فتاوى | الشــريعـة تنظـم الغـريـزة

 فتاوى لها أحكام

الشَّـريعـة تُنظِّم الغَريـزة

لفضيلة الإمام الشيخ / محمود شلتوت

الغناء والموسيقى 

جاءتنى رسالة من شاب يقول فيها : إنه يهوى المُوسيقى منذ نعومة أظفاره ، وأنه يدرسها ويجتهد فى تعلمها ، وقد فاجأه أحد أصدقائه بأنها حرام ، لأنها لهو يصرف عن الصلاة وعبادة الله ، وكل لهو حرام ، فقال لصديقه : إنى أصلى الصلوات الخمس فى أوقاتها وأعبد الله تمامًا ، وأذهب إلى النادى فى أوقات الفراغ ، لأُسرِّى عن نفسى عناء العمل نهارًا والمذاكرة ليلاً ، فلم يقتنع صاحبه بذلك ، وأصر على أن الموسيقى حَرام ، وأخيرًا اتجها إلى التحكيم ، وبعث إلىّ الشاب هذه الرسالة مُلتمسًا بيان الحُكم الشرعى فى الموضوع

حيرة بين المُحلِّلين والمُحرِّمين

أرجوا أن يجد إخواننا المسلمون فى هذه الفتوى ما ينفعهم فى معرفة حكم الله ، بالنسـبة لكثير من الأشيـاء التى يجرى على بعض الألسنة أن حكمـهـا الشـرعى هو التَّحـريم ، ويجرى على البـعض الآخـر أن حكمهـا هو الحِلُّ ، وبذلك وقع الناس فى حيـرة نفسية وارتباك دينى ، ولم يجدوا ما يُرجِّح لهم أحد الجانبين ، وظلوا فى تردد بين الحِلِّ والحُرْمة ، وفيه من البـلبـلة ما لا يتفق وشأن المؤمنين . 

ومن أمثلة هذه الرسـالة التى جـاءتنى فى شـأنتَعلُّم الموسيقى وسماعها " ، فهى كما سمعتم تصور رأيين مخـتلـفـين فى حكم الموسيـقى ، يستند أحدهما إلى كلمات تُقرأ فى بعض الكتب الشـرعـيـة ، أو تسمع من بعض الناس الذين يلبـسون ثوب الورع على غيـر الوجـه الذى يلبس عليـه ، وينبع الرأى الآخـر من العـاطفـة الإنسـانيـة المحكومة بالعـقل الدينى السليـم : 

يرى الأول ، بالكـلمات التى قـرأها ، أو التى سـمعـها ، أن تَعلُّم الموسـيـقى وسماعها حـرام . 

ويرى الثانى ، بعاطفتـه الإنسانيـة البـريئة ، أن تعلمها وسماعها حـََلال لا حُـرْمة  فيها . 

فِطرة الإنسان تميلُ إلى المُسْتلذات 

والأصل الذى أرجـو ، أن ينتبـه الناس إليـه فى هذا الشـأن وأمـثـاله ، مما يختلفون فى حِلِّهِ وحُرمتهِ ، هو أن الله خلق الإنسـان بغـريزة يمـيل بها إلى المستلذات والطيبـات التى يجد لها أثراً طيبًا فى نفسه ، به يهدأ ، وبه يرتاح ، وبه ينشط ، وبه تسكن جوارحه ، فتراه ينشـرح صدره بالمناظر الجـمـيلة ، كالخضرة المنسـقة والماء الصـافى الذى تلعب أمـواجه ، والوجه الحـسن الذى تنبـسط أسـاريره ، ينشـرح صـدره بالروائح الزكيـة التى تحدث خِفة فى الجسم والروح ، وينشـرح صدره بلمس النعومة التى لا خشونة فيها ، وينـشرح صدره بلذة المعـرفة فى الكشف عن مجهول مخبوء وتراه بعد هذا مطبوعًا على غـريزة الحب لمشتـهيـات الحيـاة وزينتها من النساء والبنين ، والقناطيـر المقنطرة من الذهب والفـضـة ، والخيل المسومة والأنعام والحرث . 

