من هدى النبى ﷺ | الشَّهَامة فى الإِسْلام ونَجْدة الملهوف وإغاثته

  الشَّهَــامَـة فِى الإِسْـلاَم 


  • الشَّهامةُ ونَجْدة المَلْهوف وإِغاثته .. هى صفات لا يتعلمها المسلم فى مدرسة أو جامعة ؛ بل هى تراكمات إنسانية ناتجة عن الفطرة النقية السَّوية . فالإِغاثة من الغَوْث وهى النَّجدة ؛ فأحيانا ترى إنسانًا كان غنيًا عنده المال الكثير وإذا به تحل به مصيبة فتفقره فيتبارى أهل الخير ويتنافسون على عونه وسد حاجته ، وترى آخر قد أصابته الأوجاع والأسقام فأصبح عاجزًا لا يستطيع أن يأتى بقوت يومه فيأتيه أهل الخير ويدفعون له الصدقات وزكاة أموالهم ؛ ليسدوا رمقه وحاجته .
  • كذلك نجد الشهامة تتمثل فى نجدة سيدنا موسى (عليه السلام) لابنتى الرَّجل الصَّالح من أهل مَدين وهو المُطارد من مصر خوفًا من بطش الملأ فسقى لفتاتين وجدهما يذودان عن المرعى والشرب ، وتولى إلى الظِّل ، لا ينتظر منهما ثوابًا ولا جزاءًا ولا شكورًا .
  • وشهامة النبى ﷺ ونجدته لغيره قبل الإسلام وبعده ؛ فهو الذى امتدحته زوجه السَّيدة خديجة (رضى الله عنها) يوم نزل عليه الوحى بقولها : " لا يُخْذيك الله أبدا ؛ إنك لتَصل الرَّحم ، وتَكْسبَ المَعْدوم ، وتُعْطى السَّائل ، وتمنح المَحْرُوم ، وتُعين على نوائب الدَّهر " ، وهو الذى وقف مع المظلوم يوم حلف الفضول قبل الإسلام . وصور أخرى من صور الشهامة ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :

