رجال حول الرسول | مصعب بن عمير (حــَاملُ اللِّــواء)
مُصـْـــعَبُ بْـنُ عُمَـــــيْرٍ (رضى الله عنه)
حـــَـاملُ اللِّـــــوَاء
فمن هو ؟- هو مُصْعَب بْنُ عُمَيْر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى بن كلاب القرشى نشأ فى مكة شابًا جميلا مترفًا ، كان أكثر شباب قريش رقة ووداعة وثراء ، وكان يرتدى أحسن الثياب ، وأنعمها ، وأغلاها ، وكان يمشى مختالا فى طرقات مكة ، وكان يمر على القوم فيَشمُّوا ريحه فى أزقة المدينة ! فجأة تنقلب حياته ويرض بشظف العيش ، ويلبس الجلد الخشن من الثياب .
- إنه الإسلام ذلك الدين الذى حول قلب هذا الشاب اليافع مما كان عليه إلى شظف العيش ، ولم يحمل للإسلام أى كراهية منذ صغره ، بل سعى إليه فى يسر ، واستمع إلى الرسول ﷺ فى دار الأرقم بن الأرقم ، وأعلن إسلامه .
- مُصْعَب بْنُ عُميْر هو أول مُعلم فى الإسلام ، وهو أول سفير فى الإسلام ، أسلم على يديه أُسيد بن حُضير ، وسعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة سيدا الأوس والخزرج ، وهو الذى أرسله رسول الله ﷺ فى اثنى عشر رجلا فعاد إليه بعد عام ومعه سبعون رجلا ، وهو أول من صلى الجمعة وجمع الناس عليها فى المدينة ولم تجمع من قبل جمعة .هاجر الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة ، أسلم وعمره أربع وعشرون عامًا ، وقُتل وسنه أربعون عامًا ، وبحكمته وبركته لم يبق بيتا فى المدينة إلا وفيه ذكر من الإيمان .. أخفى إسلامه عن أبويه ، وكان يتردد على رسول الله ﷺ سرًا .. يسمع عنه ، ويحفظ ..
- فى يوم من الأيام ، يُبصر به عثمان بن طلحة - أحد رجال قريش وهو يدخل دار الأرقم بن الأرقم ، فيسرع إلى أبويه يُخبرهما الخبر .. وتثور ثائرة الأب والأم فيحبسانه ، ويوثقانه ، ويمنعان عنه الطعام ، ويجتمع عليه قومه يحاولون إثناءه عن إسلامه : تارة بالترغيب ، وتارة بالترهيب .. ويصمد الفتى ، ويثبت على إسلامه ، غير مبال بالتعذيب والحِرمان ، حتى تتاح له فرصة الهرب ، فيهرب مهاجرًا إلى الحبشة مع المهاجرين الأولين ..
- يَعود مصعب (رضى الله عنه) من الحبشة مع من هاجر إليها حين وصلتهم إشاعة إسلام أهل مكة ، ولكن يفاجأ الجميع بعدم صحة الخبر ، ويشتد إيذاء أهل مكة للمسلمين ، ويلقى مُصْعَب بنُ عُميْر النصيب الأكبر من التعذيب ، والإيذاء ، والحرمان فيقول سعد بن أبى وقاص (رضى الله عنه) : كنا قومًا يُصيبنا ظلف العيش بمكة مع رسول الله ﷺ فلما أصابنا البلاء اعترفنا ومررنا عليه فصبرنا ، وكان مُصْعَب بن عُميْر أنعم غلام بمكة ، وأجوده حلة مع أبويه ثم لقد رأيته جُهِد فى الإسلام جهدًا شديدًا ، حتى لقد رأيت جلده يتحشف كما يتحشف جلد الحية ..
- كان (رضى الله عنه) يلبس ثيابًا مرقعًا ويراه الناس فيشفقون عليه ومن أجله يبكون ، ولما دخل على رسول الله ﷺ بذلك الثوب المُرقَّع وقد تحشف جلده بكى رسول الله ﷺ وقال : ما رأيتُ بمكة أَحْسن لمَّة ولا أَنْعم نعمة منه ، باع كل ذلك فى سبيل الله .
- بعد أنْ تمت بيعة العقبة الأولى وشهدها اثنا عشر رجلا من رجالات المدينة ، بعث رسول الله ﷺ معهم مُصْعب بنُ عُميْر يُعلِّمهم ، ويُقرئهم القرآن ويفقهم فى الدين .. وينزل مُصْعب بنُ عُميْر فى ضيافة أَسعد بن زرارة ، ويمشى فى طرقات المدينة : يقرأ القرآن على الناس ، ويدعوهم إلى عبادة الله الواحد الأحد .. وينتشر الخبر ، ويصل إلى سادات المدينة وزعمائها ، فيسرع أُسيدُ بن حُضير مغضبًا إلى بيت أسعد بن زرارة ومعه حربته ، فإذا مُصعب بن عُميْر يجلس وحوله الناس يقرأ عليهم القرآن ، فيقول له أُسيد : ما لكُمْ وما لنا : جئتم إلى حَيِّنا ، تُسفِّهُون مُعتقداتنا ، وتَصرفُون الناس عن آلهتنا .. اذهبوا عنَّا إنْ كنتم لا تُريدون أَنْ تفقدوا حياتكم .
