قضايا عامة | أربعة عشر عامًا من التعذيب والاضطهاد قبل الإذن بالقتال
أَربعة عشر عامًا من التعذيب
والاضطهاد قبل الإِذن بالقتال
أ. د/ عبد الحليم عويس
أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية
طيلة السنوات التى أمضاها الرسول ﷺ فى مكة المكرمة وهى ثلاثة عشر عامًا قمريًا (610 ــــ 622 م) تعرض المسلمون معه لأبشع أنواع التعذيب والإيذاء ، ولم يحاول يومًا أن يرد السيئة بمثلها ؛ بل كان يصبر الصبر الجميل ، ويسأل الله لقومه الهداية فإنهم قوم لا يعلمون .
وعندما مرّ الرسول ﷺ على آل ياسر ، وهم يعذبون ، لم يملك إلا أن يقول لهم : صبرا آل ياسر ، وفى رواية : أبشروا آل ياسر ، فإن موعدكم الجنة ، ومات " ياسر" شهيدًا تحت وطأة التعذيب ، أما " سمية " فقُتلت بحربة أبى جهل ، وأما " عمار" ابنها فقد صبر على التعذيب ، ولشدة وطأته سمح له الرسول ﷺ بمداراة الكافرين عملا بقوله تعالى : ﴿ .. إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ .. (106) ﴾ النحل .
وعندما اشتد التعذيب والتنكيل بعد وفاة عمه أبو طالب ، وزوجه " خديجة بنت خويلد " (رضى الله عنها) ، سأله خباب بن الأرت أن يسأل الله أن يدعو لهم ، وأن يستغفر الله ليرفع عنهم هذا البلاء ، وأظهر الرسول ﷺ شيئًا من الغضب قائلا : " كان الرَّجل فيمن قبلكم يحفر له فى الأرض ، فيجعل فيه ، فيجاء بالمنشار ، فيوضع على رأسه ، فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه ، والله ليتمن هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون " . رواه البخارى ، والإمام أحمد فى مسنده .
وحتى الذين كانوا يرغبون من صحابته الأبرار فى الهجرة من مكة إلى الحبشة أو المدينة ؛ فإنهم كانوا يتعرضون للملاحقة والتفريق بين أعضاء البيت الواحد ، كما حدث لبيت " أم سلمة " حيث حيل بين أبى سلمة وزوجه وابنه ، ثم حيل بين أم سلمة والهجرة هى وابنها حيث فُرق بينه وبينها ، وظلت تبكى ما شاء الله لها أن تبكى ، إلى أن رقت قلوب بعضهم لها فأعادوا إليها طفلها وخرجت به وحدها مهاجرة من مكة إلى المدينة .
وهكذا تعرض المسلمون فى مكة لمختلف أصناف الظلم ؛ بل حُرموا حتى من حق الحياة ، وقد تعرضوا لمختلف أنواع الحرمان ، فقد فارقوا زوجاتهم وأولادهم ؛ حيث وقعوا فى الأسر ، فقد كان هناك من قضى نحو ثمانى سنوات وهم مقيدون بالسلاسل .. وحتى عندما لجأ بعضهم إلى ملك الحبشة ؛ لأنه ـ كما وصفه الرسول ﷺ ملك لا يُظلم عنده أحد ... لاحقهم المشركون وحاولوا تأليبه عليهم ، حتى يسلمهم إياهم ليعذبوهم أو يقتلوهم ـ غير عابئين بحق اللجوء السياسى الذى يمثل قاعدة من قواعد القانون الدولى ... لكن النجاشى كان رجل عدل وصدق ، فبحث فى الأمر وتبيَّن له صدق المسلمين ، فرفض تسليمهم ورد الهدايا التى قدموا بها إليه .
وعندما هاجر الرسول ﷺ بعد معاناة شديدة من مكة إلى المدينة ، وأقام دعائم الدولة الجديدة التى تحتاج إلى هيبة وقوة ردع ، حتى يستطيع أفرادها من المسلمين وغيرهم أن يعيشوا فى أمن وسلام ، لم يكن قد أذن للمسلمين بعد فى الدفاع عن أنفسهم .