الشَّرائع لا تَقْضى على الغرائز بل تُنظِّمُها

ولعل قيام الإنسـان بمهمته فى هذه الحيـاة ما كانت لتتم على الوجه الذى لأجله خلقه الله إلا إذا كان ذا عـاطفة غريزية ، توجهه نحو المشتهيات ، وتلك المُتع التى خلقها الله معه فى الحياة ، فيأخذ منها القدر الذى يحتـاجـه وينفعه . 

ومن هنا قضت الحكمة الإلهـيـة أن يُخلق الإنسـان بتلك العاطفة ، وصار من غير المعقول أن يطلب الله منه ، بعد أن خلقـه هذا الخلق ، وأودع فيه حكمـتـه السامية هذه العاطفـة ، نزعها أو إماتتها أو مكافحتـهـا فى أصلها ، وبذلك لا يمكن أن يكون من أهداف الشـرائع السـمـاوية ، فى أى مـرحلة من مـراحل الإنسانـيـة ، طلب القـضـاء على هذه الغريزة الطبـيـعيـة التى لابد منها فى هذه الحياة . 

نعم ، للشـرائع السـمـاوية بإزاء هذه العـاطفة مطلب آخـر ، يتلخص فى كـبح الجماح ومعناه : مكافحة الغـريزة عن الحد الذى ينسى به الإنسان واجـبـاته ، أو يفسد عليه أخلاقه ، أو يحول بينه وبين أعمال هى له فى الحـيـاة ألزم ، وعليه أوجب . 

التوسط أصل عظيم فى الإسلام 

ذلك هو موقف الشرائع السماوية من الغريزة ، وهو موقف الإعتدال والقصد ، لا موقف الإفراط ، ولا موقف التفريط ، هو موقف التنظيم ، لا موقف الإماتة والانتزاع ، هذا أصل يجب أن يفهم ، ويجب أن توزن به أهداف الشريعة السماوية ، وقد أشار إليه القرآن فى كثير من الجزئيات كما جاء فى قول الحق تبارك وتعالى

﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ .. (29)  الإسراء . 

﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ .. (31)  الاعراف . 

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ .. (19)  لقمان . 

وإذن ، فالشريعة توجه الإنسان فى مقتضيات الغريزة إلى الحد الوسط ، فهى لم تنزل لانتزاع غريزة حب المال ، إنما نزلت بتعديلها على الوجه الذى لا جشع فيه ولا إسراف ، وهى لم تنزل لانتزاع الغريزة فى حب المناظر الطيبة ، ولا المسموعات المستلذة ، وإنما نزلت بتهذيبها وتعديلها على ما لا ضرر فيه ولا شر ، وهى لم تنزل لانتزاع غريزة الحزن ، وإنما نزلت بتعديلها على الوجه الذى لا هلع فيه ولا جزع ، وهكذا وقفت الشريعة السماوية بالنسبة لسائر الغرائز . 

وقد كلف الله العقل ، الذى هو حجته على عباده ، بتنظيمها على الوجه الذى جاء به شرعه ودينه ، فإذا مال الإنسان إلى سماع الصوت الحسن ، أو النغم المستلذ ، من حيوان أو إنسان ، أو آلة كيفما كانت ، أو مال إلى تعلم شىء من ذلك فقد أدى للعاطفة حقها ، وإذا ما وقف بها مع هذا عند الحد الذى لا يصرفه عن الواجبات الدينية ، أو الأخلاق الكريمة ، أو المكانة التى تتفق ومركزه ، كان بذلك منظمًا لغريزته ، سائرًا بها فى الطريق السوى ، وكان مرضيًا عند الله وعند الناس . 

