رجالٌ حول الرسول | أبُـو ذر الغِفَــارىُّ (أصْدقُ الناس لَهْجَة)
أَبُــو ذَر الغِفَـــــارىُّ
أصْدقُ الناس لَهْـجَة
(رضى الله عنه)
فمن هو ؟- هو جندب بن جنادة الغفارى ، وأحد الذين جهروا بالإسلام فى مكة ، وخامس خمسة ممن دخلوا فى الإسلام ، المعروف بأبى ذر الغِفَارى ، قال فيه على بن أبى طالب أنه قد وعى علمًا قد عجز عنه الناس ثم أوكى عليه فلم يخرج منه شيئا ، لم يسجد لصنم ، ولم يعبد وثنًا فى الجاهلية ، اشتهرت قبيلته (غِفَار) بالسطو ، وقطع طريق القوافل ، وأخذ أموالهم بالقوة ، وكان شجاعًا يقطع الطريق وحده ، ويغير على الناس فى عماية الصبح على ظهر فرسه فيطرق الحى ويأخذ ما يأخذ .
- حين سمع بمبعث النبى ﷺ أرسل أخاه إلى مكة كى يأتيه بالخبر .. فلما رجع قال له : لقد رأيته يأمر بمكارم الأخلاق ، ويقول قولاً ما هو بالشعر ، فقال أبو ذر : ما شفيتنى ما أردت . شدَّ أبُو ذر رحاله وانطلق إلى مكة مُتخفيًا يبحث عن ذلك الذى يزعم أنَّه نبى ، وكلما وجد ملأ جلس إلى جوارهم يتسمَّع الخبر حتى استدل على النبى ﷺ فذهب إليه وقال له : أنشدنى ما تقول .. فقال النبى ﷺ : ما هو بالشعر حتى أنشدك ، إنما هو قرآن .. فقال أَبُو ذر : إذًا فاقرأ على .. فقرأ عليه النبى ﷺ من القرآن .. فقال أَبو ذر : أَشهد أَن لا إِله إلا الله ، وأَنَّك رسول الله .. فقال له النبى ﷺ : ممن أنت ؟ .. قال : من (غِفَار) .. فصعد النبى ﷺ بصره إليه ، وعلت الدَّهشة وجهه ، وأخذ يرفع بصره فى أَبى ذر ويخفضه ، ثم قال : "إنَّ الله يَهْدى من يَشاء" .
- أعلن أبو ذَر الغِفَارى إسلامه قبل أن يبرح مجلسه ، فكان خامس خمسة فى الإسلام ، وقال للرسول ﷺ : بم تأْمرنى يا رسول الله ؟ قال : "ارْجعْ إلى قَومِكَ ، وادْعُهُم إلى الإسْلام ، فَإذا ظَهر أَمْرى فائْتِنِى" ، قال أبو ذر : والذى بعثك بالحق ، لا أعود حتى أجهر بها على رءوسهم عند الكعبة ، فقال له النبى ﷺ : "لا تُعرِّض نفْسَك لأَذَاهُمْ" . أصرَّ أبو ذر الذهاب إلى الكعبة وملأ قريش حول البيت ، وهتف على رءوسهم : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله .. فقاموا عليه وأوسعوه ضربًا حتى فقد وعيه ، ولم يُخلِّصُه إلا العباس بن عبد المطلب الذى قال لهم : وَيْحكم ، إنَّه من غِفار ، ولو علموا بذلك ما مرت لكم تجارة ، أو قافلة .. فتركوه ، ولكنه عاد مرة أُخرى ، حتى خَلَّصَهُ العباس للمرة الثانية .أمر النبى ﷺ أبو ذر أن يرجع إلى قومه يدعوهم للإسلام ، فرجع إليهم يدعوهم للإسلام ، بل تعداهم إلى قبيلة أسلم ، فاستجابوا له جميعًا لحسن منطقه ، وحكمته ، وقوة إقناعه .
