بلاغة وإعجاز | القرآن كائن حىّ ، بلاغته وإعجازه اللغوى فى قمة البيان وجمال الإسلوب
القرآن كائن حىّ
البلاغة والإعجاز اللغوى
للدكتور/ مصطفى محمود
من عناية الله عزَّ وجلَّ بِخلْقه أن جعل القرآن محفوظًا فى كل العصور بأن قيَّض له فى كل عصر حُفاظًا مُتْقنين ، وعلماء محقِّقين اختصَّهم بحفظه ونقله وروايته ــ بالكيفيَّات المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ ودراسة علومه وفنونه من جهة أحكامه ، ومن جهة إعرابه ، ومن جهة بلاغته وإعجازه ، ومن جهة قصصه وأخباره ، ومن جهة أمثاله ومواعظه ، ومن جهة تعاليمه ومبادئه ، ومن جهة قراءاته ، ومن جهة لغته وألفاظه ، وعدد آياته وكلماته وحروفه ..
اللغة القرآنية تختلف عن لغتنا التى نكتب بها أو نتكلم بها فى أنها محكمة لا خطأ فيها ولا نقص ولا زيادة .
وقد كثر الكلام عن الآيات الكونية التى تحدثت عن النجوم ومساراتها والأرض وخلقها والحياة وبدايتها .. وكيف جاءت العلوم الحديثة بالجديد المبهر من الحقائق خلال مئات السنين التى أعقبت التنزيل القرآنى ، فلم تخرق حرفًا قرآنيًا واحدًا ، ولم تنقص آية ، بل توافقت جميعها مع كلام القرآن وزادته توكيدًا .
كما جاء القرآن فى نظم الحكم وفى الإقتصاد ، وفى الأخلاق وفى حقوق الإنسان ، وفى الأسرة وفى الزواج والمرأة ، والشرائع بالكلمة النهائية الجامعة .
كما انفرد بذروة فى البلاغة ، وقمة فى البيان وجمال فى الإسلوب لم يطاوله فيه كتاب ، وقد أفاض القدماء فى هذا وأغنونا .
لكن يظل هناك وجه معجز من وجوه القرآن ، ربما كان أهم من هذه الوجوه ، يحتاج إلى وقفة طويلة ، وهو ما أسميته بالمعمار أو البنية الهندسية ، أو التركيب العضوى أو الترابط الحى بين الكلمة والكلمة .
وما أشبه القرآن فى ذلك بالكائن الحى ، الكلمة فيه أشبه بالخلية ، فالخلايا تتكرر وتتشابه فى الكائن الحى ، ومع ذلك فهى لا تتكرر أبدًا ، وإنما تتنوع وتختلف ، وكذلك الكلمة القرآنية فإننا نراها تتكرر فى السياق القرآنى ربما مئات المرات ، ثم نكتشف أنها لا تتكرر أبدًا برغم ذلك ، إذ هى فى كل مرة تحمل مشهدًا جديدًا ، وما يحدث أنها تخرج بنا من الإجمال إلى التفصيل ، وأنها تتفرع تفرعًا عضويًا ، تمامًا مثل البذرة التى تعطى جذرًا وساقًا ، ثم أغصانًا ثم أوراقًا ثم براعم ثم أزهارًا ثم ثمارًا ، وهى فى كل مرة لا تخرج عن كونها نبات البرتقال ، ولكنها عبر هذا التفصيل تعطينا فى النهاية حقيقة نبات البرتقال ، وذلك هو الترابط العضوى أو المعمار الحى ، والقرآن بهذا المعنى يشبه جسمًا حيًا ، والكلمة القرآنية تشبه كائنًا حيًا أو خلية جنينية حية ، فهى تتفرع عبر التكرار الظاهر لتعرض مشاهد يُكمِّل بعضها بعضًا تمامًا ، كما تنقسم خلية الجنين لتعطى خلايا الرئتين والقلب والكبد والأحشاء والعظام والجهاز العصبى إلى أن تعطينا فى النهاية إنسانًا كاملاً ، وقد جاء كل هذا التنوع من خلايا متشابهة ، فذلك هو التفصيل الذى كان مجملاً فى الخلية الأولى للجنين .
