ، وله أيضا " مسند " مشهور ، وله كتاب (الحجة) .
قد غيَّر الإمام بعض آرائه فى بعض الفروع وهو فى مصر ، وكان الكرابيسى ، الزعفرانى قد دوَّنا كتبه فى بغداد ، حيث صنف كتاب (الحجة) ، وفيه علمه الذى أنضجته تجاربه ، وعلمه فى مكة ، وبهذا جمع فقهه الجديد والقديم ، أو العراقى والمصرى .
وقد تضمنت (الأم) كثيرًا من (المبسوط) ، و (الحجة) ولهذا كانت كتب الشافعى المصرية هى أساس تصانيفه . ولم ينقل كتبه كلها معه إلى مصر ، لذا كان يعتمد على ذاكرته ، لذا نراه يذكر ذلك فى بعض كتبه .
وقد قيل إنه ألف 113 كتاباً فى التفسير والفقه والأدب ، وقيل 142 كتاباً ، وفى معجم ياقوت ، والفهرست لابن النديم ثبت بكتبه .
- كتـــــــاب "الأم" :
برواية الربيع المرادى ، يقع فى سبعة مجلدات ضخمة كأنها جهد فريق من العلماء ، ويسمى هذا الكتاب (المبسوط) وهو عدة كتب قد يكون فى تفصيلها فى : جماع العلم ، وإبطال الإستحسان ، وبيان الفرض وصفة الأمر والنهى ، وخلاف مالك وغيرها .
وقد ألَّفها فى مدة قصيرة ، وقد احتوى كتابه (خلاف مالك) ، إذ تضم (الأم) معظم فقه الشافعى برواية متعددة عن الربيع ، تارة بالرجوع إلى نسخة بخط يد الشافعى ، أو أملاها عليه ، وكتبها عنه الزعفرانى .
يذكر الإمام الشافعى فى كتاب (الأم) حرية الاجتهاد وحرية الخلاف وينهى عن التقليد ، ويشيد بالعناصر اللازمة للقياس من : الموضوعية ، والواقعية ، والمشاهدة ، التجربة ، والانضباط .
- وفى كتاب (الأم) نرى مصادر فقهه كما ذكرها :
" العلم طبقات شتى : الأولى : الكتاب والسنَّة إذا ثبتت ، والثانية : الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سُنَّة ، والثالثة : أن يقول بعض أصحاب النبى ﷺ قولاً ، ولا نعلم له مخالفًا منهم ، والرابعة : اختلاف أصحاب النبى ﷺ فى ذلك ، والخامسة : القياس ، ولا يصار إلى شىء غير الكتاب والسنة ، وهما موجودان ، وإنما يؤخذ العلم من أعلى " .
- من أقوال الإمام الشافعى :
- مامن أحد إلا من تذهب عليه سنَّة لرسول الله ﷺ ، وتعزب عنه ، فمهما قلت من قول ، أو أصَّلت من أصل فيه عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت ، فالقول ما قال رسول الله ﷺ وهو قولى .
- إذا وجدتم فى كتابى خلاف سُنَّة رسول الله ﷺ فقولوا بسنَّة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت !
- إذ صح الحديث فهو مذهبى .
- أنتم أعلم بالحديث والرجال منى ، فإذا كان الحديث الصحيح فأعلمونى به أى شىء يكون ، كوفيًا أو بصريًا أو شاميًا ، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا .
- كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله ﷺ عن أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها فى حياتى وبعد موتى .
- لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح ، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح .
- أجمع المسلمون على أن من استبان له سُنَّة عن رسول الله ﷺ لم يحل له أن يدعها لقول أحد .
- طلب العلم أفضل من صلاة النافلة .
- تعلم ما استطعت تكن أميرًا ، ولا تك جاهلاً تبقى أسيرًا .
- النفس تجزع أن تكون فقيرة ، والفقر خيرًا من غِنىَ يُطْغيها ، وغنى النفوس كفافها فإذا أبت فجميع ما فى الكون لا يكفيها.
- أتهزأ بالدعاء وتزدريه .. وما تدرى بم صنع الدعاء سهام الليل لا تخطئ ولكن .. لها أمد وللأمد انقضاء فيمسكها إذا ما شاء ربى .. ويرسلها إذا نفذ القضاء .
- [شكوت إلى وكيع سوء حفظى ] : كان الإمام الشافعى يمشى بالطريق وإذا به قد رأى كعب قدم إمرأة تمشى أمامه . وكان الإمام الشافعى يستطيع الحفظ بطريقة عظيمة فيقرأ الصفحة ومن ثم يضع يده ويقرأها دون النظر إليها ، ولكنه بعد أن رأى كعب قدم المرأة لم يستطع أن يحفظ كما اعتاد أن يحفظ ، فذهب إلى شيخه " وكيـع " فأخبره بما حصل معه فقال له : إن العلم نورٌ من الله لا يُهدى إلى عاصى ، فأنشد الشافعى هذه الأبيات :
- وفاة الإمَام الشَّافعى :
توفى الإمام الشافعى سنة 240 هجرية فى مصر وكان عمره أربعا وخمسين سنة ، بعد أن ارتحل إليها سنة 199 هجرية ، فعاش فيها خمس سنوات ، ثم مرض واشتد عليه المرض وتُوفى على أثره .
وقد سأله أحدهم عن حاله وهو فى مرض موته فقال : يا أبا عبد الله كيف أصبحت ؟ فرفع رأسه ، وقال : أصبحت من الدنيا راحلاً ، ولإخوانى مُفارقًا ، ولسوء فعالى ملاقيًا ، وعلى الله واردًا ، ما أدرى روحى تصير إلى الجنة فأهنيها ، أو إلى النار فأعزيها . ثم بكى .
وقد دفن الإمام الشافعى (رحمة الله تعالى عليه) بالقاهرة فى أول شعبان ، يوم الجمعة .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