من هدى النبى ﷺ | التَّنَاهى عن المنْكر والأمر بالمعروف من أخلاق المؤمن
التَّنَــاهـِـى عَــنْ المُنْكَـــرِ
- الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من الأمور التى عظَّمها الحق تبارك وتعالى وبيَّن أن من صفات المؤمنين الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهذا ليس خاصًا بالرجال دون النساء ولا بالنساء دون الرجال بل على الجميع . العلماء والعامة والصغير والكبير من المكلفين والأمراء والقضاة كل منهم عليه واجبه .
- الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من واجبات وأخلاق المؤمنين والمؤمنات فيجب ألا يتساهلوا فيه ، بل يجب عليهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر كما ذكر الحق تبارك وتعالى من صفاتهم : ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ .. (110) ﴾ آل عمران .
- الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أمر عظيم ، وواجب مقدس على كل المسلمين ، كل على حسب موقعه ، وحسب طاقته ، بيده ثم بلسانه ثم بقلبه ، والإنكار بالقلب يكون بالكراهة ومفارقة المجلس الذى فيه المنكر إذا لم يستجيبوا لنهيه وإنكاره ، ونحن فى عصر تساهل فيه كثير من الناس ، وضعفت فيه الغيرة ، وفشى فيه المنكر . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :
{1} مَا مِنْ نَبِىٍّ بَعَثَهُ الله فِى أُمَّةٍ قَبْلِى إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ ويَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ، ويَفْعَلُونَ مَا لا يُؤْمَرُونَ ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، ومَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، ومَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، ولَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ . رَوَاه مُسلمٌ عن ابن مَسْعُودٍ (رضى الله عنه) .
- يُخْبرنا الحديث عمَّا حدث فى الأَزمنة السابقة ، وكأنها سُنَّة الله فى خَلْقِه .. ويتضح ذلك من قول الله عزَّ وجلَّ عن بنى اسرائيل : ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) ﴾ السجدة .. هؤلاء المُتَمَسِّكُون بالكتاب وسُنَّة نبيِّهم .. فلما تباعد الزَّمان عن عصر النُّبوَّة ، ونور الوَحْى ، وأهمل الناس كتابهم وسُنَّة نَبيِّهم حكى القرآن عنهم وقال : ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ .. (169) ﴾ الأعراف ..
- هكذا فى كل عصر وزمان إذا ابتعدت الأُمَّةُ عن التَّمَسُّك بكتابها وسُنَّة نَبيِّها .. تأتى أجيال لا تَعْرف عن الدِّين إِلاَّ اسمه ، ولا تعرف من الكتاب إلا رَسْمَه ، وتُنْقَضُ عُرَى الدِّين عُرْوة عُرْوة ، وأَوَّل ما يُنْقَضُ من عُرَى الدِّين الصَّلاة .. ويشير الحقُّ تبارك وتعالى إلى ذلك فيقول : ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) ﴾ مريم .. لذلك كان تَرْك الصَّلاة يُؤَدِّى إلى اتِّباع الشَّهوات ، فالصَّلاة نور ؛ وهى أوَّل مَا يُسْأَل عنه العبدُ يوم القيامة فإن صَلُحَت ؛ صَلُحَ سائر عمله .. وإن فسدت ؛ فسد سائر عمله .. والمحافظة على الصَّلاة تُؤَدِّى إلى التَّمسُّك بالكتاب والسُّنَّة قولاً وعملاً ..
- فالكتاب يجب أنْ يكون حَيًّا ، مُنَفَّذا ، ومَعْمُولاً به وليس أثرًا من الآثار فإن أصبح كذلك وتُرِكَ العَملُ به رأيت الناس يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يُؤْمَرون .. فهم يتكلَّمون بالكتاب وبِسُنَّة نبيِّهم ولا يعملون بهما ، وتخالف أعمالهم أقوالهم .. وعندئذ .. وَجَبَ على المُتَمسِّكين بدينهم أنْ يجاهدوهم : باليد ، أو باللسان ، أو بالقلب ، كلٌ بحسب موضعه ، وقدر طاقته .. وليس وراء الإنكار بالقلب لمن لا يستطيع سواه حَبَّة خردل من إيمان ؛ لأنه يكون حينذاك راضيًا بما يفعلون ، ومن لم يشهد المعصية ورضى بها كان كمن شَهِدَها .. وتتَّضح خطورة عدم مقاومة المُنكر فى قول النَّبِّى صلى الله عليه وسلم :
{2} مَثَلُ القَائِمِ فِى حُدُودِ الله والوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ : فَصَارَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا ، فَكَانَ الذِين فِى أسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ ، فَقَاُلوا : لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِى نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا ، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًٍا ، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا ، وَنَجَوْا جَمِيعًا . رواه البخارى عن النُّعْمَانِ بن بَشِير (رضى الله عنه) ، ك : الشَّرِكَة .
- الحديث يضرب مثلا للقائمين فى حدود الله ــ وهم الطائعون الملتزمون بأوامر الله تبارك وتعالى المجتنبون لنواهيه ــ وللواقعين فى حدود الله ــ وهم الذين اجترءوا على المعاصى ، وجاهروا بها ــ بِرُكَّاب سَفِينة ذات طابقين : أحدهما فوق خط الماء ، والآخر أسفله .. فأَمَّا الطَّابق العُلْوِىُّ فهو مُضىءٌ مُشْمِسٌ مُتَجَدِّد الهواء ، وأمَّا الطَّابق السُّفْلىُّ فهو مُظلِمٌ فاسد الهواء .. وقد كان الطَّابق العُلْوِىُّ من نصيب الطائعين ، وكان الطَّابق السُّفْلِىُّ من نصيب الفاسقين ، وكأنها إشارة إلى أن الذين اتَّقَوا فوق المفسدين دائما ، وحياتهم هنيئة سهلة ، وأمورهم مُيَسَّرة ..