- تمضى الأيام .. ويهاجر النبى ﷺ إلى المدينة ، وتستقر أمور المسلمين بها ، ويفاجأ أهل المدينة بجموع غفيرة من الناس : مشاة ، وركبانا .. شيوخًا ، وصغارًا .. رجالاً ، ونساءً يَسدُّون الأُفق .. ولولا التكبير الذى كان يهتف به الجميع لظنَّ أهل المدينة أنَّ جيشًا جاء لغزوهم .. يتقدم أبو ذر الجموع إلى مسجد النبى ﷺ ويُسلِّم على رسول الله ﷺ ويشير جهة اليمين قائلا : غِفَار، يا رسول الله .. فيقول النبى ﷺ :"غِفَار غَفَر الله لها" ثم يشير أبو ذر جهة اليسار قائلا : أَسْلم ، يا رسول الله .. فيقول النبى ﷺ : "أسْلم .. سالمها الله" ، فكان أبو ذر سببًا فى إسلام قبيلتين بكامل رجالها ونسائها : غِفَار ، وأَسْلم . أبو ذر الغِفَارى ينقطع لمرافقة النبى ﷺ فى سَفَرِه ، وحَضَرِه ، ويفوز بشهادة النبى ﷺ حيث قال فيه : "ما أَظَلَّت الخَضْراء ، ولا أَقلَّت الغبْراءُ أصْدقَ لهْجةً منْ أبى ذَرٍ الغِفَارىِّ" .
- تأتى غزوة (تبوك ) التى تسمى غزوة ( العسرة) التى كانت فى أيام شديدة الحر والقحط ، وتخلف عنها كثير من الناس ، وكان أبو ذر ممن تخلفوا من شدة الحر وبُعْد المسافة ، وتقعاس ناقته أثناء السير ، لكنه تركها وحمل متاعه على ظهره وحاول اللحاق بالركب ، وينتظر الأصحاب من تتحقق فيه كلمة الرسول ﷺ : "أنْ كَان فيه خَيْر فسيلحقه الله بكم" ، وإذا به : أبو ذَر الغِفَارى فيتلقاه الرسول ﷺ هاشًا باشًا ويقول : "يَرحَمُ الله أبَا ذَرٍ : يَعيشُ وحده ، ويَمُوتُ وَحْدهُ ، ويُحْشَرُ يَوْمَ القِيَامَة وَحْدهُ" . يقول أبو ذر (رضى الله عنه) : أوصانى رسول الله ﷺ بِسَبْع : أَوصانى بِحُبِّ المَساكين .. وبالدُّنو مِنْهم .. وبأَنْ أَقُول الحقَّ ولو كَان مرًا .. وبألاَّ أخشى فى الحقِّ لومَة لائم .. وبأَن أُكثر مِنْ قَوْل لا حَوْل ولا قُوة إِلا بِالله العلىِّ العَظيم .. وبأَنْ أنْظر لِمنْ هو دُونى .. ولا أَنْظُرَ لِمَنْ هُوَ فَوْقِى ..
- تأتى خلافة عثمان بن عفان ، وأبو ذر فى الشام يرى ما لم يعهده : فقد تحولت بيوت الطين إلى قصور ، وكثرت الحُجَّاب والحُرَّاس حول الولاة ، وفاض المال فى أيدى الناس ، وأصبحوا يعيشون عيشة الترفه والتنعم ، ويدخل على معاوية بن أبى سفيان أمير الشام وهو جالس فى ملأ من أصحابه ، ويقول لهم : أنتم الذين نَزَل القرآن على رسول الله وهو بيْن ظَهْرانيهم ؟ نَعم أَنتم هُم .. ألم تَقرأوا فى كتاب الله : ﴿ .. وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) ﴾ التوبة .. فيرد عليه معاوية ملاطفًا : يا أبا ذر نزلت هذه الآية فى أهل الكتاب ، ألم تقرا أولها حيث يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ .. إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ .. ﴾ التوبة . يقول أبو ذر (رضى الله عنه) : لقد نزلت فينا ، وفيهم .. ولنا ، ولهم .. ويخرج أبو ذر من عند معاويه وهو يقول : بَشِّر الكنَّازين بِمَكاوٍ من نار تُكْوى بها جِباهُهُم ، وجنُوبُهُم ، وظُهُورهم يَوم القِيَامة ..
- يُرْسل معاوية إلى سيدنا عثمان مستغيثًا : يا أمير المؤمنين ، أدركنا ، فقد أفسد أبو ذر الناس علينا .. فيستدعيه عثمان إلى المدينة ويقول له : ابق إلى جوارى ، وأفرض لك عطاء من بيت المال .. فقال أبو ذر : يا أمير المؤمنين ، لا حاجة لى فى عطائك ، ولكن ائذنَ لى أن أذهب إلى الرَّبَذَة (قرية مجاورة للمدينة ) فأَعتزل الناس .. وأذن له عُثمان فى ذلك .