فلما بدأت الملاحقات القرشية تسعى للتكتل مع اليهود والمنافقين فى داخل المدينة (وهم عناصر من الدولة تعيش فى داخلها) من أجل الإجهاز على الدولة الناشئة ، وشعر الرسول ﷺ والمسلمون بذلك ، لدرجة أنهم كانوا يبيتون ليلهم فى المدينة خائفين لا يعرفون من أين يُهاجمون ، وبأية كيفية سيأتيهم الخطر الذى يمكن أن يغتالهم ـ مهاجرين وأنصارًا ـ وأن يقوض بناء دولة المدينة الإسلامية الناشئة .
فى هذا الوقت العصيب جاء (الإذن ) من الله سبحانه وتعالى للمسلمين بالقتال دفاعًا عن أنفسهم كأفراد ، ودفاعًا عن العقيدة التى آمنوا بها ، ودفاعًا عن دولة الإسلام الناشئة التى لا يمكن أن تستمر ـ دولة لها هيبة ـ إلا إذا كانت قادرة على الدفاع عن نفسها من جانب ، وعلى إقناع الآخرين بأنهم أمام دولة قادرة على تأديبهم إن اعتدوا عليها من جانب آخر ...
ومرة أخرى نؤكد على مصطلح " الإذن بالقتال " ، لدلالته الكبيرة ؛ فإن مجرد التعبير القرآنى " بالإذن بالقتال " كما جاء فى قوله تعالى : ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) ﴾ الحج . مجرد هذا التعبير يدل ـ بوضوح ـ على المنع قبل نزول الآية ، ويدل على طروء (تأهب) القتال فى الإسلام ، وأنه ظل ممنوعًا طيلة أربع عشرة سنة قمرية .
كما أن الآية الكريمة التى يقول الله فيها فى كتابه الكريم : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ .. (216) ﴾ البقرة . تدل على النزعة السليمة عند المسلمين ، فالأصل عندهم الرغبة فى السَّلم ، والجنوح إلى السَّلم إن وجدوا إليه أدنى فرصة ، حتى ولو بشىء من التنازل المقبول ! !
وفى هذا السياق الذى يؤكد أصالة السلم يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ للمسلمين : ﴿ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) ﴾ الأنفال .
ويقول الحق تبارك وتعالى أيضًا : ﴿ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) ﴾ النساء .
ويقول : ﴿ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) ﴾ البقرة .
ومعروف أن المسلمين عندما خرجوا فى غزوة بدر الكبرى (17 رمضان 2هجرية) لم يخرجوا للحرب ... وعددهم ، ووسائلهم ، وطبيعة اتفاقية العقبة الثانية (الكبرى) (621 م ـــ 12 بعد البعثة) من المؤكدات الدالة على ذلك ... كما أن القرآن الكريم صريح فى تأكيد هذا المعنى السلمى النفسى عند الرسول ﷺ والمسلمين ... يقول الله تعالى :﴿ .. وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ .. (7) ﴾ الأنفال .
فهم ما خرجوا إلا استخلاصًا لبعض أموالهم المصادرة فى مكة ، وإلا تأكيدًا لقريش أنهم دولة ، وأن عليها قبول السلام معهم والإعتراف بهم ، وهو الأمر الذى لم يتحقق إلا فى ذى القعدة من السنة السادسة للهجرة فى صلح الحديبية الذى رضى فيه الرسول ﷺ ببعض الشروط المجحفة إثارًا للسلام .
إطار الجهاد الأخلاقى والحضارى
يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ .. (78) ﴾ الحج .
وقال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) ﴾ الصف . فالجهاد يأتى ضمن منظومة عبادية أساسية .
ولا يمكن أن يتخذ الجهاد (طابعًا عسكريًا) إلا فى الحدود المنصوص عليها فى الشريعة القرآنية ، وعندئذ يصبح قتالاً مقدسًا ودينيًا ، عادلاً فى الدافع إليه وفى مباشرته وفى غايته .