وكمثال نأخذ كلمة "العِلْم" فى القرآن . فنجد أن العِلْم يأتى فى البداية مجملا بمعنى النظر فى خلق السماوات والأرض ، ثم نجد النظر يأتى بعد ذلك مفصلا .. يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) ﴾ الغاشية .
وهذه هى علوم الأحياء والفلك والجيولوجيا والجغرافيا كما نعرفها الآن . ثم ينقلنا القرآن إلى نظر من نوع آخر . ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ ۚ .. (42) ﴾ الروم .
وذلك هو النظر فى التاريخ ، ثم تنوع آخر : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ .. (20) ﴾ العنكبوت .
وذلك هو النظر فى التطور وعلم الأجناس ثم كيف كانت بداية هذا كله ؟ : ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ ۖ.. (45) ﴾ النور . ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ .. (11) ﴾ فاطر . ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ﴾ المؤمنون .
ذلك هو الأمر كما ورد مجملا فى البداية ثم جاء بعد ذلك التفصيل : ﴿ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ﴾ عبس .
ثم تفصيل أكثر : ﴿ .. نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ (37) ﴾ القيامة .
ثم نرى النطفة تأتى فى أكثر من عشرة مواضع ، فنجدها كل مرة تأتى بمشهد تفصيلى مختلف ، فهى : ﴿ .. نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ .. (2) ﴾ الإنسان . أى أخلاط من صفات وخصائص متنوعة . وذلك هو ما نعرفه الآن بالجينات الوراثية .
ثم يأتى القرآن بتفصيل أكثر بأن النطفة المنوية هى التى تحدد جنس المولود إن كان ذكرًا أم أنثى . ﴿ .. خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ (45) مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ (46) ﴾ النجم .
ثم تفصيل ثالث وهو أن هذه النطفة مقدرة بتركيبها هذا من الخالق وليست شيئا عشوائيًا من تدبير المصادفة : ﴿ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ﴾ عبس .
ثم ينقلنا القرآن إلى مشهد مكانى : ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ﴾ المؤمنون .
ثم ينقلنا إلى مشهد زمانى ، فيضع هذه النطفة فى سياقها التاريخى ويربطها ببدئها الأول السحيق من التراب : ﴿ .. فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ .. (5) ﴾ الحج .
ثم يعطينا تفاصيل أكثر لما حدث فى هذا السياق التاريخى ، إن النُّطفة كانت فى البداية نطفًا غير جنسية تتكاثر بالإنقسام الخضرى بدون تزاوج ، ثم تنوعت بعد ذلك إلى ذكر وأنثى وظهر التكاثر التزاوجى . تأتى هذه الإشارة فى الآية : ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ۚ .. (11) ﴾ فاطر . فجعل الأزواج تأتى متأخرة بعد النُّطف ، مما يدل على أن النطف المقصودة هنا هى نُطف أولية لم يتعين فيها ذكرًا أو أنثى وهو ما يعرف بالتكاثر اللاتزاوجى : Asexual Reproduction
ثم يعطينا مشهدا آخر تفصيليًا عن تسلسل النُّطفة فى سياقها فى مراحل خلق الجنين : ﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ﴾ المؤمنون .
ثم ينقلنا إلى مشهد غيبى : ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (77) ﴾ يس .
وذلك الإشهاد حدث فى الغيب قبل أن نولد : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ .. (172) ﴾ الأعراف .
هذا موقف إشهاد حدث للنفوس قبل أن تنزل فى الأرحام ثم مشهد عتاب ومؤاخذة : ﴿ .. أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) ﴾ الكهف . بعد كل هذا تكفر بخالقك ! ! وهكذا تتكرر كلمة النُّطفة فلا تتكرر أبدًا ، وإنما تحمل فى كل مرة مشهدًا جديدًا بحيث يتكامل معناها فى الذهن كما يتكامل كائن حى من بذرة تنمو شيئا فشيئا إلى نبات كامل .
