غزوات الرسول | غَـزْوة الخَنْدق (غزوة الأحزاب) الغزوة الفاصلة فى حياة الأمة الإسلامية

 غَزْوَة الخَنْــــــــدَق 


  • سُميت هذه الغزوة أيضًا (بغزوة الأحزاب) ، فقد قرر يهود بنو النَّضير بعد أن أجلاهم الرسول  عن المدينة ، الأخذ بالثأر من النبى  وذلك عن طريق تأليب العرب على المسلمين ، ومحاربتهم والقضاء عليهم ، فذهب زعماؤهم  حُيى بن أخطب ، وسلام بن أبى الحقيق ، وكنانة بن أبى الحقيق إلى قريش بمكة وزعموا لهم أنهم يستعدون لقتال المسلمين ، وينتظرون أن يشاركوهم الأخذ بالثأر، فترددت قُريش فى بادئ الأمر .. ثم وافقت بعد أن إطمأنت لموقف اليهود وتفضيلهم للوثنية وعبادة الأصنام .
  • لم يكتف اليهود بالإتفاق مع قريش بل خرجوا إلى قبائل غطفان وبنى مرة وبنى فزارة وبنى سعد وبنى أسد يُحرضونهم على الأخذ بثأرهم ، وتجمعت الأَحزاب  فى عشرة آلاف مقاتل بقيادة أبى سفيان ، وساروا إلى المدينة ، وكان ذلك فى شهر شوال فى العام الخامس الهجرى ، ووصل الخبر إلى المسلمين ففزعوا فزعاً شديداً ، فكيف يواجهوا هذه الألوف من رجال وخيل وإبل وأسلحة ، وفى وصف هذا الحدث يقول الله عزَّ وجلَّ فى سورة الأحزاب﴿ إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)  الأحزاب .
  • حينئذ إجتمع الرسول ﷺ بالأنصار والمهاجرين للتشاور فى هذا الأمر الجلل فأشار الصحابى الجليل سلمان الفارسى على الرسول  الذى كان يعرف من أساليب الحرب مالم يعرفه العرب بحفر خَنْدق حول المدينة ، وتحصينها من الداخل .. أخذ النبى  بمشورة سلمان ، وأمر أصحابه بحفر الخندق . بدأ المسلمون فى حفر الخندق وبذلوا كل جهدهم فى حفر الخندق حتى حفروه فى وقت قياسى وتحملوا فى سبيل الله الجوع والبرد ، وكان رسول الله ﷺ يشترك معهم فى حفر الخندق حتى كان ﷺ يربط على بطنه حجرين من شدة الجوع صلى الله عليه وسلم .
  • فعن البراء بن عازب قال : أمرنا رسول الله  بحفر الخندق .. قال : وعُرض لنا صخرة فى مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول .. قال : فشكوها لرسول الله  ، فجاء رسول الله  فوضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة وأخذ المعول فقال : بسم الله .. فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر .. وقال : الله أكبر ؛ أعطيت مفاتيح الشام .. والله إنى لأُبصر قُصُورها الحُمْرَ من مكانى هذا .. ثم قال : بسم الله .. وضرب أخرى ، فكسرت ثلث الحجر ، فقال : الله أكبر ؛ أعطيت مفاتيح فارس .. والله إنى لأبصر المدائن ، وأبصر قصرها الأبيض من مكانى هذا .. ثم قال : بسم الله .. وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر ، فقال : الله أكبر ؛ أعطيت مفاتيح اليمن .. والله إنى لأبصر أبواب صنعاء من مكانى هذا ..
  • تم تحصين منازل المدينة من الداخل ، وجُمع فيها النساء والأطفال ، وأُخليت المنازل التى وراء الخندق ، وأقبلت الأحزاب إلى المدينة وإذا بها تفاجأ بالخندق ، فلم تجد إلا أنها تعسكر وراءه ، أما المسلمون الذين لم يتجاوز عددهم الثلاثة آلاف جعلوا ظهورهم إلى جبل سَلْع ، والخندق بينهم وبين الأحزاب
  • وبدأ المسلمون فى رشق المشركين بالنبال عدة أيام متتالية لكى يمنعوهم من عبور الخندق أو ردمه ، ولكن بعض المشركين حاول إقتحام الخندق ، ونجح بعضهم فى عبور الخندق من مكان ضيق على رأسهم أحد أبطال المشركين اسمه عمرو بن وُدَّ ومعه عكرمة بن أبى جهل وضرار بن الخطاب ، ولكن تصدى لهم المسلمون ، وحدثت مبارزة رهيبة بين عمرو بن وُدَّ وعلىُّ بن أبى طالب حتى قتله علىُّ بن أبى طالب البطل الشجاع ، وهرب بقية الرجال ، وتكررت محاولات المشركين مرات عديدة ، وفى كل مرة يتصدى لهم المسلمون .
