الدين المعاملة | رعــاية الفقــراء والمحتاجين ضرورة لاستقرار المجتمع

 رعـــاية الفقـــراءوالمحتاجين

تحقيق للتكافل الاجتماعى فى المجتمع الإسلامى

قال رسول الله  : 

"أوحى الله إلى موسى : يا مُوسى ، إنَّ من عبادى من لو سألنى الجنَّة بحذافيرها لأعْطيتهُ ، ولو سألنى غِلاف سَوْطٍ لم أُعْطه ، ليس ذلك عن هوان له علىَّ ، ولكنى أريد أن أدِّخر له فى الآخرة من كرامتى ، وأحْميه من الدنيا كما يحمى الرَّاعى غنمهُ من مَراعى السُّوء .. يا مُوسى ، ما ألجأت الفقراء إلى الأغْنياء إنَّ خزائنى ضاقت عليهم ، وإنَّ رحمتى لم تسعْهم ، ولكنِّى فرضتُ للفقراء فى أموال الأغنياء ما يَسعُهم .. أردتُ أن أبلو الأغنياء : كيف مُسارعَتُهم فيما فرضتُ للفقراء فى أموالهم ؟ .. يا مُوسى ، إن فعلُوا ذلك أتْممتُ عليهم نعمتى ، وأضْعفتُ لهم فى الدنيا للواحدة عشرُ أمثالها .. يا مُوسى ، كُن للفقير كَنزًا ، وللضَّعيف حِصنًا ، وللمُستجير غيثًا أكُن لك فى الشِّدة صاحبًا ، وفى الوحدة أنيسًا ، أكلؤُك فى ليلك ونَهارك"  رواه ابن النجِّار عن أنس بن مالك (رضى الله عنه) .

والحديث يوضح أن الغِنَى والفَقْر بيد الله .. فليس للغنىِّ فضل فى كثرة ماله ، وليس للفقير ذنب فى قلَّة ماله ، وإنما الله تبارك وتعالى يبلو الأغنياء بالفقراء ، ويبلو الفقراء بالأغنياء ، هل يشكر الغنِىُّ ، ويؤدِّى حق الفقراء فى ماله ؟ هل يقنع الفقير ، ولا يحسدُ الغنىَّ على ماله ؟ . والله تبارك وتعالى قدَّر الأقوات قبل خلق الناس ؛ فمن العباد من يصلح له الغِنَى ، ولو أفقره الله لفسد حاله .. ومن العباد من يصلح له الفقر ، ولو أغناه الله لفسد حاله .. ولو أخرج الأغنياء زكاة أموالهم كما فرضها الله ، ما بقى فى الأمة فقير ، ولا محتاج .. 

إذ إن فى أموال الأغنياء ما يسع الفقراء ، فقد خلق الله الخلق ، وأحصى العدد ، وقسَّم الأرزاق ، ولم ينس أحدًا .. كل ما هناك أن من الناس من يأتيه رزقه مُباشرة نتيجة : عمل ، أو زراعة ، أو صناعة .. ومنهم من يأتيه رزقه من خلال صدقة الأغنياء ، وإنفاقهم .. فمن مَنع زكاة ماله ، فكأنما سرق من الفقير ماله ، وسلبه حقه ، فيطالبه الله به يوم القيامة ، حيث لا دِرهم ، ولا دينار .. 

وربُّنا تبارك وتعالى يُثنى على الذين يؤدُّون الحق فيقول ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)  المعارج . 

ويتأكد حق الفقراء فى أموال الأغنياء بقول الحق تبارك وتعالى﴿ .. وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ .. (7)  الحديد . إذًا فالمال مال الله ، والغنىِّ مُستخلف فيه ، ولا شك أنه مسئول يوم القيامة عما استخلفه الله فيه إذا لم يؤدِّ الحقَّ الذى عليه ، بالإضافة إلى أنه مُعرَّض فى الدنيا للعقوبة بِسلب ماله ؛ فـ الله تبارك وتعالى يقول﴿ .. وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (38)  محمد . 

ويحدثنا أبو ذر الغفارى (رضى الله عنه) فيقول : 

قال رسول الله  : "المُكْثرون هم المُقلُّون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرًا فَنفَح فيه عن يمينه وشِماله ، وبين يديه ، ووراءهُ ، وعمل فيه خيرًا"  رواه البخارى (متفق عليه)  .. ويبين النبى  حقيقة المال فيقول : "يقولُ ابن آدم مالى مالى وهل لك من مال إلا : ما أكلت فأفْنيت ، أو لبست فأبْليت ، أو تصدَّقت فَأمضيت"  رواه مسلم عن أبى هريرة ، وكأن المال الذى ينفع صاحبه : هو الذى يُنْفقُه على الفقراء ، أما سوى ذلك : فهو ذاهب ولا بقاء له .. 

