رجال حول الرسول | حذيفة بن اليمان (صَاحبُ السِّـــرِّ)
حُذَيْفَـــةُ بْنُ اليَـمَـــانِ (رضى الله عنه)
صــَــاحبُ السِّــــــرِّ
فمن هو ؟- هو أبو عبد الله حُذيْفة بن حُسَيْل اليَمان من بنى عبس ، صاحب سر رسول الله ﷺ ، يكنى أبا عبد الله ، من نُجباء أصحاب النبى ﷺ ، وهو واحد من رهبان الليل وفرسان النهار ، وكانت له موهبة فى قراءة الوجوه والسرائر ، فعاش مفتوح البصر والبصيرة على مآتى الفتن ، ومسالك الشرور ليتقيها .
- دخل على رسول الله ﷺ فى المسجد مع أبيه حسيل بن جابر ، وأخيه صفوان يبايعونه ، ويعلنون إسلامهم ، وخَيَّر النبى ﷺ حُذيْفة بين الهجرة فيكون من المهاجرين ، وبين النُّصرة فيصبح من الأنصار ، فاختار النُّصرة ، فكان الوحيد من أصحاب النبى ﷺ الذى خُيِّر فى ذلك وأصبح حُذَيْفة بنُ اليَمان من الأنصار .
- هو الصحابى الجليل الذى قَتل المسلمون أباه خطأ فى غزوة (أحد) ، وعلم الرسول ﷺ بالخبر فعرض النبى ﷺ الدِّية عن والد حذيفة فرفضها وتَصدق بها على المسلمين ، فازداد الرسول ﷺ له حبًا وتقديرا .
- وفى غزوة (الخندق) عندما زلزل المسلمون زلزالا شديدًا ، وبلغت القلوب الحناجر ، وظنوا بالله الظُنونا ، وفى هذا الرعب والجزع ، ينتدب رسول الله ﷺ حُذيْفة بنُ اليَمان ليجتاز الخندق ويندس بين المشركين والأحزاب ، يتعسس أخبارهم لرسول الله ﷺ، ويذهب وحده وهو فى وسط المشركين ، وإذا بأبى سفيان ينادى فى القوم : أيها الناس ليَنْظر كُل منكم جليسه ويضع يده فى يده ويسأله عن اسمه .
- يقول حُذيْفة بن اليَمان فبادرت جليسى فمددت يدى إليه وقلت : منْ الرَّجل ؟ فذكر اسمه فقلت : ممن الرجل ؟ فذكر لى قبيلته وبذا نجوت ، ثم سمعت أبا سفيان يقول : أيها الناس لا مُقام لنا ، فقد جاءت الريح كما ترون فلا تستقيم لنا قدور ولا تُوقد لنا نار وإنى مُرتحل فمن شاء فليرتحل ، فيقول حذيفة : والله لولا عهد رسول الله ﷺ بألاَّ أُحدث شيئا لرميت أبا سفيان بسهم .
- كان (رضى الله عنه) حريصًا على معرفة الشر حتى يتجنَّبه ، فيقول فى ذلك : كان النَّاسُ يَسْألون رسول الله ﷺ عن الخير ، وكُنت أَسأله عن الشَّرِّ ، مَخافَةَ أن يُدركنى ، فقلت : يا رسول الله قد كنَّا فى جاهلية وشر ، فأتانا الله بهذا الخَيْر ، فهل بعد هذا الخير من شرٍ ؟! قال : نعم .. فقلت : يا رسول الله وهل بعد ذلك الشَّر من خَير ؟! قال : " نعم وفيه دَخَنٌ " أو قال : " وفيه دَخَلٌ " .. فقلت : يارسول الله وما دَخلُهُ ؟!.. قال : " أقوامًا يَسْتنُّون بغير سُنَّتى ، ويَهتَدُون بِغيْر هَدْى ، تعرفُ مِنْهُمْ وتُنْكرُ " فقلت : يا رسول الله وهل بعد ذلك الخير الذى فيه دَخلٌ من شرِّ ؟!.. قال : " نعم .. دُعَاةٌ على أَبْواب جَهنَّم ، منْ أجَابهُم إليها قَذفُوهُ فِيها " قلت : يَا رسُولَ الله ، صِفْهُم لنا .. قال : " هُمْ أُناسٌ من جِلْدتِنا ، يَتكلَّمُون بأَلْسِنتنا " فقلت : وماذا تَأْمُرُنى إنْ أدْرَكَنى ذلك الزَّمان ؟ .. قال : " عَليْك أنْ تَلْزم جَماعة المُسلمين ، وإِمامَهُمْ " فقلت : وإذا لمْ يَكُنْ للمُسلمين جَماعةٌ ، ولا إِمامٌ ؟! قال : " إذاً فَعَليك أن تَعتزل كل تِلك الفِرَقِ ، ولوأنْ تَعضَّ على أَصل شجرةٍ حتى يُدْركك الموت ، وأنت على ذلك " .
