غزوات الرسول | فَتـْح مكَّــة الفَتْـح الأَعْظم للمسلمين سببه صُلح الحُديبية

 فَتـْـــــــح مَكَّـــــــــــة 

  • كانت شجاعة المسلمين فى (غَزوة مُؤتة) قد أذهلت جيوش الروم ، وأثارت إعجاب القبائل العربية المتاخمة لحدود الشام ، لكن إنسحاب المسلمين من المعركة أثار الحزن والغضب فى نفوس أهل المدينة ، أمَّا أهل مَكة اعتبروا هذه الغزوة هزيمة ساحقة للمسلمين قضت عليهم وعلى سلطانهم فى الجزيرة العربية .
  • لذلك إعتقد بنوبكر الذين دخلوا فى عهد قريش بعد صلح الحديبية أن الفرصة سنحت لهم ليثأروا من خزاعة الذين دخلوا فى عهد النبى  بعد صلح الحديبية ، وشجعهم على ذلك جماعة من سادات قريش ، وأمدوهم بالسلاح ، ففاجأوا جماعة من خُزاعة وقتلوا عدداً منهم  وفرَّ الباقون إلى مكة ، ولجأوا إلى دار بُديْل بن وَرْقَاء ، وشكوا إليه نقض قريش وبنى بكر عهدهم مع رسول الله  ، وسارع عمرو بن سالم الخزاعى بالسفر إلى المدينة ، ودخل على النبى   وقصَّ عليه ماحدث ، واستنصره على بنى بكر ، ثم جاء بُديل بن ورقاء فى نفر من خُزاعة إلى النبى  ، وأخبره بما أصابهم ، فتأكد للنبى  أن قريشاً نقضت عهدها معه .
  • لذلك أمر النبى  بالإستعداد ، والتجهز للخروج ، ولم يُخبرهم بوجهته ، فلما علم زعماء قريش بذلك قرَّروا إرسال أبى سفيان إلى النبى  للتفاوض معه ، ودخل أبوسفيان المدينة ونزل على إبنته أم حبيبة أم المؤمنين (رضى الله عنها) فأراد أن يجلس على فراش الرسول  فأبت أم حبيبة وقالت له : " إنَّه فراش رسول الله  وأنت رجل مُشرك نجس ، فلم أحب أن تجلس عليه " فقال أبوسفيان : والله لقد أصابك يا بُنية بعدى شرُّ .. وخرج مُغْضباً .
  • حاول أبوسفيان تجديد الصُّلح مع رسول الله  فكلمه فى العهد فلم يَردَّ عليه ، فحاول الإستشفاع بأصحاب النبى  فلم يستطع أحد منهم أن يجير على رسول الله  ، فآجر نفسه بين الناس عملاً بنصيحة على بن أبى طالب ، فلم يقم أحد لإجارته ، وتيقن العزم على فتح مكة ، ثم ركب راحلته وانطلق عائداً إلى مكة .
  • أما النبى  فقد أمر الجيش بالتجهز للخروج ، وبينما هم يستعدون لذلك كتب حاطب بن أبى بلتعة كتاباً أعطاه لأمرأة من مكة ، وجعل لها أجراً أن توصله إلى قريش .. ونزل جبريل (عليه السلام) على النبى  فأخبره بما فعل حاطب بن أبى بلتعة ، فأرسل النبى  علىُّ بن أبى طالب والمقداد فأحضروا المرأة واستخرجوا الكتاب منها ، فقال الرسول   لحاطب بن بلتعة : ما حملك على هذا ؟ فقال حاطب : لا تعجل على يا رسول الله ، والله إنى لمؤمن بـ الله ورسوله ، وما أرتددت ولا بدلت ، ولكن كان لى فيهم أَهْل وعشيرة ، وولد وليس فيهم قرابة يحمونهم ، وكل من معك لهم قرابات يحمونهم فأحببت إذ فاقنى ذلك أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتى ، فقال عمر بن الخطاب : دعنى يا رسول الله أضرب عنقه فإنه خان الله ورسوله ، وقد نافق ، فقال الرسول  : " إنه قد شَهِد بدراً وما يُدريك يا عُمر ، لعلَّ الله  قد اطَّلع على أَهْل بدر فقال اعملوا مَا شِئْتم فقد غَفرت لكُم "  فبكى عُمر ، وقال : الله ورسوله أعلم  .
