رجال حول الرسول | عاصم بن ثابت (حَمـِـىُّ الدَّبْــــرِ)
عَاصِــــمُ بْـنُ ثَــــابِت (رضى الله عنه)
حمـــىُّ الدَّبــْــــرِ
فمن هو ؟- عَاصِمُ بنُ ثَابِت بن أبى الأقلح ، وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه ، وهو من السابقين الأولين من الأنصار ، إنه من شباب الأوس الذين كانوا أسرع الناس فى الدخول فى الإسلام ، كريم الأصل من بنى عمرو بن ثابت الأنصارى .
- حرص عَاصمُ بنُ ثابت على تلقى القرآن من مُصعب بن عمير ، وحرص على الإقتداء بهدى عمَّار بن ياسر الذى بنى مسجد قباء لتتم فيه أول صلاة جمعة فى الإسلام ، وهو الصحابى الجليل الذى لا يعرف أحد قبره .
- تصل الأنباء إلى رسول الله ﷺ عن وصول قافلة كبيرة من الشام فى طريقها إلى مكة تحمل تجارة قريش بقيادة أبى سفيان بن حرب .. ويجدها الرسول ﷺ فرصة للمهاجرين للحصول على ما يُعوضهم عن أموالهم التى تركوها بمكة ، واستولى عليها كفار قريش .. ويخرج النبى ﷺ فى ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من المهاجرين والأنصار ، لا يحملون إلا السيوف ، وما كان معهم من الفرسان إلا اثنين هما : الزبير بن العوام ، والمقداد بن عمرو ، وكانوا لا يتوقعون حربًا ولا قتالاً .. ويصل خبر خروج النبى ﷺ وأصحابه إلى أبى سفيان ، فَيُغير مسار القافلة ويسير بهم عن طريق ساحل البحر مبتعدًا عن الطريق المعتاد ناجيًا بقافلته ، ويرسل إلى أهل مكة يستنجد بهم قبل أن تقع قافلتهم وأموالهم فى أيدى المسلمين ..
- تخرج قريش عن بكرة أبيها بسلاحها ، وعتادها ، ويختال صناديد قريش بسيوفهم ، وخيلهم ، ورماحهم .. وقد استهانوا بالمسلمين لقلة عددهم ، وعتادهم .. ويشاء الله تبارك وتعالى أن يُحق الحق ويُبطل الباطل ويَقطع دابر الكافرين .. ويلتقى الفريقان عند ماء ( بدر) فى الطريق بين مكة والمدينة .. وتدور المعركة .. ويُنزل الله ملائكته يُثبِّتُون المؤمنين ويُلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب ويتساقط المشركون إلى مصارعهم كسقوط أوراق الشجر : فيُقتل منهم سبعون ، ويُؤسر سبعون آخرون .. وكان من بين القتلى زعماء الكفر والشرك : عُتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وأبو جهل ، وأُمية بن خلف الذين كانوا يُسيمون المسلمين سوء العذاب بمكة .
- وكان مقتل عقبة بن أبى معيط أحد صناديد الكفر والضلال على يد عَاصِم بن ثابت .. ذلك الشاب من شباب الأنصار الذى لم يكن معه سوى سيفه ، وإيمانه بـ الله عزَّ وجلَّ ، ورسوله ﷺ ، وفى أثناء المعركة يَهجم على عَاصِم بن ثابت أخوان من مكة هما : مسافح بن طلحة ، وأخوه كلاب بن طلحة ، كُلِّ يريد أن يمزقه بسيفه .. ويصول ويجول عَاصِم بن ثابت متحصنًا بعقيدته وثقته بـ الله فيضرب مسافحًا بسيفه ضربة تلقيه صريعًا .. ويتحول إلى أخيه كلاب فيضربه بسيفه ضربةً يتركه بين الحياة والموت ..
- تنتهى المعركة بنصر الله للمسلمين وإعلاء كلمته سبحانه وتعالى .. وتأتى أم مسافح وكلاب تبحث عن ولديها بين القتلى فتدرك كلابًا وهو يلفظ أنفاسه .. فتسأله : من فعل بك هذا ؟!.. فيقول : سمعت رجلا حين ضربنى بسيفه يقول : خُذْها وأنا ابنُ الأَقْلَحِ .. ولا يهدأ للمرأة بال حتى تعلم من هو ابن الأقلح ، فإذا به عَاصِم بن ثابت زينة شباب الأنصار ، فقدمت القرابين لأصنامها ورصدت مكافأة كبرى لمن يأتيها برأسه ونذرت أن تشرب فيه الخمر وتشفى غليلها .
