أمهاتُ المُؤمنين | السَّيِّدة أُمُّ سَلَمَـة بنتُ أبى أُميَّة (أشَدُّهُنَّ بلاءً)

 السَّـــيِّدة أُمُّ سَــلَـمَةَ بنتُ أبى أُمَيـَّة 
(رضى الله عنها)
  • فمن هى ؟
  • هى هند بنت أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، كان أبوها من أَجود رجال قريش يعرف (بزاد الرَّاكب) ، وأُمها هى عاتقة بنت عامر بن ربيعة بن عبد المطلب ، أخوالها لأبيها عبد الله وزهير ابنا عمَّة رسول الله  ، وكانت أم سلمة (رضى الله عنها) من المهاجرات إلى الحبشة مع زوجها أبى سلمة بن عبد الأسد من بنى مخزوم .
  • تزوجت السَّيدَة أُم سَلمة من ابن عمها أبو سلمة ، وهو من الصحابة الأجلاء الذين أبلوا فى الإسلام بلاءً حسناً ، وهو ابن عمة رسول الله  ، فأمه برَّة بنت عبد المطلب ، عندما عادت السَّيدة أُم سَلمة مع زوجها إلى مكة مع من عاد بعد سريان إشاعة إسلام أهلها ، ولما تبين عدم صحة هذه الإشاعة ، واشتد إيذاء أهل مكة للمسلمين ، قررا الهجرة إلى المدينة .
  • لما تجهزت السَّيدة أُم سَلمة هى وزوجها للرحيل إلى المدينة وأخذا معهما ابنهما الصغير ، وفى الطريق خرج عليهم نفر من قوم الزوجة وقالوا لأبى سلمة : هذه نفسك غَلَبْتنا عليها ، أَرأيت صاحبتنا هذه ؟ علام تُسيِّرُها فى البلاد ؟ .. فنزعوها منه ، فأخذت ولدها ، وإذا بأهل زوجها ينزعون منها ولدها حتى كادت تنخلع منه يده ، فأصبحت هى فى قومها ، وأصبح ابنها مع أهل زوجها .. وخرج الزوج وحيدًا إلى المدينة ، وتفرق شمل الأسرة .
  • ظلت الزوجة تبكى ليلها ونهارها .. فلا هى هاجرت مع زوجها ، ولا تركو لها ابنها ، ومضى عام كامل وهى فى هذا العذاب حتى رقَّ لها بعض أهل زوجها فتركوا لها ابنها يرحل معها إلى المدينة ، وفى الطريق عند مكان يسمى التَّنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبى طلحة ، ولما علم منها أنها تريد اللحاق بزوجها فى المدينة ، أخذ بخطام بعيرها حتى قدم المدينة ، فتقول أم سلمة : والله ما أعلم أهل بيت فى الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبى سلمة ، وما رأيت صاحباً قط أكرم من عُثمان بن طلحة ،  والتأَم شمل الأسرة مرة ثانية .
  • شهد أبو سلمة (غزوة بدر) مع رسول الله  ، واستشهد فى (غزوة أحد) ، حيث جرح جرحًا اندمل ثم انتُقِض فمات منه ، استرجعت السَّيدة أُم سَلمة وقالت : اللَّهم أجرنى فى مُصِيبتى ، واخْلف لى خيرًا منها ، ثم رجعت إلى نفسها وقالت : من أين لى خيرُّ من أبى سلمة ؟ فلما انقضت عدَّتُها أرسل إليها رسول الله   عُمر بنُ الخطاب يَخطُبها له فأرسلت إليه تقول : إنى إمرأة غَيْرَى ، وإنى إمرأة مُصْبِيَة أى (لها صبيان) ، وليس أحد من أوليائى شَاهد .. 
  • حين بلغ النبى  ما قالته أُم سَلمة ، أرسل إليها يقول : "أمَّا قولُك (إنى إمرأة غَيْرَى) فسأدعوا الله فيذهب غَيْرتك .. وأمَّا قولك (إنى إمرأة مُصْبِيَة) فَسَتُكفين صبْيَانك - أى أنه  سيتولى كفالتهم - وأمَّا قولك (ليس أحد من أوليائك شاهد) فليس أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك" ، وحين بلغها ذلك رضيت وتزوجها رسول الله  وأصبحت من أمهات المؤمنين (رضى الله عنهن) .
  • كانت (رضى الله عنها) لها مكانة عند النبى  ، فعيالها تربَّوْا فى حجر رسول الله  ، وكانت طيبة عفيفة ، وعندما كان النبى  يدخل على نسائه كان يبتدئ بأم سلمة ، فعن عائشة (رضى الله عنها) قالت : كان رسول الله  إذا صلى العصر دخل على نسائه واحدة واحدة ، يبدأ بأُم سَلمة (رضى الله عنها) لأنها أكبرهن ، وكان يختم بى .
  • كانت (رضى الله عنها) سببًا لنزول بعض الآيات الكريمة من القرآن الكريم ، فعن مجاهد قال : قالت أُم سَلمة : يارسول الله  تغزو الرجال ولا نغزو ، وإنَّ لنا نصف الميراث ، فنزلت الآيات ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32) ﴾ الأحزاب . ونزلت أيضًا﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)  الأحزاب .
