رجال حول الرسول | عبْدُ الله بنُ مَسْعُود (صاحبُ النَّعليْن والوسَادة)
عَبْـدُ الله بْـنُ مَسْــــعُودٍ
صاحبُ النَّعلين والوِسَادة
(رضى الله عنه)
فمن هو ؟- هو عَبْدُ الله بنُ مَسْعُود بن غافل بن حبيب الهذلى ، ويُكنَّى أبا عبد الرحمن ، وهو سادس من دخل الإسلام ، شهد سائر المشاهد مع النبى ﷺ ، كما شهد ( بيعة الرضوان) ، وشهد غزوة ( اليرموك) بعد انتقال النبى ﷺ إلى الرفيق الأعلى ، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة ، والمدينة وهو الذى أجهز على أبى جهل فى غزوة (بدر) ، ولقبه النبى ﷺ بابن أم عبد .
- هو صاحب النعلين والوسادة ، وهو صاحب السواد والسواك (السواد : السر) ، قال فيه حذيفة بن اليمان (رضى الله عنه) صاحب سر رسول الله ﷺ : ما أعرف أحدًا أقرب سمْتًا وهديًا ودلَّا بالنبى ﷺ مِنْ ابن أُمِّ عبد . كان يحمل نعل رسول الله ﷺ ويحمل وسادته فإذا جلس خلع عنه نعليه واحتفظ بهما تحت إبطه ووضع الوسادة للنبى ﷺ يتكىء عليها ، فإذا قام حمل الوسادة وألبسه النعلين ، لذلك سماه الأصحاب ، صاحب النعلين والوسادة .
- أَول من جهر بالقرآن فى مكة بعد رسول الله ﷺ ، قال فى شأنه النبى ﷺ : "منْ أحبَّ أَنْ يَقرأ القرآن غضَّا طريَّا فَليقْرأَهُ بِقراءَةِ ابْنِ أُم عَبْد" ، وقال النبى ﷺ : "وتَمسَّكُوا بعهد ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ" ، وعندما نظر أصحاب النبى ﷺ إلى ساقه ، وضحكوا من دقة ساقيه قال لهم النبى ﷺ : "لَرِجْلُ عبد الله أَثْقل فى المِيزان يَوم القيامة مِنْ جبل أُحد" . عَبْدُ الله بنُ مَسْعود هو واحد من الأربعة الذين أوصى النَّبىُّ ﷺ أن يُؤخذ القرآن عنهم ، وقال فيه بعض الناس وهم جلوس عند على بن أبى طالب (رضى الله عنه) : مَا رأيْنا رجلًا أَحْسنَ خُلقًا ، ولا أَرْفَق تَعْليمًا ، ولا أَحْسن مُجالسةً ، ولا أشدَّ وَرَعًا منْ ابْن مَسْعُود.
- يقول (رضى الله عنه) عن قصة إسلامه : كنت غلامًا يافعًا فى غنم لعُقبة بن أبى مَعيط أرعاها ، فأتى النبى ﷺ ومعه أبو بكر الصديق (رضى الله عنه) ، فقال : ياغُلام .. هل معك من لَبَنٍ ؟ فقلت : نعم ، ولكنى مؤتمن .. فقال : ائْتنى بشاةٍ لم ينز عليها الفَحْلُ ( أى صغيرة لم تلد ولا يمكن أن يكون بضرعها لبن ) فأتيته بعناق (أنثى الماعز) فاعتقلها النبى ﷺ ، فجعل يمسح الضرع ، ويدعوا حتى أنزلت ، فأتاه أبو بكر بشىء فاحتلب فيها ، ثم قال لأبى بكر : اشرب ، فشرب أبو بكر ، ثم شرب النبى ﷺ بعده ، ثم قال للضرع : اقلص (اجتمع) فقلص فعاد كما كان ، ثم أتيت فقلت : يارسول الله ، علِّمنى من هذا الكلام - أو من هذا القرآن - فمسح رأسى وقال : "إِنَّكَ غُلامٌ مُعَلَّمٌ" .. يقول بنُ مَسْعود (رضى الله عنه) : فلقد أَخذْتُ منه ﷺ سَبْعين سُورة ما نَازَعَنى فيها بَشَرٌ ..
- كان (رضى الله عنه) حسن الصوت بالقرآن ، وكان عالمًا به وبِتَفسيره ، فعن مسروق قال : قال عَبْد الله (رضى الله عنه) : "والله الذى لا إله غيره ما أُنزلت سورةٌ من كتاب الله إِلا أَنا أعْلمُ أَين أُنزلت ، ولا أُنزِلت آيةٌ من كتاب الله إلَّا أنا أَعْلم فيم أُنزِلت ، ولو أعلم أحدًا أعلم منِّىِ بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه" . قال عَبْدُ الله بنُ مَسْعود (رضى الله عنه) : قال لى النبى ﷺ : إقرأ علىَّ ، قلت : أقرأُ عليك وعليك أُنزل ؟ قال صلى الله عليه وسلم : "إنى أُحب أَنْ أَسْمعه من غَيْرى" ، فقرأت عليه سورة النِّسَاء حتى بلغت : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) ﴾ النساء .. قال : "أمسك" ، فإذا عيناه تذرفان .