ثم ينتقل فى مدارج العلم من النطفة نزولا حتى أصغر شىء يصل إليه العلم ، الذرة ومثقال الذرة ، فيلفت النظر إلى أن هناك ما هو أصغر من مثقال الذرة : ﴿ .. لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ .. (3) ﴾ سبأ .
ثم يعود فيلفت نظرنا إلى أن كل هذه العلوم التى أشار إليها ، إنما هى علوم كونية خاصة بالكون الخارجى الموضوعى ، وما فيه من نبات وحيوان وإنسان ، وجبال وأنهار وأقمار وشموس ونجوم ، ولكن هناك نوعا آخر من العلم مطلوب منَّا أن ننظر فيه وذلك هو العلم بالنفس : ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) ﴾ الذاريات .
ثم نوع أكبر من العلم بالنفس هو العلم بالله : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ .. (19) ﴾ محمد .
وبطول صفحات القرآن وسوره يُعرِّفنا بهذا الإله ، بوحدانيته وصفاته وأسمائه وأفعاله ، فالله : ﴿ .. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ .. (11) ﴾ الشورى .
وكذلك العلم بالساعة : ﴿ .. عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ .. (187) ﴾ الأعراف .
لكن هناك غيبًا آخر هو الملائكة والجن والسماوات السبع وسدرة المنتهى ، واللوح المحفوظ والعرض ، وذلك غيب يطلع الله عليه من ارتضاه من رسله : ﴿ .. فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ .. (27) ﴾ الجن .
وهكذا تتكرر كلمة "العلم" فى القرآن فلا تتكرر وإنما تتفرع وتتنوع ، وتفصل مثل شجرة تعطى الجذور والسيقان ، والأغصان والأوراق والأزهار والثمار ، فهناك علم بالكون وعلم بالنفس وعلم بالله ، ثم تنفصل هذه العلوم بحدودها وأنواعها فى رحلة الكلمة داخل القرآن .
والعلوم الكونية وحدها لا تصنع من الإنسان عالمًا ، فالعلم بظواهر الأشياء ومقاديرها وعلاقتها هو دائمًا علم ناقص ، وأهل الغفلة هم الذين يقتصرون على هذه العلوم الظاهرة : ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) ﴾ الروم .
وهؤلاء هم الذين : ﴿ .. فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ .. (83) ﴾ غافر . وكذَّبوا الرسل وكفروا بالغيب وأنْكروا الله فهلكوا . ولا يكون العلم كاملاً إلا إذا أوصلك إلى العلم بنفسك ثم إلى العلم بالله ، فذلك هو العلم حقًا .
بهذه الرحلة لكلمة "العلم" فى القرآن وانتقالها من الإجمال إلى التفصيل ، ثم إلى تفصيل التفصيل لا نقع على تكرار أبدًا ، وإنما نجد نموًا عضويًا يتكامل فى الذهن عبر السياق القرآنى ، كما تنمو البذرة إلى جذر وساق وفروع ، وزهر وشجرة كاملة مثمرة ، وكما يفتح المفتاح الواحد على غرف النوم وقاعات انتظار وقاعات للأكل ، وكافتيريا وصالة إستقبال ومكاتب للإدارة ، فتجتمع للذهن صورة كاملة لفندق ، وذلك ما أسميته بالمعمار القرآنى ، أو البنيان العضوى أو الترابط الحى ، بحيث نجد كل كلمة تكمل الأخرى وتشرحها ، وتفصلها دون تكرار ودون زيادة ودون نقصان ، وبحيث يصبح القرآن وكأنه جسم مؤلف من خلايا أو معمار هندسى مبنى من لبنات محسوبة مدروسة ، أو كون مترابط متماسك ليس فيه فضول أو لغو أو تكرار أو اختلاف أو تناقص : ﴿ .. وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) ﴾ النساء .
وهذا هو القرآن ، حُكْمَه حُكْم بَدَنْ فيه روح . ولهذا يقول المولى لنبيه صلى الله عليه وسلم عن القرآن : ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ .. (52) ﴾ الشورى . فيسمى القرآن روحًا ، وهذه الخصائص تشهد بالفعل أنه روح . وذلك هو الكمال المعجز .