  • استمر الصراع لفترات طويلة ، حتى أنه فى أحد الأيام ظل المسلمون يدافعون عن الخندق من قبل صلاة العصر إلى ما بعد المغرب فضاعت عليهم صلاة العصر، فقال النبى  : " مَلأ الله عَليْهم بُيُوتهم وقُبورهم نَاراً كَما شَغلونا عنْ الصَّلاة الوسطى حتى غَابت الشَّمس"  ومن هنا بدأ اليأس يتطرق إلى المشركين الذين توقعوا نصراً سريعاً كيوم (أُحد) ، فقد استمر الحصار شهراً كاملاً ، فكان الموقف صعباً على المسلمين كما كان صعبًا على المشركين ، يقول الله عزَّ وجلَّ﴿ .إِن  تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ (104)  النساء .. وكان الجو فى هذه الأيام شديدة البرودة ، والخيام لاتحميهم ، أمَّا المسلمون فهم متحصنون فى المدينة وعندهم ثمارهم التى تمدهم بها يهود بنى قريظة الذين عاهدهم النبى  . 
  • وعندما فكر المسلمون فى العودة إلى أدراجهم ، ورأى ذلك حُيَىً بن أخطب زعيم يهود بنى النضير ، زعم للأحزاب أنه قادر على  إقناع بنى قريظة بنقض العهد مع النبى  ، والإنضمام إليهم ، وقطع التموين عن المسلمين ، وفتح الطريق للأحزاب لدخول المدينة ، فاطمأنت قريش ومن معها لهذا الرأى ، ذهب زعيم بنى النضير حُيَىَّ بن أخطب إلى حصن بنى قريظة ، وأقنع زعيمهم كعب بن أسد بأن هذه الفرصة الأخيرة للقضاء على المسلمين ، واستأصالهم حتى تَخْلوا المدينة لهم ، واستراح كعب بن أسد لكلام حُيَىً بن أخطب ونقض عهده مع النبى  .
  • علم النبى  بذلك فأرسل سعد بن معاذ سيد الأوس ، وسعد بن عبادة سيد الخزرج إلى بنى قريظة للتحقق من الأخبار، فقال لهم كعب بن أسد لا عهد بيننا وبين مُحَمَّد ، فرجع الصحابيان إلى النبى  وأخبروه بما قاله كعب بن أسد ، فعظم البلاء واشتد الخوف ، وحزن الرسول  حزناً شديداً لهذا الخبر .
  • انتشر خبر تحالف بنى قريظة مع الأحزاب ونقضهم العهد مع النبى  ، فزلزل المسلمون زلزالاً شديداً ، وزاغت الأبصار ، وبلغت القلوب الحناجر، واستأذن المنافقون رسول الله ﷺ فى العودة إلى بيوتهم ، يقول الله عزَّ وجلَّ ﴿ وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13)  الأحزاب .. واطمأن الأحزاب لوقوف بنى قريظة معهم .
  • أخذت قريش ومن معها من الأحزاب يوقدون النيران طوال الليل لتخويف المسلمين ، وتشجيع بعض يهود بنى قريظة الذين نقضوا العهد أن ينزلوا من حصونهم ويتجولوا حول بيوت المسلمين لإرهاب من فيها من الأطفال والنساء ، ورأت السَّيدة صفية بنت عبد المطلب عمة النبى  أحد اليهود يتجول حول الحصن الذى هى فيه ، فلم تطمئن له ، وخشيت أن يدل على وجودهم ، فأخذت عموداً ونزلت من الحصن وضربت به اليهودى فقتلته .
  • أصبح الحصار شديداً على المدينة من التحالف الجديد ، قريش وغطفان واليهود ، وفكر الرسول  فى فك هذا التحالف ، فأرسل إلى زعيم قبيلة غطفان يعرض عليه أن يعتزل الحرب ، ويرجع وله ثلث ثمار المدينة فوافق على ذلك ، وقبل أن يمضى رسول الله  الإتفاق أرسل إلى زعيمى الأوس والخزرج يعرض عليهما ذلك الإتفاق .. فقالا له : يارسول الله .. أهو أمر أخذته أنت أم هو وحى من الله ؟ .. قال : " بلْ هو أمر أَخذته لكم ، فقد رَأيْت العَرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، وكالبوكم مِنْ كل جانب ، فأَردت أنْ أَكْسر عنكم حَربتهم وأُقَلل منْ عددهم ".