- وفى يوم من الأيام اجتمع أصحاب النبى ﷺ فقالوا : والله ما سمعت قريش هذا القرآن يُجهر لها به قط ، فمن رجل يُسمعهم ؟ فقال عبد الله بن مسعود : أنا .. فقالوا : إنا نخشاهم عليك ، إنَّما نريد رجلا له عشيرة تمنعه من القوم إن أرادوه ، فقال : دَعُونى ، فإن الله سيمنعُنى .. فغدا حتى أتى مقام سيدنا إبراهيم فى الضُّحى ، وقريش فى أنديتها حول البيت ، وافتتح قراءته بسورة الرحمن وأخذ يتلوا رافعًا صوته : ﴿ الرَّحْمَٰنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾ الرحمن . فوجىء صناديد قريش بذلك النحيف الضامر الجسم الضعيف الذى كان غُلامًا لعقبة بن أبى معيط أحد كبرائهم ، فقالوا إنه ابن أم عبد يجهر بما أُنزل على مُحَمَّد فقاموا إليه جميعًا وأخذوا يضربونه وهو مستمر فى قراءته ، وأوسعوه ضربًا حتى سالت الدماء من رأسه ، ثم حمله زيد إلى أصحاب النبى ﷺ والدماء تسيل منه ، فقالوا له ذلك ما كنا نخشاه عليك من قريش ، فقال ابن أم عبد : والله ما كان هؤلاء الناس أعْداءُ الله أهونَ علىَّ مما كانوا عليه اليوم ، ولو شئتم لاغاديتهم بمثلها غدا ؟ فقالوا حسبك يا ابن مَسْعُود لقد أسمعتهم ما يكرهون .
- تمضى الأيام ويُوفده عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) إلى الكوفة مع عمار بن ياسر .. وكتب إلى أهلها : إنى قد بعثت عمار بن ياسر أميرًا ، وعَبْد الله بن مَسْعود مُعلمًا ووزيرا ، وهما من النجباء من أصحاب النبى ﷺ من أهل (بدر) فاقتدوا بهما ، واسمعوا قولهما .. وقد آثرتكم بعَبد الله بن مَسْعود على نفسى .
- يمرض عَبْد الله بن مَسْعود ويدخل عليه عُثمان بن عفان يعوده ، ويقول له : ما تشتكى ؟ .. قال : ذنوبى .. قال عُثمان : فما تشتهى ؟ .. قال : رحمة ربى .. قال عُثمان : ألا آمر لك بطبيب ؟ .. قال : الطبيب أمرضنى .. قال عُثمان : ألا آمر لك بعطاء ؟ .. قال : لا حاجة لى فيه .. قال : يكون لبناتك .. قال : أتخشى على بناتى الفقر ؟ .. إنى أَمَرْتُ بناتى أنْ يَقْرأْن كُلَّ ليلة سورة الواقعة فقد سَمعْتُ رسول الله ﷺ يقول : "مَنْ قرأ سُورةَ الواقعة كُلَّ لَيْلَة لَمْ تُصبه فاقة أبدًا" .
- عَبْد الله بن مَسْعود الصحابى الجليل يبلغ من العمر بضعة وستين عامًا ، وتقترب نهايته ، ويدخل عليه رجل من أصحابه ، ويقول له : يا ابن مسعود والله لقد رأيتك بالأمس ورأيت رسول الله ﷺ على منبر مرتفع وأنت فى مكان أسفل منه ، والنبى ﷺ يقول لك هلم يا ابن مسعود فقد جُفِيتَ بَعْدى ، فيقول ابن مَسْعود : آلله لأنت رأيت هذا ؟ .. قال : نعم .. قال : عَزمتُ عليك أَنْ لا تَخرُجَ منَ المَدينة حتَّى تُصَلى علىَّ .
- يَموت الصحابى الجليل عَبْد الله بن مَسْعود (رضى الله عنه) ويُدفن ليلاً فى البقيع تنفيذًا لوصيته ويصلى عليه الزبير بن العوام وتطوى صفحة من صفحات صحابى جليل وقبس من اقتباس النبوة .. وعندما علم أبو الدرداء (رضى الله عنه) بموته قال : ما ترك بعده مثله .. وصدق رسول الله ﷺ حين قال فى شأنه : إنَّ قَدم عَبْد الله أَثْقل فى الميزان يَوم القيامة مِنْ جبل أُحد .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