  • خرج النبى  فى العاشر من رمضان من السنة الثامنة للهجرة من المدينة ومعه المهاجرين والأنصار ، وانضم إليهم المسلمون من قبائل سُلَيْم ، ومُزَيْنَة ، وغطفان ، وغيرهم حتى بلغ عددهم عشرة آلاف مقاتل ، وساروا متجهين إلى مكة ، ولم تعلم قريش بخروج النبى  حيث كانوا فى حيرة من أمرهم ، فخرج العباس بن عبد المطلب مع أهله يريد المدينة فلقى النبى  بالجُحْفَة ، وكذلك خرج أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبى  ، وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة حتى وصلا إلى (نِيقِ العُقَابِ) فوجدا جيش المسلمين ، واستأذنا على النبى   فرفض أن يأذن لهما ..
  • لما رأى العباس بن عبد المطلب جيش المسلمين وعدده وقوته خاف على مكة وأهلها ، وأراد أن يكون سفيراً للرسول  إلى أهل مكة حتى لا يحدث قتال وتبقى مكة حراماً كما كانت ، وافق النبى  وأعطى العباس بغلته البيضاء ليركبها ويكون فى أمان ، فسار العباس حتى لقى أبا سفيان ، وبُديل بن ورقاء ، وحكيم بن حِزام ، فكانت قريش قد أرسلتهم ليتحسسوا أخبار النبى   حين علمت بنزول جيش المسلمين مَرَّالظَّهْرَان - فقال العباس لأبى سفيان : ويحك يا أبا سفيان ، هذا رسول الله  فى الناس ، وا صباح قريش إذا دخل مكة عنوة .
  • دخل العباس على النبى  ومعه أبوسفيان ، فقال النبى  إذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتنى به ، فلما كان الصباح وجىء بأبى سفيان إلى النبى  قال له : ويحك يا أبا سفيان !! ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ؟ فقال أبو سفيان : بأبى أنت وأمى ، ما أحلمك ، وأكرمك ، والله لقد ظننت أن لوكان مع الله إله غيره لقد أغنى عنى شيئاً بعد ، فقال النبى  : ويحك ياأبا سفيان !! ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله ؟ قال أبو سفيان : بأبى أنت وأمى ، ما أحلمك ، وأكرمك أما والله هذه فإن فى النفس منها حتى الآن شيئاً ، فتدخل العباس موجهاً القول إلى أبى سفيان ناصحاً له أن يسلم ، وأن يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، فأسلم أبو سفيان .
  • توجه العباس إلى النبى  قائلاً : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يُحب الفخر ، فاجعل له شيئاً ، فقال النبى  : نعم ، من دَخل دَار أبى سُفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن .. ثم قال النبى   للعباس : احبس أبا سفيان عند حَطْم الخيل (ازدحامها) حتى ينظر إلى كتائب المسلمين ، فحبسه العباس ، فجعلت القبائل تمر مع النبى  ، تمر كتيبه كتيبة على أبى سفيان ، فمرت كتيبة غِفَارُ، وكتيبة جُهَيْنَة ، وكتيبة سعد بن هذيم ، وكتيبة سُلَيْم ، ثم مَرَّ رسول الله  فى كتيبته الخضراء فيها المهاجرين والأنصار( رضى الله عنهم ) فقال : سبحان الله يا عباس ، من هؤلاء ؟ قال : هذا رسول الله   فى المهاجرين والأنصار ، قال : ما لأحد بهؤلاء قبل ، ولا طاقة ، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً ، قال : يا أبا سفيان إنها النُّبوة ، قال : نعم إذن .