ويقول النبى  : "أخلاَّءُ ابن آدم ثلاثةٌ : واحدٌ يتْبعهُ فى قبض روحه ، والثانى إلى قَبرهِ ، والثالث إلى مَحْشرهِ : فالذى يتبعهُ إلى قَبضِ رُوحهِ فهو ماله ، والذى يتبعه إلى قَبرهِ فهو أهْلهُ ، والذى يتبعه إلى مَحْشرهِ فهو عَملُهُ"    رواه أحمد ، والطبرانى عن النعمان بن بشير (رضى الله عنه) .

ويقول  : "تَعس عبدُ الدِّينار ، تعس عبدُ الدِّرهم ، تَعِسَ وانْتكس"   رواه البخارى عن أبى هريرة (رضى الله عنه) ، ويقول : "يَهْرمُ ابن آدم وَشيبُّ معه اثنان : الأمل ، وحبُّ المال"  من حديث أنس بن مالك (رضى الله عنه)  .. ويبين  وظيفة المال ، ومدى حب الإنسان له ، وأنه لا يشبع منه فيقول : "إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول : إنا أنزلنا المال لإقامة الصَّلاة ، وإيتاء الزَّكاة ، ولو أن لابن آدم واديًا من ذهب لأحبَّ أنْ يكون له ثانٍ ، ولو أنَّ له الثانى لأحب أن يكون له ثالث ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التُّرابُ ، ويتوبُ الله على من تاب"  رواه أحمد والبيهقى عن أبى واقد الليثى (رضى الله عنه) .

وقد كان رسول الله  سخيًا جوادًا ، ويقول (أنس) : إن رسول الله  لم يسأل على الإسلام شيئا إلا أعطاه .. أتاه رجل فسأله فأمر له بِشَاءٍ كثير بين جبلين من شَاءِ الصدقة ، فرجع إلى قومه فقال : يا قوم ، أسْلموا فإن محمدًا يعطى عطاء من لا يخافُ الفقر ، رواه مسلم عن أنس بن مالك (رضى الله عنه) .

ويحثُّ النبى  على الإنفاق على الفقراء فيقول : "السَّخىُّ قريب من الله ، قريبٌ من الناس ، قريبٌ من الجنَّة ، بعيدٌ من النار .. وإن البخيل بعيدٌ من الله ، بعيدٌ من الناس ، بعيدٌ من الجنَّة ، قريب من النار .. وجاهلٌ سخىٌّ أحب إلى الله من عَالمٍ بخيل"   رواه الترمذى عن أبى هريرة (رضى الله عنه)  .. والله تبارك وتعالى يَعدُ المنفقين بالإكثار من أموالهم فيقول﴿ .. وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)  سبأ . 

ولأهمية رعاية الفقراء جعل الله تبارك وتعالى إطعامهم ، وكسوتهم كفارة لبعض الأيمان (القسم) ، كما جاء فى قوله﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ .. (89)  المائدة . 

وكذلك جعل الإطعام كفارة للمُحْرم إذا قتل صيدًا ، فقال﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ .. (95)  المائدة . 

وكذلك يحل الإطعام محل الصيام فى كثير من الكفارات ، مثل كفارة الظِّهِار ، وغيرها  فى قوله تعالى﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۖ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ۚ .. (4)  المجادلة . 

وهو أيضا يكون عوضًا عن صيام رمضان لغير القادرين عليه ، كما جاء فى قوله تعالى﴿ .. وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184)  البقرة . 

وإطعام الفُقراء ابتغاء وجه الله من أسباب النجاة يوم القيامة ، كما جاء فى قوله تعالى﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11)  الإنسان . 

والإطعام كذلك من أسباب دخول الجنَّة بسلام كما جاء فى الحديث الشريف : "يأيها الناس ، أفْشوا السَّلام ، وأطْعموا الطعام ، وصِلُوا الأرْحام ، وصَلُّوا والناس نِيامٌ : تدخلوا الجنَّة بسلام"  رواه الترمذى عن عبد الله بن سلام (رضى الله عنه) .

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

من كتاب أخلاقيات الإسلام

للشيخ / ياسين رشدى