- يخاف الجالسون حول مُصْعب بنُ عُميْر ، ويهمون بالإنصراف عنه ، ولكن مُصْعبًا بحكمته ، وهدوئه ، ووثوق إيمانه يقول لأُسيد بن حُضير : أَو تَجلس ، فَتسْمع : فإن رضيت أمْرًا ، قَبلتهُ ، وإن كَرهْتَه ، كُفَّ عنك مَا تَكْره .. فقال أُسيد بن حُضير : أَنْصَفْتَ .. ووضع حربته ، وجلس يسمع من مُصعب الذى أخذ يشرح عقيدة الإسلام ، ويقرأ القرآن بصوته الرخيم .. ولا يملك أُسَيْد بن حُضَيْر إلا أن ينطق بكلمة التوحيد .. فيكبر الحاضرون ، ويتكرر الأمر مع سعد بن معاذ الذى يسارع بإعلان إسلامه ويسلم قومه بإسلامه ، ثم يسلم سعد بن عبادة ويسلم قومه بإسلامه ، وهكذا يتسابق الأوس والخزرج فى الدخول فى هذا الدين الجديد . هكذا مهد مُصْعب بنُ عُميْر بحكمته وهديه أهل المدينة وجبالها ووديانها لإستقبال النبى ﷺ ، ويترقب الجميع وصول النبى ﷺ حتى إذا وصل ركب الرسول ﷺ خرجت إليه المدينة بكلها وكليلها والجميع يهتف :
طَلــعَ البـــَـــدْرُ عَلَيْنـــــا مِنْ ثَنِيـَّـات الـــــوَدَاع
وَجبَ الشُّكْـــرُ عَلَيْنــــــا ما دَعــَــا للَّـــــــه دَاع
أَيُّهـَـا المبعُــوثُ فِينـــَــــا جِئْتَ بالأَمْرِ المُطـَــاع
جـِـئْتَ شرَّفْتَ المدِينـَــــة مَرْحَبًا يَا خَيــــــرَ دَاع
مصعب بن عمير حامل اللواء
- وتأتى غزوة (بدر) فى السنة الثانية من الهجرة .. وكما اصطفى النبى ﷺ مُصعبًا ليكون أول سفير للإسلام بالمدينة ، إصطفاه أيضاً ليكون حامل لوائه فى هذه الغزوة التى تحقق فيها النصر المبين . تعود قريش من غزوة (بدر) وقد صممت أن تأخذ بثأر قتلاها ، ويلتقى الفريقان فى غزوة (أُحد) ، ويقاتل مُصعب بنُ عُمير حامل اللواء بشجاعة وينتصر المسلمون فى بادئ الأمر لولا عصيان الرُّماة الذين تركوا مواقعهم لجمع الغنائم ظنًا منهم بإنتهاء القتال ، وتدور الدائرة على المسلمين ، وينكشف الناس عن رسول الله ﷺ ، وتسرى إشاعة مقتل النبى ﷺ بين صفوف المسلمين مما زاد الكرب والهلع فى النفوس .
- فى هذه الأثناء يثبت حول الرسول ﷺ قليل من السابقين ، وكان من بينهم ذلك الشاب مُصْعب بنُ عُميْر الذى أخذ يصول ويجول بسيفه حتى يلفت أنظار المشركين إليه ولا يلتفتوا إلى رسول الله ﷺ الذى انكشف الناس حوله ، فكان يقاتل بيد ويرفع اللواء باليد الأخرى ، فيأتيه ابن قمئة الليثى فيضربه بسيفه على يده التى تحمل اللواء فيقطعها ، فيتلقف مُصعب بن عُميْر اللواء بيده الأخرى قبل أن يسقط على الأرض وهو يقول : ومَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُول قَدْ خَلتْ مِنْ قَبِله الرُّسُلُ .. ولم تكن الآية قد نزلت بعد .. ويلاحقه ابن قمئة الليثى فيضرب يده الأخرى فيقطعها ، فيتلقف مُصْعب الراية بعضديه ، ثم يغرسها فى الأرض .. ويتلقى الضربة الأخيرة فى صدره فينكفئ على وجهه ، وتخضب دماؤه الشريفة رمال (أُحد) .
- تنتهى المعركة ، ويتفقد الرسول ﷺ القتلى من أصحابه ، ويقف على مُصعب بنُ عُميْر وهو مُنكفئ على وجهه ويتلوا قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) ﴾ الأحزاب .. وقال : إنَّ رسول الله يَشهدُ عليكم أنَّكم شُهداء عند الله يوم القيامة .. ثم أقبل على الناس فقال : " أَيها الناس ، إئْتُوهم فَزُورُوهُمْ ، وسَلِّمُوا عليهم ، فوالذى نَفسى بِيَدهِ ، لا يُسَلِّم عليهم أَحدٌ إلى يَومِ القِيَامةِ إلا ردُّوا عَليْه السَّلام " .
- تمضى الأيام ويحكى خباب بن الأرت ( رضى الله عنه ) فيقول : هاجرنا مع رسول الله ﷺ نبتغى وجه الله عزَّ وجلَّ فوقع أجرنا على الله ، فَمنَّا من مَات لم يَأكل من أجره شيئا ، ومِنَّا من أَينعت له ثمرته فهو يَهْدبُها ، وإنَّ مُصْعب بنُ عُميْر مات ولم يَتْرك إلا ثوبًا كانوا إذا غَطُّوا رأْسه خَرجَت رِجْلاه ، وإذا غَطُّوا رجْليه خَرج رَأْسُهُ .. فقال رسول الله ﷺ : "غَطُّوا رَأسَهُ ، واجْعَلُوا على رِجْلَيهِ الإذْخرَ" .
- هذا هو مُصْعب بنُ عُميْر من الذين قال فيهم ربنا عزَّ وجلَّ : ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) ﴾ آل عمران .
- السلام عليك يا سيدى يا مُصْعب بنُ عُميْر يا قارئ القرآن يا حامل لواء رسول الله ﷺ ، يا شهيد أُحد ، يا أعظم شُهداء الإسلام ، يا سفير رسول الله ﷺ (رضى الله عنه وأرضاه) .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