  • انطلق أبو سفيان عائداً إلى قومه يصيح فيهم بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن .. 
  • سار النبى  بجيشه ، وفرَّقه أربع فرق وأمر الجميع ألاَّ يقاتلوا ، ولا يسفكوا دماً إلا إذا أُكرهوا على ذلك إكراهاً ، ونزل النبى  بأعلى مكة  قبالة جبل هند ، وهناك ضُربت له قبة دخل فيها ليستريح ، ثم خرج بعد ذلك وامتطى ناقته القصواء ، وسار بها حتى بلغ الكعبة ، ومن حوله المهاجرين والأنصار فطاف بالبيت سبعاً يستلم الحجر الأسود فى يده ، فلما قضى طوافه دعا عُثمان بن طلحة ، فأخذ منه مفتاح الكعبة ، ففتحت له ، فدخلها .
  • مكث النبى  بالكعبة فترة طويلة ومعه بلال بن رباح ، وأمر بإزالة الصور من على جدران الكعبة ، وصلى النبى  داخل الكعبة ، ولما خرج النبى  من الكعبة ابتدره العباس قائلاً : يا رسول الله أعطنى المفتاح ، واجمع لى السدانة مع السقاية .. وينزل جبريل (عليه السلام) على النبى  بقول الله عزَّ وجلَّ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)  النساء .. فينادى الرسول  على عثمان بن طلحة سادن الكعبة ، فيُعطيه المفتاح قائلاً له : خُذوها خالدة تالدة ، لا ينزعها منكم إلا ظالم .
  • يقف النبى  على باب الكعبة ، وقد اجتمع له الناس فى المسجد فيقول : لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا كل مأثرة (أى مايفتخر به) ، أو دم (أى ثأر الجاهلية) ، أو مال (أى ربا) يُدَّعى فهو تحت قدمى هاتين ، إلا سدانة البيت ، وسقاية الحجيج ... يا معشر قريش ، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتَعَظُّمَها بالآباء ، الناس من آدم وآدم من تراب .. ثم تلا قول الله عزَّ وجلَّ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)  الحجرات .. ثم قال : يا معشر قريش ، ما ترون أنى فاعل بكم ؟ قالوا : خيراً ، أخ كريم ، وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ..
  • أشار النبى   بقضيب فى يده على الأصنام التى حول الكعبة والتى كانت قريش تعبدها من دون الله وهو يقول : (جَاء الحق وزهق الباطل إنَّ البَاطلَ كَان زَهوقاً) .. فانكفأت الأصنام على وجوهها ، وطُهر البيت الحرام ، وأمر النبى  بلالاً فصعد على الكعبة وأذَّن فوقها ، وصلى النبى  بالناس ، وقال النبى  : إنَّ الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهى حرام بحرام الله  إلى يوم القيامة ، لم تحل لأحد قبلى ، ولا تحل لأحد بعدى ، ولم تحلل لى قطُّ إلا ساعة من الدهر ، لا يُنَفِّر صيدها ، ولا يعضد شوكها (أى لايقطع) ، ولا يختلى خلالها ، ولا تحل لقطتها إلا لمُنْشِد ، وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم : لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية ..
  • لبث النبى  خمسة عشر يوماً فى مكة ، يُنِّظم شئونها ، ويفقه أهلها فى الدين ، ويبعث السرايا للدعوة إلى الإسلام ، وتحطيم الأصنام من غير سفك للدماء ، فكان هذا الفتح من أعظم انتصارات المسلمين لذلك سُمِىَّ (فتح مكة) بالفتح الأعظم ، فكان بشارة عظمى بقيام دولة الإسلام وإذاناً بغروب شمس الكفر والشرك فى شبه الجزيرة العربية وازالة شعائر الشرك ومعالم الطغيان ، وفتح القلوب لدين الإسلام ودخول الناس فى دين الله أفواجاً .
                 ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