وكمثال آخر نجد كلمة "الجَنَّة" تتكرر كثيرا فى القرآن ، ولكن إذا دققنا النظر وجدنا أنها تقدم فى كل مرة مشهدًا مختلفًا . فهى مرة جنَّات وعيون ، ومرة جنات ونهر ، ومرة جنات من نخيل وأعناب .
وبعد عرض مشاهد الحرير والاستبرق والذهب والفضة والحور العين ، والأزواج المطهرة والعسل والخمر ، واللبن والكئوس التى مزاجها الكافور والزنجبيل ، والمساكن الطيبة فى جنات عدن والغرف التى من فوقها غرف مبنية ، يفاجئك القرآن بعوالم من الأسرار ، فيقول مشيرا إلى الجانب الغيبى من الجنة : ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ .. (17) ﴾ السجدة .
وفى مكان آخر يقول إنهم : ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55) ﴾ القمر .
وفى مكان آخر : ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ .. (43) ﴾ الأعراف .
وفى مكان ثالث : ﴿ .. نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ .. (8) ﴾ التحريم . وكل هذه أسرار .
ثم هو بعد أن يصف كل المشتبهات فى عالم المادة وعالم الغيب يعود فيقول : ﴿ .. وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) ﴾ ق . ﴿ .. وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ .. (72) ﴾ التوبة . أكبر من هذا كله .
تلك هى رحلة كلمة الجنَّة فى القرآن ، عالم خلاب من الصور لا تكرار فيه ، يخاطب الجوع المادى ، ويخاطب الجوع الروحى ، ويخاطب الوجدان الفلسفى ، ويخاطب عرائس الخيال والأحلام ، ويخاطب طموح الإنسان الذى لا يرضى بشىء فيطمئنه فى النهاية . ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ (5) ﴾ الضحى .
إن كلمات القرآن كلمات منفردة بذاتها وبخصائصها لا تستطيع أن تغير كلمة أو تبدل عبارة أو تقدم جملة ، فكل كلمة تمسك بالأخرى مثل الذرات فى مجال مغناطيسى محكم ، حتى الحرف لا يأتى فى القرآن إلا لضرورة ، ولا يمكنك أن ترفع حرفًا من مكانه أو تستبدله بحرف آخر .. يقول القرآن عن الصبر على المصيبة : ﴿ .. إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) ﴾ لقمان .
ثم نراه يضيف حرف (اللام) للتوكيد حينما يتكلم عن الصبر على أذى الآخرين فيقول :﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) ﴾ الشورى . لماذا أضاف حرف (اللام) فى الآية الثانية ؟ لأن الصبر على أذى الغريم الذى تستطيع أن ترد عليه بأذى مثله يحتاج منك إلى عزم أكبر ، فالصبر هنا ليس كالصبر على مصيبة لا حيلة لك فيها .
وبالمثل نرى الله يقول لليهود الماديين : ﴿ .. فَاتَّقُوا النَّارَ .. (24) ﴾ البقرة .
ويقول للمؤمنين أولى الألباب : ﴿ .. وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) ﴾ البقرة .
لأن العقليات المادية لا تخاف إلا النَّار المادية ، أما أولو الألباب فإنهم يعرفون أن خالق النار أخطر شأنًا من النار ، ولهذا نراه يضيف الضمير فيقول : ﴿ .. وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) ﴾ البقرة .
وهكذا نرى أن الحروف فى القرآن لاتَرِد اعتباطًا ، وإنما تأتى بحساب ولحكمة .
ومثال آخر نرى القرآن يقول : ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) ﴾ التكاثر .
فلماذا زرتم ، لماذا لم يقل سكنتم المقابر ، أو دخلتم المقابر ، أو حللتم فى المقابر، أو ملأتم المقابر؟ ولماذا قال (زرتم) ؟ . ليلفت النظر إلى أن المقام فى القبر مقام مؤقت ، وأن الدخول إلى القبر دخول زيارة لا دخول سكنى . تدل على ذلك آية ثانية عن الموت : ﴿ .. قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ .. (154) ﴾ آل عمران .