- خرج (رضى الله عنه) إلى الرَّبَذَة ، وليس معه أحد إلا زوجته وابنة صغيرة له ، ويسمع بعض الناس من أهل الكوفة بمكانه ، ويأتون إليه يُحرِّضُونه على الثورة على عُثمان ، فيقول لهم : إنَّ لعثمان علىَّ حَق الطَّاعة ، ووالله لو أنَّه صَلبنى على أطول خشبة لَسَمِعْت وأطعت ، وصبرت ، واحتسبت ، وعلمت أن ذلك خير لى ، ولو أنه سيرنى من أفق إلى أفق لسمعت وأطعت ، وصبرت ، واحتسبت ، وعلمت أن ذلك خير لى .
- تمضى الأيام .. ويمرض أبو ذر ، ويشتد عليه المرض ، وتبكى امرأته فيقول لها : ما يُبكيك والموت حق ؟ .. فتقول : والله ما أَبكى على مَوْتك ، ولكنى أَبْكى لأنى لا أجد كفنًا يسعك ، ولا أَدْرى مَا أَصنع ، وليس مَعنَا أَحدٌ مِن الناس .. فيقول أبو ذر : لا تبكِ ، فَسوف تَأْتى عِصَابة من المؤمنين ، معهم كفنى يَتَولَّوْن أَمْرى .. فتقول : كيف ذلك وقد انقطع الحجيج ؟ .. ونحن فى فَلاة من الأَرْض ، ولا أَثَرَ لمخلوق .. فيقول لها : لقد كنت جالسًا يومًا عند رسول الله ﷺ مع نفر من أصحابه ، فقال : "لَيَموتنَّ رجل مِنْكم بِفلاة من الأَرض ، تَشهده عِصابة مِن المؤمنين" .. فكل من كان معى فى ذلك المجلس مات فى جماعة ، وقرية ، ولم يبق غيرى ، وقد أصبحت بالفلاة أموت ، فراقبى الطريق ، فإنك سوف ترين ما أَقُول لك ، وإنى والله ما كذبت ولا كذبت .
- تفاجأ المرأة بجماعة من الناس ، تتجه إليهم ، ويقولون : من ؟ .. فتبكى زوجة أبى ذر وتقول : أَبو ذَرٍ الغِفَارى صاحب رسول الله ﷺ .. فينزل القوم مسرعين باكين ، وعلى رأسهم عبد الله بن مسعود (رضى الله عنه) الذى يَكب على أَبى ذر ، ويقول : إنا لله وإنا إليه راجعون .. فيقول له أبو ذر : أبشروا .. أبشروا ، أنتم النفر الذين قال فيكم رسول الله ﷺ : "عِصَابة مِنَ المؤمنين" .. أَنتم هُم : ثم قال : أصبحت اليوم حيث ترون ، ولو أن ثوبًا من ثيابى يَسعنى لَمْ أُكفَّن إلا فِيه . يقول أبو ذر (رضى الله عنه) : أنشدكم بالله لا يُكَفِّنِّى رجل كان أميرًا ، أو عريفًا ، أو بريدًا .. فيأتى شاب من الأنصار يقول : أنا والله ، ما تَوليت إِمَارة ، ولا جِباية ، ولا حَملْت رِسالة ، ومعى ثَوبان جديدان نسجَتْهُما أُمى بيديها مِن مَال حَلال .. فاستبشر أبو ذر وقال : أنت صاحبى فكفِّنِّى .. وتصعد روحه إلى بارئها راضية مرضية ، وتُكفِّنَه جماعة من المؤمنين .. ويُصلى عليه الصحابى الجليل عبد الله بن مسعود .. ويُدفن بالرَّبذة ، وتتحقق نبوءة النبى ﷺ : "يَرحمُ الله أبَا ذر : يَمْشى وحده ، ويَموت وحده ، ويُحشَرُ يومَ القيامة وَحْده" .
- اللهم أرض عن أبى ذر وارفع مقامه فى عليين وألحقنا به فى السابقين الأولين وارض عنا واختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين وارزقنا العفاف والغنى واكفنا بحلالك عن حرامك واغننا بفضلك عمن سواك واجعلنا على طريق أصحاب رسول الله نلحق بهم فى عليين .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