- تمضى الأيام ، ويبعث النبى ﷺ سرية من عشرة أفراد ، ليتتبعوا أخبار قريش ، ويُؤمَّر عليهم عَاصِم بن ثابت .. وتمضى السرية فى طريقها يتسمعون الأخبار، ويتتبعون الآثار حتى وصلوا إلى مكان بين عسفان ومكة ، فأحس بهم بنو لحيان .. فتتبعوهم فى مائة رجل من أمهر الرماة ، حتى لحقوهم وحاصروهم فى جبل من الجبال ، ونادوا عليهم قائلين : لَكُم العَهْد والميثاق إنْ نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلا واحدا . قال عاصم (رضى الله عنه) : أَمَّا أنَا فلا أَنْزلُ فى جِوار مُشْرك (أى أمانه) فلقد عَاهدْتُ الله مُنذ أَسْلمتُ ألاَّ أَمسَّ مُشركًا ولا يَمسَّنى مُشْركٌ .. اللَّهُمَّ فَأخْبر عنَّا نَبيَّك .. وبدأ القتال بينهم ، وأخذ الرماة يرمون أفراد السرية متحرين أميرهم عَاصِم بن ثابت الذى حرضهم على الثبات .. فقتلوه فى سبعة من إخوانه .. ولم يبق إلا ثلاثة : خُبيْب ابن عَدى ، وزيد بن الدَّثِنَة ، وعبد الله بن طارق ، فأوثقوهم ، وأخذوهم ليبيعوهم بمكة فقاومهم عبد الله بن طارق فقتلوه .
- أرسل أهل مكة جماعة لتأتيهم بجثث القتلى وآن الأوان لهذه المرأة التى قُتِلَ ولداها يوم (بدر) أن تفى بنذرها ، وحين ذهب هؤلاء النفر للبحث عن جسد عاصم بن ثابت .. فُوجئ هؤلاء بسرب عظيم من الدَّبْرِ (ذكور النحل) يُظلل جسد عَاصِم ، ويحيط به من كل جانب فلا يستطيع أحد أن يقترب منه .. فلما عجزوا عن ذلك قرروا الإنتظار إلى الليل حيث ينصرف الدَّبْر ويتمكنوا منه .. فبعث الله مطرًا شديدًا سال منه الوادى وحمل هذا الجثمان الطاهر معه حيث لا يقدر عليه أحد ، ولا يعلم مكانه أحد ..
- أطلق الصحابة منذ ذلك اليوم على هذا الشاب الأنصارى لقب ( حَمِّى الدَّبْر) فقد حماه الله سبحانه وتعالى بالدَّبْر من كيد الأعداء ، ولم يُمَكِّن المشركين من لمسه حيًا أو ميتًا ، وحمله السيل حيث ينعم بأمن الله وأمانه ويحظى برحمته ورضوانه .. فقد وفى بعهده مع الله ، فوفى الله عهده معه .. ومن أوفى بعهده من الله .. وصَدَقَ سبحانه وتعالى حيث قال : ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) ﴾ الأحزاب .
- لقد استجاب الله عزَّ وجلَّ لدعوة هذا الصحابى الجليل : اللهم فَأَخْبِر عَنَّا نَبيَّك ﷺ.. وينزل جبريل (عليه السلام) يُخبرالنبى ﷺ بما حدث فحزن حزنًا شديدًا .. وقَنَتَ شهرًا يدعوا على بنى لحيان .. مما يدل على مدى منزلة عَاصِم بن ثابت (رضى الله عنه) عند رسول الله ﷺ ، ومدى الجُرْم الذى ارتكبه بنو لحيان ، هؤلاء القوم الذين أعماهم الطمع فى المال عن رؤية الحق ، وقتلوا رجالا لم يبدأوهم بالقتال ، ولم يكن بينهم عداوة أو ثأر سابق .
- رحم الله ذلك الصحابى الأنصارى الذى عاهد الله أن لا يَمسَّ مشركا ولا يمسهُ مشرك فَوفَّى الله عهده إنه عَاصِم بنُ ثابت (رضى الله عنه وأرضاه) .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