- وكان من شدة حرصه على معرفة الشر أن أَطْلعه رسول الله ﷺ على أسماء المنافقين ، فكان الوحيد من الصحابة الذى يعرفهم بأسمائهم ، وأنسابهم ، ولذلك سُمى بصاحب سر رسول الله ﷺ ، وكان عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) حريصًا على البحث عن حُذيفة فى الجنازات ، فإن رآه صلى على الجنازة صلى عليها ، وإن افتقده فى جنازة لم يصل عليها .. واستدعاه يومًا فى خلافته ، وقال له : أَنْشُدُك الله يا حُذيْفة ، هل فى عُمَّالى أحدٌ من المُنَافقين ؟! أى الأُمراء الذين ولاهم عمر (رضى الله عنه) على الأمصار فقال حُذيْفة : نعم واحد فقط .. فقال عمر : ومن هُو ؟ ! .. فأبى أن يُخبره حتى لا يذيع السر ، فأصبح وقد عزله عمر .. وكأن الله قد دلَّه عليه .
- وعندما استشعر عمر (رضى الله عنه) بإقتراب الأجل سأل أصحابه وكان فيهم حُذيْفة بنُ اليَمان : أيُّكم يَحفظ حديث رسول الله ﷺ عن الفِتْنة ؟! فقال حُذيْفة : أنا يا أمير المُؤمنين كما قاله - فقال عُمر : إنَّك عليه لجرىءٌ ، وما هو ؟! قال : قال رسول الله ﷺ : " فِتْنة الرَّجل فى أَهْله ، ومَاله ، وجاره ، تُكفِّرها الصدقة ، والصلاة والصيام" قال عُمر : ليس عنْ هذا أَسْأل ، ولكنى أَسأل عن الفِتْنة التى تمُوج كَموج البحر .. فقال حُذيْفة : يا أمير المؤمنين ، مالك ومالها ؟! إنَّ بَيْنك وبينها بابًا ، فيسأله عُمر : وهل يُفْتحُ الباب أم يُكْسر ؟ قال : بل يُكْسر يا أَمير المؤمنين .. فقال عُمر : إذاً لا يُغلقُ أبدًا .. يَنصرف حُذيْفة ويهاب الأصحاب أن يسألوه ، فيأتى مسروق يسأله : يا حُذيفة ما الباب الذى يُكْسر ؟ قال : الباب عُمَرُ بن الخطاب ، قال مسروق متعجبًا : وهل يعرف عُمر أَنَّه الباب ؟ قال : نعم كما تَعرفُ أنت أن دُون الليلة البارحة ... فقد عرف حُذيْفة أنَّ عُمر سوف يُقْتل ، وأنَّ الفتنة تبدأ بعد مَقْتله ، وأنَّ أحوال المسلمين تبدأ فى الإضطراب بعد الإستقرار .
- تَمضى الأيام ويُرسل عُمر بنُ الخطاب الجيوش فى كل إتجاه لينشر كلمة التوحيد ، ويكون من بين القادة حُذيْفة بنُ اليَمان الذى يرسله فى معركة (همذان) ويرسل عُمر إلى الناس يقول لهم : " أَمير الجيوش النُّعْمان بن مُقرِّن ، فإن قُتِل فحُذيْفةُ بن اليَمان .. ويُقْتل النُّعمان ، ويَتولى قيادة الجيوش حُذيْفة بن اليَمان ، ويسوق النصر على يديه فى موقعة (همذان) ثم يتابع انتصاراته فى موقعة (الرِّى) ثم موقعة (الدِّيناور) وينادى حُذيْفة فى جنوده : يا أصحاب مُحمَّد ، يا أَهل بدر ، يا أهل أُحد ، يا أَهل الخَنْدق .. هاهى جنانُ رَبِّكم قد اشتاقت لكم ، وتَهيَّأت لإستقبالكم ، فلا تُطيلُوا عليها الإنتظار ، الله أكبر ، صدق وعده ، ونصر جنده .. ويَفِرَّ الفرس الذين كان عددهم خمسة أضعاف المسلمين .. إذ كانوا مائة وخمسين ألفا ، والمسلمون ثلاثون ألفا ، ويتابع حُذَيْفة انتصاراته فى الجزيرة ونصيبين .
- وأرسله عُمر بن الخطاب (رضى الله عنه) واليًا على ( المدائن) ، وكان الصحابى الوحيد الذى كتب له الخطاب الذى يقول فيه عُمر : اسمعوا له وأَطيعوا ، وإنْ سألكُم شيئا فأعطوه .. على غير عادته (رضى الله عنه) فكان يكتب لأمرائه قائلا : وليتُ فلانا وأَمرتُهُ بكذا ، وكذا .. فأَطيعُوه ما أطاع الله فيكم .
