رجال حول الرسول | خباب بن الأرت (أهلا بمن أوصانى به ربى)
خَـــــــــــبَّابُ بْــنُ الأَرتِّ (رضى الله عنه)
أهلا بمن أوصانى به ربى
فمن هو ؟- هو خَبَّابُ بْنُ الأرتِّ بن جندلة التميمى ، ويقال الخزاعى أبو عبد الله ، كان من السابقين الأولين ، كان من أشراف العرب ، وأصابه سبى فى الجاهلية ، واشترته إمرأة تدعى أم أنمار الخزاعية ، وكان صانعًا للسيوف والدروع ، وكان له كير يحمى فيه الحديد ، واشتهر فى مكة بصناعة السيوف ، وجعل الناس يقبلون على شرائها ؛ لما كان يتحلى به من الأمانة والصدق وإتقان الصنعة .
- هو الذى قال فيه علىُّ بن أبى طالب : أسلم راغبًا وهاجر طائعًا وعاش مجاهدًا ، كان سادس ستة فى الإسلام وكان من أوائل الذين آمنوا بهذا الدين الجديد .. ولقد آثر من أسلم أن يخفى إسلامه عن الناس حتى لا يتعرض للأذى .. إلا سبعة هم : رسول الله ﷺ، وأبو بكر الصديق ، وصهيب بن سنان ، وبلال بن رباح ، وسمية أم عمار بن ياسر ، وعمار بن ياسر ، وخَبَّاب بن الأرتِّ . ولم يتخلف خَبَّاب عن غزوة من غزوات النبى ﷺ بل شهد المشاهد كلها .
- عندما علمت أُم أنمار بإسلام خَبَّاب بن الأرت ، كانت تحمى الحديد فى الكير ثم تكوى بها رأسه لتجبره على الكفر ، فيأبى إلا الثبات على الإيمان .. وكلما رأت منه الثبات والإصرار زادت من عذابه .. فذهب إلى الكعبة يوما فوجد رسول الله ﷺ متكئا على بردة له فى ظل الكعبة فقال له : يا رسول الله .. ألا تستنصر لنا .. فجلس النبى ﷺ وقد احْمَرَّ وجهه وقال : "قد كَانَ مِنْ قَبلكم يُؤخذ الرَّجل فَيُحفر لهُ فى الأَرض ، ثُم يُجاء بالمنشار فَيَجعلُ فوق رأْسه ما يَصرفُهُ عن دينه ، ويُمَشَّطُ بأَمْشاط الحديد ما دُون لحمه مِنْ عظم وعصب ما يَصرفُهُ عن دينه ، وليِتُمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكبُ من صنعاء إلى حَضْرمَوت لا يَخشى إلا الله عزَّ وجلَّ ، والذئب على غَنمه ، ولكنَّكُم تَستعجلون " .
- يمر رسول الله ﷺ يومًا عليه فيجده وقد أوثقته أُم أنمار بالسلاسل ، ووقفت على رأسه تكويه بالحديد المحمى وهو يقول : لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله . فَرَقَّ النبى ﷺ لهُ ، ورفع يديه إلى السماء وقال : "اللَّهُمَّ انْصر خَبَّابًا" .. وما هى إلا أيام وتُصاب أُم أنمار بداء فى رأسها ، وصداع تعوى منه كما تعوى الكلاب ، وتحار فى علاج الداء ، ويحار معها أطباء قومها ، ولا يجدون علاجا لها إلا أن تُكوى بالنار فى رأسها ، فتذهب بنفسها وبإرادتها إلى خَبَّاب ، وتطلب منه أن يحمى الحديد ، ويكويها فى رأسها كما كانت تكويه !!
- يُعتق خَبَّاب ، ويُلحقه النبى ﷺ بسعيد بن زيد زوج فاطمة بنت الخطاب ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ، فيشاركهما طعامهما ويعلمهما القرآن ، ويقرأ معهما .. ويَعْلم عمر بن الخطاب بإسلام أخته وزوجها ، ويذهب إليهما ، وقد إمتلأ غيظًا وغضبًا ، ويسمع القرآن من خَبَّاب ، ولكن يشرح الله صدره للإسلام ، ويقول : دلُّونى على مُحمَّدٍ ، فيكبر خَبَّاب فرحًا ويقول : الله الله يا عمر ، أرجوا الله أنْ تكون قد أَصابتك دعوةُ النبى ﷺ فقد سِمعته بالأمس يقول : "اللَّهم أَيِّد الإسلام بأحبِّ الرَّجلين أليك : أبى الحَكَم بن هُشام ، وعُمر بن الخطاب " .