- أما العُصَاة والفَسَقَة فحياتهم صعبة يلقون فيها العنت ، والشِّدَّة ، والمشقَّة .. ولا نور لهم ، ولا بصيرة ، ولا حُسْنَ تدبير للأمور ، وإِنَّما تحايل وإدِّعاء ؛ فهم يريدون خرق السَّفينة بِدَعْوَى الحصول على الماء ، وعدم إيذاء مَنْ يقيمون فوقهم .. فلو تركهم الطَّائعون يُنَفِّذُون ما يريدون هلك الجميع .. وإنْ ضربوا على أيديهم ومنعوهم مما يريدون نجا الجميع .
- لذلك كان الواجب على الطَّائعين ــ إذا كان فى مجتمعهم مُفسِدُون ــ أنْ يأمروهم بالمعروف ، وينهونهم عن المنكر .. وإِلاَّ تَعرَّض الجميع لعقاب الله .. والقرآن الكريم يشير إلى ذلك فى قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) ﴾ المائدة .. وكأن اللعنة قد حاقت بهم جميعًا بسبب عدم التناهى عن المنكر . والرسول ﷺ يُحَذِّرُنا مِنْ ترك المُفْسِد وكأن أمره لا يعنينا ، أو أن ضرره لن يعود علينا ، ولذلك يأمرنا بمقاومة المُنكر وتغييره بقوله صلى الله عليه وسلم :
{3} مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ . عن أبى سَعِيد (رضى الله عنه) مُسْلمٌ ك : الإيمان . ب : 20
- الحديث يُشير إلى أن للتَّغيير ثلاث وسائل هى : تغيير باليد ، وتغيير باللسان ، وتغيير بالقلب ..
- التغيير باليد هو : إيقاف الفساد ومقاومته : بالقهر ، والسُّلطان ، والقُوَّة .. وهو مقاومة إيجابية للمُنْكَر تُؤْتِى ثِمَارَهَا لا محالة ..
- والتَّغيير باللسان هو : محاولة إيقاف انتشاره بالنُّصْح ، والأَمْرِ بالمعروف ، والنَّهى عن المنكر ، وبيان عاقِبَةِ الفَسَادِ والإفساد .. ولا يَمَلُّ المُغَيِّرُ بِلِسَانِهِ ، أو يَيْأَسُ مِنْ عَدَمِ الإستجابة له ، ولا يَكُفُّ عن الوعظ والإرشاد .. وهذا أيضا نوع من المقاومة وإنْ كان يقلُّ فى الدَّرجة عن سابقه .
- أَمَّا التغيير بالقلب هو : الإنكار الكامل للخطأ ، والتباعد عنه وعن مُرْتكبيه ، وهذا نوع من المقاومة السَّلبية التى إذا اشترك فيه الكثيرون قد ينتج عنه سقوط المُنْكَرِ من تلقاء نفسه بمحاصرة المفسدين حتى يصبحوا منعزلين عن المجتمع لا يتعامل معهم أحد من الناس فَيُقْلِعُون عمَّا يفعلونه .
- فهى إذًا ثلاثة أسلحة .. كل مسلم له سلاح يتلاءم معه ، فالتَّغيير باليد : يكون لمن يملك ذلك كالحاكم فى شئون رعيَّته بِسَنِّ القوانين الرَّادعة ، وموائمتها لما شَرَعه الله وسَنَّه رسوله ﷺ .. وكالرَّجل فى أهل بيته بما جعل الله له من قَوَامَة .. وأما التَّغيير باللسان : فهو مسئولية العُلَماء فى كل مكان وزمان ، وكذلك مسئولية كل مَنْ يملك النُّصْح لغيره ؛ فالتَّناصح من واجبات المسلمين ، وكذلك التَّواصى بالحق .. أمَّا المُنْكِر بقلبه : فهو الذى لا يستطيع ولا يملك أن يُغَيِّرَ بِيَدِهِ فلا سلطان له على أحد ، وكذلك لا يستطيع أن يُغَيِّرَ بلسانه لأنه من العوام ، أو لا يملك الحُجَّة أو البُرْهان .
- فكل مسلم مطالبٌ بالأمور الثلاثة .. أى التَّغيير باليد لما يستطيع أن يُغَيِّرَه باليد فيما يملك دون تجاوز ، أو تَعَدِّى .. والتَّغيير باللسان لمن يُسْتَمَعُ إليه .. ويُعْمَلُ بنُصْحِهِ .. والإنكار بالقلب لمن لا يستطيع أن يُغَيِّرَه باليد أو اللسان .. وهكذا كلٌّ بحسب موقعه .. وكلٌّ بحسب طاقته .. وصدق الله تبارك وتعالى إذ يقول : ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾ العنكبوت. ويحذر الرسول ﷺ بقوله :
{4} والَّذى نَفْسِى بِيَده لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوف ، ولَتَنْهوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ، أوْ لَيُوشِكَنَّ الله أَنْ يَبْعَث عَليْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ . رواه أبو داود ، والترمذى عن أبى سعيد الخدرى (رضى الله عنه) .
{5} وعن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش (رضى الله عنها) أن النبى ﷺ دخل عليها فزعًا يقُولُ : " لا إله إلاَّ الله ، وَيْلٌ للعرب مِنْ شَرٍّ قَد اقْتَرب ، فُتِحَ اليَوْم من ردْمِ يأْجُوجِ ومَأْجوج مِثْلُ هذِهِ " . وحلق بأصبعيه الإبهام والتى تليها . فقلت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : " نعم إِذَا كَثُرَ الخَبَث " . متفق عليه .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