- يذهب حُذيْفة بنُ اليَمان إلى ( المدائن) عاصمة الفرس بعد أن طهرها من الشرك ليكون واليًا عليها ، ويجتمع الناس هناك لإستقبال الأمير ويفاجأ الناس بالأمير يأتى راكبًا على حِمار وعلى ظهر الحِمار كساء قديم وبيده كسرة خبز بقليل من الملح ، وكان عهد الناس بالأمراء أنَّ لهم حُرَّاسًا يُحيطونهم ويركبون الجياد المُطَهَّمة ، وحين قرأ حُذيْفة بنُ اليَمان كتاب أمير المؤمنين على الناس قالوا : سَلْنا مَا شئت ، قال : أَسْألكم طعامًا لى ، وعلفًا لحِمَارى ما دُمْت فيكم .
- أقام (رضى الله عنه) فى الناس يسير على نهج رسول الله ﷺ وسنته ، ويُعطيهم من عِلْمه وحِكْمته ، والتى من بينها : " ليس خَيْركم منْ يترك الدنيا للآخرة ، أو يترك الآخرة منْ أجل الدنيا ، ولكنَّ خَيرَكُم من يأخُذُ من هذه وهذه " ، ويسأله رجل : أى الفِتن أَشدُّ ؟! فيقول (رضى الله عنه) : أن يُعرض عليكَ الخير والشر ، لا تدرى أيهما تركب ، ويُحذِّر الناس قائلا : إيَّاكم ومواقف الفتن .. فقالوا : وما مواقف الفتن ؟! قال : أبوابُ الأُمراء ، يدخل أحدكم على الأمير فَيصدِّقه بِالكَذِب ، ويَمْتَدحُهُ بما ليس فيه .
- كان (رضى الله عنه) يُبَيِّن للناس أنواع القلوب وأنواع الرجال ، فيقول : القلوب أربعة :
- قلب أغْلــفٌ .......... وذلك قلب الكافر .
- قلب مُصفَّحٌ .......... وذلك قلب المنافق .
- قلب أجـْـردُ ........... فيه سراج يزدهروذلك قلب المؤمن .
- قلب فيه إيمانٌ ونفاقٌ .. مثل الإيمان كشجرة طيبة يمدها ماء طيب وريح طيب .. ومثل النفاق كشجرة خبيثة يمدها القيح والصديد فأيهما غلب .. غلب ..
- روى حُذيْفة بن اليَمان عن رسول الله ﷺ فقال : أتيت رسول الله ﷺ فى مرضه الذى توفَّاه الله فيه ، فقلت : يا رسول الله ، كيف أصبحت بأبى أنت وأمى ؟! فرد علىَّ بما شاء الله ، ثم قال : " يا حُذيْفة إدن منِّى " فدنوت من تلقاء وجهه ، قال : " يا حُذيفة إنَّه منْ خَتم الله به بصوم يوم أراد به الله تعالى أدخله الجنَّة ، ومن أطعم جائعًا أراد به الله أدخله الله الجنَّة ، ومن كسا عاريًا أراد به الله أدخله الله الجنَّة . فهذا آخر شىء سمعته من رسول الله ﷺ .
- يظل (رضى الله عنه) حريصًا على الإبتعاد عن الشر حتى لا يُدركه ، حافظًا لوصايا النبى ﷺ ، ويَمرض حُذيْفة ويَقترب الأجل منه ويجزع جزعًا شديدًا ، ويدخل عليه أصحابه فيقول لهم : هل جئتم بالأكفان فيقولون : نعم ، فيقول حذيفة : أرونى إياها . فيريه أصحابه الأكفان فينظر إليها فيجدها جديدة ، فيقول : لا ماهذه لى بأكفان إنما يكفينى ثوبان أبيضان ، فلن ألبث إلا قليلا ثم أبدل إما خيرًا منها وإما شرًا منها . ويبكى بكاء شديدًا فيقولون له : يا حُذيْفة يا صاحب سر رسول الله ﷺ أنت تبكى ؟ فيقول : ولم لا أبكى وأنا لا أَدرى علام أقبل ؟ .. على رضا أم على سخط ، والله ما أبكى أسفًا على الدنيا ، بل الموت أحب إلىَّ .
- يَحين الأَجل بحُذيْفة بن اليَمان صاحب سر رسول الله ﷺ ، فيسمعه أصحابه يهمس قائلاً : هذه آخر ساعة مِن الدنيا ، اللَّهُم إنك تَعلم أنى أُحبك ، فبارك لى فى لقائك .. ويَلقى الله عزَّ وجلَّ ويلحق بالرِّفاق السابقين من أصحاب النبى ﷺ (رضى الله عنه) وأرضاه ورضى عن الأصحاب الطيبين الطاهرين .
- ها هو حذيفة بن اليمان قد استقبلته الجنان وقد استقبلته الحور العين ذلك الصحابى الجليل صاحب سر رسول الله ﷺ ، نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرفع مقامه فى عليين - وأن يلحقه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأن يرزقنا حبه وحب أصحاب النبى ﷺ .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
المرجع / فى رحاب الأصحاب
للداعية الإسلامى / ياسين رشدى