رجال حول الرسول | عمَّـارُ بنُ ياسِـر (الطَّـيبُ المُطـيَّبُ)
عَمَّـــــارُ بْـنُ يَاسِـــــرٍ (رضى الله عنه)
الطـَّـيبُ المطــيَّبُ
فمن هو ؟- عَمَّار بنُ يَاسر بن عامر بن مالك بن كنانة ، واحد من أوائل الذين أظهروا الإسلام بمكة ، وأول من بنى مسجدًا لله ، وأول من عُذب فى الله هو ووالداه ، عَمَّار بنُ يَاسر هو من أهل بيعة الرضوان الذين رضى الله عنهم .
- عَمَّار بنُ يَاسر الذى حمل السيف واستشهد وكان عمره ثلاث وتسعون عاما ، قال فيه رسول الله ﷺ : ما عُرض عليه أمران إلا واختار أيسرهما ، أمُّه سُمَيَّة أول شهيدة فى الإسلام . كان (رضى الله عنه) شابًا يافعًا أسلم هو وصُهَيْب فى يوم واحد فقد تقابلا عند دار الأرقم بن الأرقم فدخلا سويًّا ، وأسلما سويًّا .
- دخل عَمَّار بنُ يَاسر على رسول الله ﷺ فى دار الأرقم ، وهو يبكى بكاء مرًا ، تكاد تخنقه عبراته ، فسأله النبى ﷺ : "ما وراءك ؟" قال : شر يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك ، وذكرت آلهتهم بخير .. قال : "كيف تَجد قَلبَكَ ؟" قال : مُطمئنًا بالإيمان .. قال : "فإن عادوا لك ، فَعُد لهم" فكانت رخصة لمن لا يقوى على العذاب ، ونزل قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ﴾ النحل .
- حين أبلغت هذه الرخصة لسُمَيَّة أُم عَمَّار (رضى الله عنها) قالت : والله ما أنطق بكلمة الكفر أبدًا بعد أن نجانى الله منه .. واستمرت فى تحمل العذاب حتى فقد المعذبون لها صبرهم فطعنها أحدهم بالحربة فى فرجها فقتلها ، فأصبحت أول شهيدة فى الإسلام . فقد تولى بنو المغيرة بن مخزوم عذاب عَمَّار بن ياسر ، وأبيه وأمه عذابًا لا طاقة لبشر على احتماله ليردوهم عن الإسلام ، ولم يكن رسول الله ﷺ يملك لهم شيئا إلا أن يقول : "صبرًا آل ياسر ، فإنَّ مَوْعِدَكم الجَنة" .
- يتمكن عَمَّار بنُ يَاسر من الهجرة إلى المدينة ، ويلحق بمصعب بن عمير .. ويتولى بناء مسجد قباء فى حى بنى عمرو ابن عوف استعدادًا لمقدم رسول الله ﷺ .. وقد صُلِّيتْ فى هذا المسجد أول جمعة فى الإسلام .. ذلك المسجد الذى قال النبى ﷺ فى شأنه : "منْ تَوضَّأ فى بيته فأحسن الوضوء ، ثُمَّ أتى مَسْجد قِبَاء فصلى فيه رَكعتين كانت له كَجزاء عُمرة" ، وقيل هو المقصود بقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ .. لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) ﴾ التوبة .
- لقد شهد المشاهد كلها مع النبى ﷺ .. حتى جاءت غزوة (الخندق) فكان يعمل فى حفر الخندق بجد وعزيمة .. ويغطى التراب لحيته ، فيراه الرسول ﷺ فينفض التراب عن لحيته بيده الشريفة ويقول له : "أَبْشِر يا عَمَّار .. تَقتُلُك الفئة الباغية" . يحفظ الأصحاب هذه البشرى ، ولكن لا يعلمون متى تتحقق ، ويشهد عمَّار بنُ يَاسر جميع الغزوات مع رسول الله ﷺ ولا يتخلف عن غزوة واحدة ، ويشهد معه بيعة الرضوان ويصير مثلا وقدوة للأمة بقول النبى ﷺ عنه : "واهتدوا بِهَدى عَمَّار" ذلك الهدى الذى تشير عائشة أم المؤمنين (رضى الله عنها) إلى بعض علاماته وأماراته بروايتها لحديث النبى ﷺ : "مَا خُيَّر عَمَّار بين أَمْرين إلا اختار أَرْشدهما" .
- قال رسول الله ﷺ فى شأنه : "منْ عَادى عمارًا عاداه الله ، ومن أَبْغض عمارًا أَبْغضه الله" ، فكان الأصحاب يحرصون على رضا عَمَّار بنُ يَاسر بعد علمهم بهذا الذى قاله النبى ﷺ فى شأنه .. وكان إذا استأذن فى الدخول على النبى ﷺ قال : " ائذنوا له : مرحبًا بالطيب المُطيَّب " .
- ينتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الاعلى ، وعَمَّار بنُ يَاسر حافظ للعهد ، طائع لأبى بكر الصديق ، مُنَفِّذ لأوامره .. يخرج (رضى الله عنه) لقتال مُسيلمة الكذَّاب الذى إدعى النبوة .. ويشتد القتال .. فقد كان الكثيرون يحيطون بِمُسيلمة ، حتى كاد بعض المسلمين أن يفر من ساحة المعركة ، فينادى فيهم عَمَّار بنُ يَاسر : يا معشر المسلمين .. أَمِنَ الجنَّة تَفرون ؟ أنا عَمَّار بنُ يَاسر .. هلم إلىَّ .. ويصول ، ويجول بسيفه ، وتأتيه ضربة تقطع أُذنه ، وتبقى معلقة فى وجهه بجلدة رقيقة ، وهو لا يبالى بذلك .. وظل يُقاتل حتى كتب الله النصر للمسلمين ، وقُتِل مُسيلمة الكذَّاب شر قتلة .. وتفرق من بقى من جيشة .. كل يريد أن ينجو بنفسه . عَمَّار بنُ يَاسر ذلك البطل الشجاع ظل يجاهد فى كل ميادين الجهاد ، فى خلافة عمر بن الخطاب ، ثم خلافة عثمان بن عفان ، ثم خلافة على بن أبى طالب ، كان فارس بالنهار ، راهب بالليل .. رغم أنَّه قد بلغ من العمر ثلاثة وتسعين عامًا .
- وعندما حدث الخلاف بين على بن أبى طالب ، ومعاوية بن أبى سفيان ، انضم عَمَّار بنُ يَاسر لجيش على بن أبى طالب .. ويشهد معه وقعة (الجمل) ثم يشهد معه وقعة (صفين) .. ويتوقف فريق من الصحابة ، ولا ينضمون إلى علىِّ ولا إلى معاوية ، معتزلين لهذه الفتنة الكبرى . أمَّا خُزيمة بن ثابت الأنصارى ذلك الصحابى الذى شهد له الرسول ﷺ بأن شهادته بشهادة رجلين بقوله : "منْ شهد له خُزَيْمَة فَهُو حَسْبُه " كان من الذين اعتزلوا الفتنة الكبرى ، حمل سيفه ، ولم يشارك فى المعركة ، وظل يراقب سير المعركة .. وحين سُئل لماذا لا ينحاز إلى أحد الفريقين ، قال : إنى أنتظر حتى يُقْتل عَمَّار بنُ ياسر .. فأَنظر منْ يَقتله .. لأنى سمعت رسول الله ﷺ يقول : " ويح ابن سُمية !! تَقْتله الفئة البَاغية " .. حينئذ سوف أنضم للفريق الآخر .
- يصول عَمَّار بنُ يَاسر ذو الثلاث والتسعين عامًا بسيفه وهو مستبشرًا : اليَوم ألقى الأَحبة .. مُحمدًا وحِزْبه ، ويستريح قليلاً من عناء المعركة ويطلب شراب يشربه فيأتون بإناء فيه لبن .. وحينما يراه يتهلل وجهه فرحًا ويقول : لقد قال لى رسول الله ﷺ : "يا عَمَّار ، آخر شَربة تشربها من الدنيا .. شربة لبن" .. ثم يُوصى من حوله قائلاً : ادفنونى فى ثيابى فإنى مُخَاصِمٌ .. ويأخذ سيفه ، ويندفع إلى ساحة المعركة ، ويسقط شهيدًا ، ويرقى عَمَّار طاهرًا مُطهرًا طيبًا مُطيبًا ، ويلحق بأمه شهيدة الإسلام ، ويلحق بأبيه ، ويلحق برسول الله ﷺ ويلحق بالرفيق الأعلى فى مقعد صدق عند مليك مقتدر . حينئذ ينضم خُزيمة بن ثابت الأنصارى (رضى الله عنه) إلى جيش على بن أبى طالب (رضى الله عنه) وهو يقول : الآن قد تبين الحق من الباطل .. الآن عرفت من هى الفئة الباغية !!
- ويفاجأ معاوية بن أبى سفيان وعمرو بن العاص برجلين يدخلان عليهما يبشرانهما بقتل عَمَّار بنُ ياسر ، وكل منهما يدعى قَتْلَهُ ، ويختصمان فيه .. فينفجر عمرو بن العاص باكيًا وهو يقول : والله ، إن يختصمان إلا فى النَّار ، يختصمان على ماذا ؟ على قتل عَمَّار !! والله ، لو ددت أنى مِتُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة !!!
- اللهم يا أكرم مسئول ويا خير مأمول ، إرفع درجة عَمَّار بن ياسر فى المهديين من عبادك الصالحين وألحقه بالسابقين من أصحاب النبى ﷺ وأنزله منازل الأبرار والصديقين والشهداء والصالحين قدوة الشباب وقدوة الرجال وقدوة الشيوخ .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
المرجع / فى رحاب الأصحاب
للداعية الإسلامى / ياسين رشدى