من هدى النبى ﷺ | إنَّمَا الأعْمـالُ بالنيَّـات والنِيَّـة مَحِلُّها القَـــــلْب

 إِنَّمَـا الأَعمَـالُ بالنيَّـاتِ 


  • إنما الأعمال بالنيات أى لا صحة لعمل إلا بنية ، والمراد بالأعمال هنا أعمال الجوارح كلها ، حتى إن المسلم يضاعف له الثواب على أكله وشربه ، ونومه ويقظته على حسب نيته فى ذلك ، كذلك فى العبادات كالصوم ، والصلاة ، والصدقة ، والوضوء ، والغسل ، والحج ، والإعتكاف تحتاج إلى نية .   يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :
{1}  إِنَّمَا الأَعْمَالُ  بِالنِّيَّاتِ  ،  وإِنَّمَا  لِكُلِّ  امْرِئٍ  مَانَوَىَ ..  فَمَنْ  كَانَتْ  هِجْرَتُهُ  إِلَى  الله  وَرَسُولِهِ  ،  فَهِجْرَتُهُ  إِلَى  الله  وَرَسُولِهِ  ..  وَمَنْ  كَانَتْ  هِجْرَتُهُ  إِلَى  دُنْيَا  يُصِيبُهَا  أَوِ امْرَأَةٍ  يَتَزَوَّجُهَا  ،  فَهِجْرَتُهُ  إِلَى  مَا هَاجَرَ  إِلَيْهِ .   رواه البخارىُّ ومسلم وأبو داود والترمذىُّ والنسائىُّ وابن ماجه عن عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) .
  • يعتبر هذا الحديث من أهم الاحاديث .. فما من فَقيه أو عالم إلاَّ وتناوله بالشرح ، إذ يُبين أساس حساب الله  تبارك وتعالى لعباده .. فليست العِبْرة بالعمل وإنما العِبْرَة بالنيَّة .. والنيَّة محلها القلب .. وقد أجاز بعض العلماء التلفظ  بالنية ليوافق اللسان القلب .
  • وقد تكلم هذا الحديث عن الهجرة التى كانت فى ذلك الوقت من أَجَلِّ الأَعمال وأفضلها ،  حيث يقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ .. وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (100) ﴾ النساء .  قد يبدو العمل فى ظاهره جليلاً عظيمًا يغبط الناس صاحبه عليه ، ومع ذلك يورده موارد التهلُكة فيُعاقَبُ عليه بدلا من أن يُثاب عليه ، وذلك لفساد نِيَّة العامل ، أو لأنه لم يُرِدْ بهذا العمل وجه الله تبارك وتعالى.. ويبين ذلك الحديث التالى :  يقول النبى صلى الله عليه وسلم :
{2}  إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ  يُقْضَى ــ  يَوْمَ القِيَامَةِ ــ عَلَيْهِ  رَجُلٌ  اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِهِ  فَعَرَّفَهُ  نِعْمَتَهُ  فَعَرفَهَا ، قَالَ :  فَمَا  عَمِلْتَ  فِيهَا ؟  قَالَ : قَاتَلْتُ  فِيكَ  حَتَّى اسْتُشْهِدتُ  .  قَالَ : كَذَبْتَ  وَلَكِنَّكَ  قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ : هُوَ جَرِىءٌ ،  فَقَدْ  قِيلَ ،  ثُمَّ أُمِرَ بِهِ  فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ  حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ .. وَرَجُلٌ  تَعَلَّمَ  الْعِلْمَ  وَعَلَّمَهُ ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ  بِهِ  فَعَرَّفَهُ  نِعَمَهُ  فَعَرَفَهَا ،  قَالَ : فَمَا  عَمِلْتَ فِيهَا ؟  قَالَ : تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ ، وَقَرَأْتُ  فِيكَ  الْقُرْآنَ . قَالَ  كَذَبْتَ ،  وَلَكِنَّكَ  تَعَلَّمْتَ  لِيُقَالَ : عَالِمٌ ، وَقَرَأْتَ  الْقُرآنَ  لِيُقَالَ : هُوَ  قَارِىءٌ ، وَقَدْ  قِيلَ ،  ثُمَّ  أُمِرَ بِهِ  فَسُحِبَ  عَلَى وَجْهِهِ  حَتَّى أُلْقِىَ  فِى  النَّارِ .. وَرَجُلٌ  وَسَّعَ  الله  عَلَيْهِ  ،  وَأَعْطَاهُ  مِنْ أَصْنَافِ  المَالِ  فَأُتِىَ بِهِ  فَعَرَّفَهُ  نِعَمَهُ  فَعَرَفَهَا  ،  قَالَ : فَمَا  عَمِلْتَ  فِيهَا ؟  قَالَ : مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلِ  تُحبُ أَنْ  يُنْفَقَ  فِيهَا  إِلاَّ  أَنْفَقْتُ  فِيهَا ، قَالَ :  كَذَبْتَ ،  وَلَكِنَّكَ  فَعَلْتَ  لِيُقَالَ : هُوَ  جَوَادٌ  ،  فَقَدْ  قِيلَ : ثُمَّ  أُمِرَ بِهِ  فَسُحِبَ عَلَى  وَجْهِهِ  حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ   رواه مسلم والترمذىُّ والنسائىُّ وابن حِبَّان عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .  