  • قال سعد بن معاذ : يارسول الله .. لقد كنا وهؤلاء القوم على الشرك ، وعبادة الأوثان والأصنام ، لم نكن نعبد الله ولا نعرفه ، فمن الله علينا بالإسلام ، وهدانا له ، وأعزَّنا بك وبه .. أفنعطيهم ثلث ثمار المدينة ؟ والله مالنا حاجة بهذا ، والله لا نُعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم .. فسُّر رسول الله  بمقالته ، ولم يتم الإتفاق مع غطفان ، واستعد الجميع للحرب .
  • فى خضام هذه الاحداث وقد غلب اليأس فى قلوب المسلمين ، وعمهم الحزن والأسى ، يأتى النصر من عند الله .. فقد جاء " نعيم بن مسعود " وهو رجل من قبيلة غطفان - إلى رسول الله   فقال له يا رسول الله : إنى قد أسلمت ، وإن قومى لم يعلموا بإسلامى ، فمرنى بما شئت .. فقال رسول الله  : إِنَّما أنت فينا رجل فخذِّل عنَّا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة .. فخرج نعيم حتى أتى بنى قريظة ، وكان صديقاً لهم فى الجاهلية ، فقال : يا بنى قريظة قد عرفتم ودى إياكم وخاصة ما بينى وبينكم قالوا صدقت ، لست عندنا بمتهم ، فقال لهم إن قريشاً وغطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم ، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، لا تقدرون على أن تتحولوا إلى غيره ، وإن قريشاً وغطفان جاءوا  لحرب مُحَمَّد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه فإن رأو نهزة (أى فرصة) أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ، ولا طاقة لكم به إنْ خلا بكم ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم ، يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم مُحَمَّداً حتى تناجزوه ، فقالوا له : لقد أشرت بالرأى .. ثم خرج حتى أتى قريشاً ، فقال لأبى سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش : قد عرفتم ودى لكم وفراقى مُحَمَّداً ، وإنه قد بلغنى أمر قد رأيت علىَّ حقاً أن أبلغكموه نُصحاً لكم فأكتموا عنى .. فقالوا نفعل ، قال : تعلموا أنَّ معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين مُحَمَّد ، وأنهم قد أرسلوا إليه ، أنهم يريدون أن يأخذوا رهائن منكم يدفعونها إليه ، ثم يوالونه عليكم ، فإن سألوكم رهائن فلا تُعطوهم  .. ثم ذهب إلى غطفان وقال لهم نفس الكلام .
  • أراد أبو سفيان أن يستوثق من كلام نعيم بن مسعود فأرسل إلى كعب بن أسد زعيم بنى قريظة يطلب منه قتال المسلمين معه فى الغد ، فأرسل كعب إلى أبو سفيان يقول : إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً من رجالكم ، فلما سمع أبو سفيان ذلك إطمأن إلى صدق نعيم ، وأرسل إلى زعماء غطفان فإذا هم يترددون فى قتال النبى  ، وتخاذل الفريقان .
  • دبت الفرقة بين الفريقين ، وتفتت الأحزاب ، ورد كيدهم ، ونجحت فكرة نعيم بحكمة الله وتدبيره ، وأتت ريح شديدة وقاسية البرودة على معسكر الكافرين لم تترك لهم خيمة إلا إقتلعتها ، ولم تترك قدراً إلا قلبته ، ولم تترك ناراً إلا أطفأتها مما دفع أبو سفيان أن يقرر العودة دون قتال وفك الحصار ونادى فى الناس : إنى مرتحل فمن شاء فليرتحل .. ويعود أهل المدينة من المهاجرين والأنصار إلى بيوتهم آمنين فرحين بنصر الله .. وقال الله عزَّ وجلَّ : ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25)  الأحزاب .. وتم نصر الله وأرسل رسول الله  حذيفة بن اليمان إلى معسكر الكفار ليطمئن على ما حدث ، وعلى فعل الرياح بهم ، وعلى أثر الفرقة التى أحدثها نعيم بن مسعود ، فعاد حذيفة بالخبر الجميل ، وبالنصر العظيم . 
                              ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