فيصف رقدة الموت بأنها مجرد ضجعة وأن القبر مجرد مضجع ، والضجعة بعدها انتباه وقيام . وتلك دقة بالغة فى التعبير تجعل كل كلمة مقصودة لضرورة ولا يمكن استبدالها .
ثم نرى القرآن يختار الفعل المتعدد المعانى للمناسبة المتعددة المعانى ، فهو يقول عن الأرض : ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا (30) ﴾ النازعات . والفعل "دحى" هو الفعل الوحيد فى القاموس العربى الذى يعنى البسط والتكوير معًا ، ولا يصلح للتعبير عن حال الأرض إلا هذا الفعل ، لأن الأرض منبسطة فى الظاهر مكورة فى الحقيقة ، ثم إن تكويرها بيضى أشبه بتكوير "الدحية" أو البيضة .
ولا يوجد فى المعجم العربى أى لفظ آخر يعطى هذه المعانى المتعددة ، ويستوفى الوصف الظاهر والوصف المستتر للأرض غير هذا اللفظ ، فنحن أمام لفظ ليس له بديل .
وبالمثل نراه يصف الرياح أنها "لواقح" : ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ .. (22) ﴾ الحجر . والرياح تلاقح بين السحب الموجبة والسحب السالبة التكهرب ، وهى أيضا تحمل حبوب اللقاح من أعضاء التذكير إلى أعضاء التأنيث فى الزهر ، ثم هى أيضا تحمل بخار الماء الذى ينزل مطرًا على الأرض فيلقحها ويخصبها . ثم هى تحمل ذرات التراب التى تنمو حولها القطيرات وذلك أيضا تلقيح .
فانتفاء اللفظ هنا انتفاء مطلق ، بحيث لا يصلح فى القاموس لفظ غيره ، فلا يمكن استبداله بحال .
ثم إنك لا تستطيع أن تؤخر أو تقدم كلمة من مكانها فى السياق لأن التأخير والتقديم فى الكلمات القرآنية هو الآخر محسوب ، وهو دائمًا لوظيفة ولهدف .
فالزانية تأتى قبل الزانى فى الآية : ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ .. (2) ﴾ النور .
فى حين نرى السارق يأتى قبل السارقة فى الآية : ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا .. (38) ﴾ المائدة . ذلك لأن المرأة هى التى تبادر بالخطوة الأولى فى الزنى منذ أن تقف أمام المرآة لتضع المكياج وتلبس العريان .. أما فى السرقة فالرجل هو الأكثر إيجابية .
وبالمثل نجد السمع مقدمًا على البصر فى ستة عشر موضعًا ، ومعلوم الآن أن جهاز السمع أدق تشريحيًا من جهاز البصر ، وأن السمع أرهف ، وأن تنوع النغمات أكثر من تنوع الألوان ، وأن موهبة السمع تصل إلى إمكان الإستماع إلى الوحى من الملائكة .. ولقد عَلِمْنَا أن موسى سمع ربه ولكنه عجز عن أن يراه ، وذلك بسبب محدودية الجهاز البصرى .
وهذا هو القرآن .. بنيانا محكمًا من الألفاظ لا تستطيع أن ترفع فيه كلمة أو تبدلها أو تؤخرها أو تقدمها .. تتكرركلماته بحساب ولحكمة ولهدف ، لكى تكشف عن مكنونها وتبوح بأسرارها وثرائها ، ثم إن التنوع والتفصيل ينتهى بالقارئ إلى كمال مراد مقصود ، وإلى تمام فى الفهم والتصور : ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ .. (115) ﴾ الأنعام .
فذلك هو التمام المقصود . ولا يقدر على هذا اللون من تركيب الألفاظ بشر ، فهو مأدبة الله لخلقه .. يطعم منها من يشاء بما يشاء على قدر استعداده ، وتهيُّئ فطرته ، وصدق نيته ، وسلامة مقصده .. 🅪
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