  • هذا الحديث يضرب المثل بثلاثة أعمال فى الدنيا : الشهادة فى سبيل الله  تعلم العلم وقراءة القرآنالإنفاق فى سبيل الله .
  • أَمَّا مقام الشهادة  فهو من أعلى المقامات وأَجَلُّها وأعظمها فضلا .. إذ أنَّ مع أول دفقة دم من الشهيد تُغْفَر له جميع ذنوبه ، ويحيى حياة خاصة فى عالم البرزخ حيث يقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) ﴾ آل عمران .
  • ومقام الدعوة إلى الله  وتَعلُّم القرآن فهو من أَجَلِّ المقامات ، فالعلماء ورثة الانبياء .. ويُسألُ العلماء يوم القيامة عما يُسألُ عنه الأنبياء فهم شهداء على عصرهم ومعاصرى زمانهم .
  • ومقام الإنفاق فى سبيل الله  فهو مقام الكُرَمَاء الذين اصطفاهم الله لصنائع المعروف ، وإغاثة الملهوف ، إذ أنَّ الصدقة تطفئ غضب الرب كما يُطفئ الماء النار .
  • هؤلاء العاملون لهذه الأعمال قد أرادوا الدنيا بأعمالهم ، ولم يريدوا بها وجه الله تبارك وتعالى حيث يقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ (20) ﴾    الشورى .
  • وهذه الأعمال صالحة فى ظاهرها ، يُراد بها مدح الناس  وثناؤهم ، وهو نوع من أنواع الشرك .. والله تبارك وتعالى لا يَغْفر أن يُشرك به ، ولكن إذا صلحت النيَّة ، وكانت خالصة لوجه الله تعالى أُثيب صاحبها ولو لم يتم عمله ، يبين ذلك الحديث التالى : يقول النبى صلى الله عليه وسلم :
{3}  قَالَ رَجُلٌ : لأَتَصَدَّقَنَّ  اللَّيْلَةَ  بِصَدَقَةٍ ،  فَخَرَجَ  بِصَدَقَتِهِ  ،   فَوَضَعَهَا  فِىِ  يَدِ  سَارِقٍ ، فَأَصْبَحُوا  يَتَحَدَّثُونَ : تُصُدِّقَ  اللَّيْلَةَ   عَلَى  سَارِقٍ ،  فَقَالَ : اللَّهُمَّ  لَكَ  الحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ  ..  لأَتَصَدَّقَنَّ  بِصَدَقَةٍ ،  فَخَرَجَ  بِصَدَقَتِهِ  فَوَضَعَهَا  فِىِ  يَدِ  زَانِيَةٍ  ،   فَأَصْبَحُوا  يَتَحَدَثُونَ : تُصُدِّقَ  اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ ،  فَقَالَ : اللَّهُمَّ   لَكَ  الحَمْدُ  عَلَى  زَانِيَةٍ  ..  لأَتَصَدَّقَنَّ  بِصَدَقَةٍ  ،  فَخَرَجَ  بِصَدَقَتِهِ  فَوَضَعَهَا  فِىِ  يَدِ  غَنِىِّ ،  فَأَصْبَحُوا  يَتَحَدَّثُونَ : تُصُدِّقَ  اللَّيْلَةَ  عَلَى غَنِىِّ  ،  فَقَالَ : اللَّهُمَّ  لَكَ  الحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ ،  وَزَانِيَةٍ  ،  وَغَنِىِّ ، فَأُتِىَ  فَقِيلَ  لَهُ : أَمَّا  صَدَقَتُكَ  عَلَى  سَارِقٍ  فَلَعَلَّهُ  أنْ  يَسْتَعِفَّ عَنْ  سَرِقَتِهِ ،  وَأَمَّا  الزَّانِيَةُ  فَلَعَلَّهَا  أَنْ تَسْتَعِفَّ  عَنْ  زِنَاهَا ،  وَأَمَّا  الغَنِىُّ  فَلَعَلَّهُ  أَنْ  يَعْتَبِرَ  فَيُنْفِقَ  مِمَّا  أَعْطَاهُ  الله .   رواه البخارىُّ ومُسلم والنسائىُّ عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .
  • يُبين هذا الحديث أنَّ صِدْق النيَّة كان سببًا فى قبول الصدقة رغم وقوعها فى يد من لا يستحق ، بل أن هذه الصدقات أتت بالخير على هؤلاء الناس ، فالسارق سوف يتوب عن سرقته ، والزانية سوف تعف عن زناها ، والغنى يَعْتَبر ويُنْفِق مما آتاه الله .. وصدق القائل :  نِيَّةُ  المَرءِ  خَيْرٌ  مِنْ  عَمَلِهِ  .

               ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