قضايا عامة | الإحتكار وخطره على المجتمع

  الإحتكار وخطره على المجتمع 


فى زمن من الأزمنة اشتدت أزمة الخبز والدقيق واستُحْكمت حلقاتها ، وتحكَّم تجار الغلال بالناس فساموهم سوء العذاب ، وكأن الرحمة لم تعرف إلى قلوبهم سبيلا . فقامت الحكومة بعلاج هذه الحالة الشاذة واستصدرت المراسيم وأصدرت الأحكام وضيقت الخناق على هؤلاء التجار وعملت كل ما استطاعت أن تعمله لتفريج هذه الأزمة ، ولكنها لم تفلح فى علاجها ، وقد تضور الناس جوعًا واشتدت حاجتهم إلى ما يقتاتون به ولكنهم لم يجدوه وإن وجدوه فبشق الأنفس وبذل النفس والنفيس .

حدث ذلك فى بلد زراعى يغل كل ما يفيض عن حاجته من أقوات وأرزاق وهو فوق ذلك يستورد الكثير منها من البلاد الأجنبية . فأين يذهب كل هذا ؟ وأين اختفى ذلك المحصول ؟ هل نزلت عليه جائحة من السماء فأهلكته ، أو جاءته شياطين الأرض فاختطفته ؟ 

لاشىء من ذلك قد حدث ، وإنما هو الجشع والإحتكار وحب الإستئثار والتضييق على المحتاجين ولو مات الناس جوعًا وهلكوا مسغبة ، ألا يعتبر هؤلاء بما جاء فى أمثالهم من الوعيد الشديد من :

قوله صلى الله عليه وسلم : " بِئْس العبد المُحتكر إن أرخص الله تعالى الأسعار حَزِن وإن أغلاها فرح " . 

وقوله صلى الله عليه وسلم : " يُحشرُ الحاكرون وقتلى الأنفس فى درجة ومن دخل فى شىءٍ من سِعرِ المسلمين يُغْليه عليهم كان حقًا على الله تعالى أن يُعذبه فى مُعظمِ النَّار يوم القيامة " .

وقوله صلى الله عليه وسلم : " من احتكر طعامًا أربعين يومًا يُريد به الغلاء فقد برىء الله تعالى مِنهُ " إلى غير ذلك من الأحاديث الشريفة والآثار الجليلة التى تدل على أن إحتكار الطعام والسلع الغذائية بقصد الإضرار بالناس ليس من الإسلام فى شئ . 

وعن أبى هريرة (رضى الله عنه) ، عن النبى  قال : " يأْتى على النَّاسِ زمانٌ لا يُبالى المرءُ ما أخذ مِنهُ ، أمْ من الحَلال أمْ من الحرام " .

لقد كان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم مثال المروءة والسماحة والكرم وحب الخير مهما كلفهم ذلك من جهود ومشقة ، فكانوا أرحم الناس بالناس فى وقت الشدائد والمحن والمصائب ... 

ومما يدل على ذلك ما رواه الإمام الغزالى عن بعض السلف أنه كان "بواسط" (مدينة تاريخية بالعراق) ، فجهز سفينة حِنطة إلى البصرة وكتب إلى وكيله بها : هذا الطعام يُصرف يوم يدخل البصرة ولا تؤخره لغد ، فوافق بيعه رخصًا فى السِّعر ، فقال التجار للوكيل : إنْ أخرَّته جمعة ربحت أضعافه ، فأخره جمعة وربح فيه أمثاله وكتب إلى صاحبه بذلك ، فكتب إليه صاحب الطعام : يا هذا إنَّا كنَّا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا وإنك قد فعلت ما نرفض أن نربح أضعافه بفساد شىء من الدين وقد جنيت علينا جناية ، فإذا أتاك كتابى هذا فخذ هذا المال كله وتصدق به على فقراء البصرة وليتنى أنجو من الإحتكار كفافًا لا علىَّ ولا لى . 

ومن ذلك ما روى عن ابن عباس (رضى الله عنهما) قال : قحط الناس فى زمان أبى بكر الصديق (رضى الله عنه) ، فقال أبو بكر : لا تُمسون حتى يفرج الله عنكم ، فلما كان الغد جاء البشير  إليه وقال : قدمت لعثمان ألف راحلة برًا وطعامًا ، قال : فغدا التجار على عثمان (رضى الله عنه) فقرعوا عليه الباب فخرج إليهم وعليه ملاءة خالف بين طرفيها على عاتقه ، فقال لهم : ما تريدون ؟ قالوا : قد بلغنا أنه قدم لك ألف وقر وقد صب فى دار عثمان (رضى الله عنه) ، فقال لهم : كم تربحونى على شرائى من الشام ؟ قالوا : العشرة اثنا عشر ، قال : قد زادونى ، قالوا : العشرة أربعة عشر ، قال : قد زادونى ، قالوا : العشرة خمسة عشر ، قال : قد زادونى ، قالوا : من زادك ونحن تجار المدينة ؟ قال : قد زادنى الله لكل درهم عشرة فهل عندكم زيادة ؟ قالوا : لا ، قال : فأشهدكم معشر التجار أنها صدقة على فقراء المدينة .

هذه هى شيمة السلف الصالح وهذه هى أخلاقهم المرضية وأوصافهم الحميدة فهل يتخذها هؤلاء الجشعون والمحتكرون مثالاً يُحتذى به ، ونبراسًا يستضيئون به أم على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرٌ وإن تدْعُهم إلى الهدى فلن يهتدوا .... إذن ابدا

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