والحروب العادلة الوحيدة المقبولة فى الإسلام هى المرخص بها فى التنزيل ، والتى تُشن فى (سبيل الله) ، ولنلاحظ هنا التعبير عن الجهاد بمصطلح (سبيل الله) ، ومعنى هذا أن كل حرب أو جهد يبذل ـ فى غير سبيل الله ـ لا يمكن أن يكون جهادًا ولا حربًا مشروعة ... بل هو (حرب مادية) استعلائية أو مصلحية ليس لها صلة بالقتال الإسلامى الذى حارب فى إطاره رسول الله ﷺ بعد أربعة عشر عامًا منعه الله فيه ومن معه من أية محاولة للدفاع عن النفس والمعاملة بالمثل ... وهى المرحلة المكية ، وطليعة المرحلة المدنية بعد الهجرة الشريفة .
ويستلهم العلامة " محمد فريد وجدى " من وظيفة الشهادة على الناس أن المسلمون مطالبون بحكم هذا التقدير السماوى الكبير لهم بالمداومة على مراقبة ذاتهم فى جميع حركاتهم وسكناتهم ، والثبات على الطريق السوى فى رغباتهم ونزعاتهم ، والقيام على القسطاس المستقيم فى معاملاتهم ومنازعاتهم ... ثم إن هذه المكانة العالية التى أعطاها الله لهذه الأمة تفرض عليها أن تكون نزَّاعة إلى التفوق فى كل فضيلة ، سباقة إلى التحلى بكل خصلة نبيلة .
وهذا يفسر ما اشتهر عن هذه الأمة من سعة الصدر فى معاملة المخالفين ، ورحب الذرع (التوسل) فى حماية المستضعفين ، مما كان له أثره فى نشر دينها ، وإحياء لغتها ، ما لا تستطيعه الجيوش الجرارة ، ولا الدعايات القائمة على أشد الوسائل الإرهابية .
وقد حقق الرسول ﷺ هذا الكمال الأسمى ، وحققه السلف الصالح معه ، عندما جاء أوان استعمال القوة والظروف المناسبة له ، فقد استعمل الرسول ﷺ القوة بعد حساب دقيق ومنطقى ، وحسبنا أن نقول هنا إن جميع من استشهد فى جبهة الإسلام فى العهد النبوى فى خلال أكثر من سبعين غزوة وسرية كان مائة ونيفاً من الشهداء فقط ، أما عدد من قتل من الجانب الآخر فهو فى حدود الثلاثمائة إنسان أو أقل ، أى أنه خلال عشر سنوات وأكثر من سبعين غزوة وسرية لم يقتل من المسلمين والمشركين إلا أقل من أربعمائة إنسان ، بينما تجاوز عدد ضحايا الحرب العالمية الثانية أربعين مليونًا من القتلى نتيجة الصراع الوحشى بين الطرفين .
وهذا بالطبع دون حساب الجرحى والمشوهين والمعوقين الذين مات معظمهم بعد ذلك ، وكذلك فإنه لكى يستقر نظام باطل فى روسيا قُتل ما يقارب مائة مليون إنسان ، كان من الممكن إبحار سفن على الدماء المراقة هناك وبناء بنايات من جماجمهم ، كل هذه الوحشية التى لا مثيل لها كان من أجل توطيد نظام جديد اسمه (الشيوعية) .
وهكذا ـ بالإحصائيات ـ أثبت العصر النبوى ـ فى سِلمه أو فى حربه ـ أنه عهد احترام لإنسانية الإنسان ، واحترام لأفكاره ، ومشاعره ، ولم تصل دعوة الإنسانية الحقة عبر كل العصور إلى هذا المستوى ، وليس من المنتظر أن تصله أبدًا ، ذلك لأن الرسول محمدًا ﷺ (هو صاحب ذلك العهد) . ! !
فالمؤمن ـ حسب تعليماته ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقاتل ويحارب ، ولكنه لا يسد أبدًا أبواب الصلح ، ولا يزيف القيم الإنسانية ولا يهينها ، ولا يقتل أى إنسان دون سبب ، ودون حق ، ولا يحتل البلدان الأخرى ، ولا يمتص خيرات الأمم . 🅪
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