  • روت السَّيدة أُم سَلمة الكثير من الأحاديث عن رسول الله  ، وقد روت الأحاديث الخاصة بمعشر النساء بغرض التعليم والتوجيه ، فقد روت أنَّ النبى  كان يُقبِّلها وهو صائم ، وأنها كانت تَغْتسل معه من الإناء الواحد مِنَ الجنابة ، وأنها كانت تنام مع النبى  فى لحاف واحد ، وأنها كانت تأتيها الحَيْضة .. فَيقول لها : أَنَفِستِ ؟ قلت : نعم ، قال : قومى فأَصلحى حالك ثم عودى ، فالقيت عنى ثيابى ، ولبست ثياب حيضتى ، ثم عدت فدخلت معه اللحاف .
  • كذلك روت عن النبى   أحاديث هامة منها الحوار الذى دار بين النَّجاشى وعبد الله بن أبى ربيعة وعمرو بن العاص ، اللذين أرسلهما ملأ قريش بالهدايا إلى الحبشة لإقناع النجاشى بتسليمهما المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة فرارًا من تَعذيب أهل مكة ، وخوفاً من الفتنة على دينهم ،  وكان جعفر بن أبى طالب من بين الذين هاجروا إلى الحبشة ، والذى كان يتكلم باسم المهاجرين ويتحدث عنهم .
  • قالت أم سلمة (رضى الله عنها) : لمَّا ضَاقَتْ مكَّةُ وأُوذِى أصْحابُ النبى ﷺ ورَأوْا مَا يُصيبُهُمْ من البلاء والفِتْنة فِى دِينِهمْ ، وأنَّ رسُولَ الله ﷺ لا يَسْتطيعُ دَفْع ذَلكَ عَنْهُمْ فقَال لهُمْ رسُولُ الله  إنَّ بأرض الحبشة مَلكاً لا يُظلم أحدُّ عِنْدهُ فالْحقُوا بِبلادِه حَتَّى يَجعل الله لكُمْ فرجًا ومَخْرجًا مِمَّا أَنْتُم فيه . فَخَرجْنَا أَرْسَالاً (جماعات) حتَّى اجْتَمعْنَا بِهَا ، فَنزلْنَا بِخيْر دارٍ إلى خَير جَارٍ آمنين عَلى دِيننَا ولم نَخْش فيها ظُلمًا . فلمَّا رَأتْ قُريشٌ أنَّا قد أصبْنَا دَارًا وأمنًا غَاروا مِنَّا (الغيرة والكُره) فَاجْتمعُوا على أنْ يَبعثُوا إلى النَّجاشىِّ فِينَا ليُخرجونَا من بلاده ولَيرُدَّنا عليهم . 
  • فَبعثُوا عَمْرو ابن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة فجمعُوا له هدايا ولبَطَارِقَتِه ، فلم يَدعُوا منهم رجُلا إلاَّ هيأوا له هديَّةً على حِدةٍ ، وقالوا لهُمَا : ادفعوا إلى كلِّ بِطريقٍ هديَّته قبل أن تَتكلَّمُوا فيهم ، ثُمَّ ادْفعُوا إليه هَدايَاهُ ، فإن اسْتطَعتُمْ أن يَرُدَّهُم عَليْكُمْ قَبْل أنْ يُكلِّمهُم (أى قبل أن يكلم النجاشى جعفرا وأصحابه) فَافعَلُوا .
  • فَقدمَا عَليْهِ فلمْ يبقَ بِطْريقٌ من بَطارقتِهِ إلا قَدَّموا إليه هديَّتَهُ (الرشوة باسم الهدية) ، فكلَّموه فقالوا له : إنَّما قَدمْنَا عَلَى هذا المَلِكِ فى سُفهائِنَا ، فَارقُوا أقْوامَهُم فى ديِنهمْ ولم يَدخُلُوا فى دينكُمْ . فَبَعثَنَا قومُهُم ليردَّهُم المَلِكُ عَليْهِمْ ، فإذا نَحْنُ كلَّمْنَاه فأشيروا عَليْه بأن يَفعلَ ، فقالوا : نَفْعل .ثُمَّ قَدَّموا إلى النَّجاشى هدَاياه ، وكان من أحبِّ ما يُهْدونَ إليه منْ مكَّة الأدَمُ (الجلد المدبوغ) .
