من هدى النبى ﷺ | إنَّمَا الأعْمـالُ بالنيَّـات والنِيَّـة مَحِلُّها القَـــــلْب
إِنَّمَـا الأَعمَـالُ بالنيَّـاتِ
- إنما الأعمال بالنيات أى لا صحة لعمل إلا بنية ، والمراد بالأعمال هنا أعمال الجوارح كلها ، حتى إن المسلم يضاعف له الثواب على أكله وشربه ، ونومه ويقظته على حسب نيته فى ذلك ، كذلك فى العبادات كالصوم ، والصلاة ، والصدقة ، والوضوء ، والغسل ، والحج ، والإعتكاف تحتاج إلى نية . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :
- يعتبر هذا الحديث من أهم الاحاديث .. فما من فَقيه أو عالم إلاَّ وتناوله بالشرح ، إذ يُبين أساس حساب الله تبارك وتعالى لعباده .. فليست العِبْرة بالعمل وإنما العِبْرَة بالنيَّة .. والنيَّة محلها القلب .. وقد أجاز بعض العلماء التلفظ بالنية ليوافق اللسان القلب .
- وقد تكلم هذا الحديث عن الهجرة التى كانت فى ذلك الوقت من أَجَلِّ الأَعمال وأفضلها ، حيث يقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ .. وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (100) ﴾ النساء . قد يبدو العمل فى ظاهره جليلاً عظيمًا يغبط الناس صاحبه عليه ، ومع ذلك يورده موارد التهلُكة فيُعاقَبُ عليه بدلا من أن يُثاب عليه ، وذلك لفساد نِيَّة العامل ، أو لأنه لم يُرِدْ بهذا العمل وجه الله تبارك وتعالى.. ويبين ذلك الحديث التالى : يقول النبى صلى الله عليه وسلم :
{2} إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى ــ يَوْمَ القِيَامَةِ ــ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ فَعَرفَهَا ، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدتُ . قَالَ : كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ : هُوَ جَرِىءٌ ، فَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ .. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا ، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ . قَالَ كَذَبْتَ ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ : عَالِمٌ ، وَقَرَأْتَ الْقُرآنَ لِيُقَالَ : هُوَ قَارِىءٌ ، وَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ .. وَرَجُلٌ وَسَّعَ الله عَلَيْهِ ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا ، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلِ تُحبُ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا ، قَالَ : كَذَبْتَ ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ : هُوَ جَوَادٌ ، فَقَدْ قِيلَ : ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ . رواه مسلم والترمذىُّ والنسائىُّ وابن حِبَّان عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .
- هذا الحديث يضرب المثل بثلاثة أعمال فى الدنيا : الشهادة فى سبيل الله - تعلم العلم وقراءة القرآن - الإنفاق فى سبيل الله .
- أَمَّا مقام الشهادة فهو من أعلى المقامات وأَجَلُّها وأعظمها فضلا .. إذ أنَّ مع أول دفقة دم من الشهيد تُغْفَر له جميع ذنوبه ، ويحيى حياة خاصة فى عالم البرزخ حيث يقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) ﴾ آل عمران .
- ومقام الدعوة إلى الله وتَعلُّم القرآن فهو من أَجَلِّ المقامات ، فالعلماء ورثة الانبياء .. ويُسألُ العلماء يوم القيامة عما يُسألُ عنه الأنبياء فهم شهداء على عصرهم ومعاصرى زمانهم .
- ومقام الإنفاق فى سبيل الله فهو مقام الكُرَمَاء الذين اصطفاهم الله لصنائع المعروف ، وإغاثة الملهوف ، إذ أنَّ الصدقة تطفئ غضب الرب كما يُطفئ الماء النار .
- هؤلاء العاملون لهذه الأعمال قد أرادوا الدنيا بأعمالهم ، ولم يريدوا بها وجه الله تبارك وتعالى حيث يقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ (20) ﴾ الشورى .
- وهذه الأعمال صالحة فى ظاهرها ، يُراد بها مدح الناس وثناؤهم ، وهو نوع من أنواع الشرك .. والله تبارك وتعالى لا يَغْفر أن يُشرك به ، ولكن إذا صلحت النيَّة ، وكانت خالصة لوجه الله تعالى أُثيب صاحبها ولو لم يتم عمله ، يبين ذلك الحديث التالى : يقول النبى صلى الله عليه وسلم :
{3} قَالَ رَجُلٌ : لأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ ، فَوَضَعَهَا فِىِ يَدِ سَارِقٍ ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ : تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ .. لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِىِ يَدِ زَانِيَةٍ ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَثُونَ : تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ .. لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِىِ يَدِ غَنِىِّ ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ : تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِىِّ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ ، وَزَانِيَةٍ ، وَغَنِىِّ ، فَأُتِىَ فَقِيلَ لَهُ : أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا ، وَأَمَّا الغَنِىُّ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ الله . رواه البخارىُّ ومُسلم والنسائىُّ عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .
- يُبين هذا الحديث أنَّ صِدْق النيَّة كان سببًا فى قبول الصدقة رغم وقوعها فى يد من لا يستحق ، بل أن هذه الصدقات أتت بالخير على هؤلاء الناس ، فالسارق سوف يتوب عن سرقته ، والزانية سوف تعف عن زناها ، والغنى يَعْتَبر ويُنْفِق مما آتاه الله .. وصدق القائل : نِيَّةُ المَرءِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