بهذا البيان يتضح أن موقف الشاب فى تعلم الموسيقى ، مع حرصه الشديد على أداء الصلوات الخمس فى أوقاتها وعلى أعماله المكلف بها ، موقف ــ كما قلنا ــ نابع من الغريزة التى حكمها العقل بشرع الله وحكمه ، فنزلت على إرادته ، وهذا هو أسمى ما تطلبه الشرائع السماوية من الناس فى هذه الحياة

رأى الفقهاء فى السَّماع

ولقد كنت أرى أن هذا القدر كاف فى معرفة حكم الشرع فى الموسيقى ، وفى سائر ما يحب الإنسان ويهوى بمقتضى غريزته ، لولا أن كثيرًا من الناس لا يكتفون ، بل ربما لا يؤمنون بهذا النوع من التوجيه فى معرفة الحلال والحرام ، وإنما يقنعهم عرض ما قيل فى الكتب وأثر عن الفقهاء ، وإذا كان ولابد فليعلموا أن الفقهاء اتفقوا على إباحة السماع فى إثارة الشوق إلى الحج ، وفى تحريض الغزاة على القتال ، وفى مناسبات السرور المألوفة كالعيد ، والعرس ، وقدوم الغائب وما إليها ، ورأيناهم فيما وراء ذلك على رأيين

يقرر أحدهما الحُرْمة ، ويستند إلى أحاديث وآثار .

ويقرر الآخر الحِلُّ ، ويستند كذلك إلى أحاديث وآثار

وكان من قول القائلين بالحِلِّ : "إنه ليس فى كتاب الله ولا سنة رسوله ولا فى معقولهما من القياس والاستدلال ، ما يقتضى تحريم مجرد سماع الأصوات الطيبة الموزونة مع آلة من الآلات ، وقد تعقبوا جميع أدلة القائلين بالحُرْمة ، وقالوا : إنه لم يصح منها شىء" . 

رأى الشيخ النَّابلسى 

وقد قرات فى هذا الموضوع لأحد فقهاء القرن الحادى عشر المعروفين بالورع والتقوى رسالة هى : " إيضاح الدلالات فى سماع الآلات " للشيخ عبد الغنى النابلسى الحنفى ، قرر فيها أن الأحاديث التى استدل بها القائلون بالتَّحْريم ، على فرض صحتها ، مقيدة بذكر الملاهى ، وبذكر الخمر والقينات ، والفسوق والفجور ، ولا يكاد حديث يخلو من ذلك ، وعليه كان الحكم عنده فى سماع الأصوات والآلات المطربة أنه إذا اقترن بشىء من المُحرَّمات ، أو اتخذ وسيلة للمحرمات ، أو أوقع فى المحرمات كان حرامًا ، وأنه إذا سلم من كل ذلك كان مباحًا فى حضوره وسماعه وتعلمه ، وقد نقل عن النبى  ، ثم عن كثير من الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء أنهم كانوا يسمعون ويحضرون مجالس السماع البريئة من المُجون والمُحرَّم ، وذهب إلى مثل هذا كثير من الفقهاء ، وهو يوافق تمامًا فى المغزى والنتيجة الأصل الذى قررناه فى موقف الشريعة بالنسبة للغرائز الطبيعية

ولع الشيخ العطار بالسَّماع

وكان الشيخ حسن العطار ، شيخ الجامع الأزهر فى القرن الثالث عشر الهجرى ، ذا ولع شديد بالسماع وعلى معرفة تامة بأصوله ، ومن كلماته فى بعض مؤلفاته : من لم يتأثر برقيق الأشعار تتلى بلسان الأوتار ، على شطوط الأنهار ، وفى ظلال الأشجار ، فذلك جلف الطبع حِمَار

الأصل فى السَّماع الحِلُّ والحُرْمة عارضة 

وإذن فسماع الآلات ، ذات النغمات الجميلة ، لا يمكن أن يحرم باعتباره صوت آلة ، أو صوت إنسان ، أو صوت حيوان ، وإنما يُحَرم إذا استعين به على مُحرَّم ، أو اتخذ وسيلة إلى مُحرَّم ، أو ألْهَى عن واجب . 

وهكذا يجب أن يعلم الناس حكم الله فى مثل هذه الشئون ونرجو بعد ذلك ألا نسمع القول يُلقى جزافًا فى التحليل والتحريم ، فإن تحريم ما لم يُحرمه الله أو تحليل ما حرمه الله كلاهما افتراء وقول على الله بغير علم يقول الحق سبحانه وتعالى﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)  الأعراف . 🅪


؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