- تمضى الأيام ويهاجر النبى ﷺ ويُهاجر خَبَّاب بن الأرت إلى المدينة وينقذه الله سبحانه وتعالى من أذى قريش وعذابهم ويصبح من أهل الصُّفَّة ، وهم المهاجرون الفقراء الذين كانوا يجلسون فى مسجد رسول الله ﷺ لا هم لهم إلا حفظ القرآن وترتيله ، والصلاة مع رسول الله ﷺ ، والخروج معه حيث خرج . وينزل جبريل (عليه السلام ) بوحى من السماء : ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) ﴾ الكهف .. ويتعجب النبى ﷺ من هذا الأمر ، ويَخرج من حجرته فيرى أهل الصُّفة عاكفين على القرآن الكريم ، يتدارسونه ، فينظر إليهم ويقول : "الحَمْدُ لله الذى جَعَلَ مِن أُمَّةِ مُحمَّدٍ من أُمِر مُحمَّدٌ أنْ يَصْبر نَفْسه مَعهُم " .. وكان بعد ذلك كلما دخل خَبَّاب وإخوانه من أهل الصُّفة على النبى ﷺ هش وبش فى وجوههم ، ويبسط لهم رداءه ليجلسوا عليه ، ويقول : "أَهلا بِمن أَوصانى بِهم ربى" .
- كان (رضى الله عنه) من العبيد والفقراء الذين استهزأ بهم المشركون وطلبوا من النبى ﷺ أن يَصرفهم عنه أو يجعل لهم يومًا وللأغنياء وأشراف القوم يومًا حتى يجلسوا إليه ، ويسمعوا منه ، إذ لا يصح لهم أن يُجالسوهم ، أو أن يُسوى بينهم فى المجلس فنزل جبريل (عليه السلام) بالأمر الإلهى يقول : ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ .. (54) ﴾ الأنعام .
- ينتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى وخَبَّاب على العهد : فارس بالنهار ، راهب بالليل فى خلافة أبى بكر الصديق ثم خلافة عمر بن الخطاب ، ويريد عُمر أن يرى أثر التعذيب على خبَّاب فيقول له : يا خَبَّاب ، كيف كان المشركون يعذبونك بمكة .. فيكشف عن ظهره ، ويقول : يا أمير المؤمنين انظر إلى ظهرى .. فنظر عُمر فتعجب واندهش .. وقال : مَا رأيتُ كاليوم ظهر رجل - فقد كَان ظهره خاليًا من اللحم - فقال خَبَّاب : لقد أُوقدتْ نارٌ ، وسُحبْتُ عليها فما أطفأها إلا لحمُ ظَهرى وشحْمُه .
- تمضى الأيام ويمرض خَبَّاب مرضًا شديدًا ، ويطول به مرضه أيامًا وشهورًا حتى أنه كان يقول : لولا أنَّ رسُولَ الله ﷺ نهانا أنْ ندْعوَ بالموتِ لدعوتُ بِهِ .. ويدخل عليه أصحابه يعودونه فيجدونه يبكى بكاء شديدًا ، فيقولون له : أبشر أبا عبد الله .. تَردُ على إخوانك الحوض .. فيشتد بكاؤه ويقول : والله ما أبكى جزعًا من الموت ، أو حبًا للدنيا .. ولكنكم ذكرتم إخونا مضوا ولم ينالُوا من أُجورهم شيئا ، وإنا بقينا بعدهم حتى نلنا من الدنيا ما نخاف أن يكون ثوابًا لأعمالنا ، وما لا نجد له موضعًا إلا التراب (يشير إلى داره التى ابتناها فى الكوفة) ، ثم يشير إلى بعض المال الذى وضعه فى ركن من الدار ويقول : والله ما شَددتُ عليه وثاقًا ، ولا منعتُهُ من سَائل .
- يَستعد خَبَّاب للقاء الله عزَّ وجلَّ بظهر لا لحم فيه ، وبجسد لا موضع فيه إلا وبه أثر الكى بالنار حتى رأسه ، يستعد للقاء الله عزَّ وجلَّ وهو صابرًا محتسبًا ، يستعد للقاء النبى ﷺ وأصحابه ، ويموت (رضى الله عنه) عن ثلاثة وسبعين سنة .. سنة سبع وثلاثين من الهجرة وقد سَنَّ للناس سُنَّةٌ حَسنةٌ وهى أن يَدفنوا موتاهم بعيدًا عن ديارهم ، فقد كان الناس يدفنون موتاهم فى أفنيتهم ، وعلى أبواب دورهم .
- يمر علىُّ بن أبى طالب (رضى الله عنه) يوما فيجد قبرًا فى ظاهر البلد ويسأل فيقول لهُ الناس هذا قبر خَبَّاب وقد أوصى أن يُدفن فى ظاهر البلد ، فيقف علىُّ بن أبى طالب على قبره ويقول : رحم الله خَبَّابًا : أَسلم راغبًا ، وهاجر طائعًا ، وعاش مجاهدًا ، وابْتُلى فى جسده ولن يُضِيع الله أجرَ منْ أَحسنَ عملاً ثم قال : السلام عليكم يا أهل الدِّيار من المؤمنين والمسلمين جعلكم الله لنا ذُخرا وإِنَّا بكم إن شاء الله لاحقون ، اللَّهم اغفر لنا ولهم ، وتجاوز بعفوك عنَّا وعنْهم .
- نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرفع درجته فى عليين وأن يلحقه بالسابقين من أصحاب رسول الله ﷺ .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
المرجع / فى رحاب الأصحاب
للداعية الإسلامى / ياسين رشدى