  • فلمَّا أدخلوا عليه هَداياه قالوا لَهُ : أيُّها المَلكُ ! إنَّ فِتْيةً مِنَّا سُفهَاء فارقُوا دِينَ قَومِهمْ ولم يَدخُلُوا فى دِينكَ ، وجَاءُوا بِدينٍ مُبْتدعٍ لا نَعرفُهُ ، وقد لَجَؤوا إلى بِلادكَ ، وقدْ بعثنا إليْك فيهم عَشائِرُهُم ، آباؤهُم وأَعْمَامُهُم وقَومُهُم لتردَّهُم عَليْهم ، فإنهم أَعْلى بِهم (أعلم بحالهم) عينًا ، فإنَّهُمْ لنْ يْدخُلُوا فى دينكَ فَتَمْنعَهُم (تحميهم وتجيرهم) لذلكَ ، فَغَضِبَ ثُمَّ قال : لا ، لعَمْرُ الله لا أرُدُّهم عَليْهم حتَّى أَدْعُوهُم ، فأكَلِّمَهُم وأنظُر مَا أَمْرُهُم ؛ قَومٌ لَجَؤوا إلى بلادى واخْتَارُوا جِوَارى على جوار غَيْرى فإِنْ كَانوا كمَا يَقُولون رَددْتُّهُم عَليْهم ، وإنْ كَانُوا على غَيْرِ ذلكَ مَنعتُهُمْ ، ولمْ أدْخُل بَيْنَهُم وبَيْنَهُم ، ولم أَنْعِم عَيْنًا (لم أكرمهم بردهم إليهم ولم أقر عينهم) .
  • فَلمَّا دخلوا عَليْه سَلَّمُوا ولمْ يَسْجُدُوا لَهُ . فقَال : أيُّها الرَّهْطُ ألا تَحَدِّثُونِى مَالكُم لا تُحيُّونى (لماذا لا تسجدون لى كما يسجد لى من يأتينى من قومكم) كما يُحَيينى مَنْ أتَانَا من قَوْمِكُمْ ؟ فَأخْبرُونى مَاذَا تقُولُون فى عيسى ــ عليه السلام ــ ؟ وما دِينُكم ؟ أَنَصَارى أنْتُم ؟ قالوا : لا . قال : أفَيهُودُ أنتُم ؟ قالوا : لا . فَعَلى دِين قَومكُمْ ؟ قَالوا : لا . قال : فمَا دِينُكُم ؟ قالوا : الإسلامُ . قَال : ومَا الإسْلامُ ؟ قَالوا : نَعبُدُ الله ، لانُشركُ بِهِ شَيئًا .
  • قَال النجاشى : مَنْ جَاءكُم بِهذَا ؟ قَالوا : جَاءَنَا رَجلٌ من أنْفسِنَا ، قَدْ عَرفْنَا وَجهَهُ (ذاته وجاهه) ونَسَبهُ ، بَعثَهُ الله إلينا كمَا بَعثَ الرُّسُل إلى منْ قَبْلنَا ، فَأَمَرنَا بالبِّر ، والصدَقةِ ، والوفَاء ، وأدَاء الأمَانَة ، ونَهَانَا أن نَعْبُد الأوْثَان ، وأمَرنَا بَعبَادةِ الله وحده لا شَريكَ لهُ ؛ فَصدَّقْنَاه وعَرفنَا كلام الله وعلمنا أنَّ الذى جاء بهِ منْ عِنْد الله . فلمَّا فعلنا ذلكَ عَادانَا قومنَا وعَادوا النَّبىَّ الصَّادق وكذَّبوه وارَادُوا قَتْله ، وأرَادُونا على عِبَادة الأوْثان ، ففررنا إليكَ بِديننا ودِمَائِنا منْ قَومِنَا . قال : والله ! إن هَذا لَمِنَ المِشْكاة التى خَرج مِنْها أَمْرُ موسى (أراد أن القرآن والتوراة كلام الله ، وأنهما من شىء واحد) .
  • قال جعفر (رضى الله عنه) : وأمَّا التَّحيَّة ، فإن رسول الله ﷺ أخبرنا أن تَحية أهل الجنَّة : السَّلامُ ، وأمرنا بذلك ، فَحيَّيناكَ بالذى يُحيِّى بَعضُنا بعضا .
  • وأمَّا عِيسى ابنُ مريم (عليهما السلام) : فعبد الله ورسوله وكَلمتُهُ ألقَاها إلى مريم وروحٌ منه ، وابنُ العذراء البتول . فأخذ النجاشى عودا وقال : والله ! مازاد ابنُ مَرْيم (عليهما السلام) على هذا وزْنَ هذا العُود . فقال عُظَمَاء الحبشة : والله ! لئن سمعت الحبشة  لَتَخلعنَّك . فقال : والله لا أقُول فى عيسى (عليه السلام) غير هذا أبدًا ، وما أطاع اللهُ الناسَ فِىَّ حين ردَّ عَلَىَّ مُلْكِى فَأَطِيعَ النَّاس فى دين الله ــ معاذَ الله منْ ذلكَ ــ .
  • كانت أُم سَلمة من آخر نساء النبى  لحوقًا به ، وقد ماتت (رضى الله عنها) فى العام التاسع والخمسين من الهجرة أى بعد إنتقاله  للرفيق الأعلى بتسع وأربعين سنة ، وقد ماتت فى خلافة يزيد بن معاوية ، وأوصت بأن يصلى عليها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وفى رواية أخرى أنها أوصت بأن يُصلى عليها أبو هريرة ، وقد دُفنت (رضى الله عنها وأرضاها) فى البقيع .
                                  ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