{1} مَامِن امْرِئٍ  يَخْذُلُ  امْرَءًا  مُسْلِمًا  فِى مَوْطِنِ  يُنْتَقَصُ  فِيهِ  مِنْ  عِرْضِهِ  ،  وَيُنْتَهَكُ  فِيهِ  مِنْ  حُرْمَتِهِ ، إِلاَّ  خَذَلَهُ  الله  تَعَالَى  فِى مَوْطِنٍ  يُحِبُّ  فِيهِ  نُصْرَتَهُ  .. وَمَامِنْ  أَحَدٍ  يَنْصُرُ  مُسْلِمًا  فِى  مَوْطِنٍ  يُنْتَقَصُ  فِيهِ  مِنْ  عِرْضِهِ  ، وَيُنْتَهَكُ  فِيهِ  مِنْ  حُرْمَتَهِ  إِلاَّ  نَصَرَهُ  الله  فِى مَوْطِنٍ  يُحِبُّ  فِيهِ  نُصْرَتَهُ .    رواه أبُو داود بلفظ مقارب ، ك : الآداب عن جَابِر وأبى طَلْحَة بن سهل (رضى الله عنهما) .
  • الحديث يُشير إلى خُلُق رَفِيع ، وهو الشَّهَامَة ، وهو أَمْرٌ لا يُكَلِّف الإنسان شيئًا سوى الوقوف إلى جانب الحق .. والشَّهَامَة فى الإنسان لا تعنى حَمِيَّة الجاهلية .. وإِنَّما الشَّهَامَة خُلُقٌ يدفع الإنسان للوقوف بجانب أخيه المُسْلم فى الحقِّ بشجاعة وتَصَلُّبٍ .. 
  • وفى الحديث وَعْدٌ ووعِيدٌ على سُلُوكٍ إزاء موقف معين .. وهو : أن يكون المُسْلِم فى وضع يُنْتَقَصُ فيه من عِرْضِه .. أى : يُسَبُّ ، ويُغْتَابُ ، ويُسَاءُ إليه ، ويُعْتَدَى على حُرمَتِه ، ويَحْتَاج إلى من يُنَاصِرُهُ بِرَدِّ غِيبَتِه ، والدِّفاع عنه ، والوقوف إلى جانبه .. فمن شَهِدَ موقفًا كهذا وسَكَتَ عليه كان ذلك منه خِذْلانًا لأخيهِ ، وهُنَا يَتحقَّقُ الوعيد له بأن يتَعرَّض لِنَفْسِ المَوقِفِ ، ويتمنَّى أنْ يكونَ الله معه ناصرًا ومُعينًا ، فيخذله الله ــ حتى ولو كان مُسْتَحِقًا للمُنَاصَرَة ــ ويخيب رجاؤه وأمله بسبب خِذلانه لأخيه المُسْلِم مِنْ قبل .. فمن زرع حصد .. 
  • أمَّا مَنْ نَصَر مُسْلِمًا فى موطن كهذا تحقَّق له وَعْدُ الله بالنصر فى موطن يُحِبُّ فيه نُصْرَته .. فيُهيِّئ له مَنْ يُدافِع عنه ، ويقف بجانبه .. ويصرف الله عنه كَيْد أعدائه ؛ فلا يُصيبون منه شيئًا وصدق الله العظيم حيث يقول : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) ﴾ الحج . 
  • والعِرْضُ هو موطن المَدْحِ والذَّمِّ من الإنسان ، فإن قيل : فُلانٌ بَخِيلٌ  أو فاسقٌ فقد انْتُقِصَ من عِرْضِه .. وأمَّا حُرْمَةُ الإنسان فهو كلُّ ما يَخُصُّه ولا يَخُصُّ غيره ، ويَحْرُمُ الإعتداء عليه بأىِّ أسلوبٍ كان . وردُّ غِيبة المُسْلِمِ نَصْرٌ له ، ودِفَاعٌ عن عِرْضِهِ .. أمَّا السُّكوت على ذلك فهو خِذْلانٌ له .
  • ويُشْعِرُنا الحديث بوجوب تكافُل المُسْلِمِينَ وتناصُرهم ؛ فهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحُمَّى والسَّهر . وذلك ينطبق على الدُّوَل الإسلاميَّة فيما بينها وبين بعضها كما ينطبق على الأفراد ، والإنعزالية التى تدين بها بعض الدول أو الأفراد ، والإهتمام بالذَّات دون الإهتمام بالغير يُعَرِّض الأمَّة للتفكُّك ، والإنهزاميَّة ، وعدم الإنتماء .
  • وقد نما إلى عِلْم أحد الخُلَفاء أنَّ مُسْلمًا يُعذَّبُ لدى قوم قد وقع أسيرًا فى أيديهم .. فأرسل خطابًا إلى مَلِكِهِم يقول فيه : لتَرْفَعَنَّ العذابَ عَنِ الأسيرِ ، ولَتُرْسِلَنَّهُ إلينا مُعَزَّزًا مُكَرَّمًا أو لأُرْسِلَنَّ إليك جَيشًا يَكونُ أَوَّلُهُ عندَكَ وآخِرُهُ عِنْدِى .. فسارع الملِك بإطلاق سراح الأسير ، وأعاده سالمًا مُكَرَّمًا .. وهكذا كان التناصر بين المسلمين .. فأرتفع شأنهم ، وساد الوئام والحُبُّ بينهم . والأحاديث التالية تبين جزاء رد غيبة المسلم والدفاع عن عِرْضِهِ :

{2} مَامِنْ  امرِئٍ  مُسْلِمٍ  يَرُدُّ  عَنْ  عِرضِ أَخيهِ  إِلاَّ  كَانَ  حَقًّا  عَلَى الله  أَنْ  يَرُدَّ  عَنْهُ  نَارَ جَهنَّم  يَومَ القِيَامَةِ .   رواه أحمد والترمذىُّ والطبرانىُّ عن أبى الدرداء (رضى الله عنه) .
  • هذا الحديث يُبين فضل رد الغيبة عنْ المُسلم ، وهو أنْ يتولاه الله ويجعل له حجابًا من النَّار يوم القيامة لأن الغيبة شرها عظيم وفسادها كبير يقول الحق سبحانه وتعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (12) ﴾ الحجرات .
  • كذلك يتضح لنا أن الغيبة مُحرمة ومن الكبائر فيجب الحَذر منها ، وإذا سمع المُسلم أو المُسلمة منْ يغتاب أحدًا أن يكف غيبته ويرد قائلاً : الغيبة مُحَرَّمة ، ويحذره من عواقب الغيبة يوم القيامة ، ويقدم له النَّصيحة .

{3} مَنْ  ذَبَّ  عَنْ  عِرضِ أَخِيه  بِالغَيْبَة  كَانَ حقًا عَلَى الله أَنْ  يُعْتِقَهُ  مِنَ النَّاررواه أحمد والطبرانىُّ عن أسماء بنت يزيد (رضى الله عنها) .    من ذَبَّ : أى دفع الكلام السىء عن عِرْض أخيه  فكان حقًا على الله تعالى أنْ يَعتقه من النار .

{4} مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيه رَدَّ الله عَنْهُ عَذابَ النَّارِ يَومَ القِيَامَة ، وتَلاَ  : ﴿ .. وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) ﴾ الروم ..     رواه ابن أبى الدنيا ، وأبو الشيخ عن أبى الدرداء (رضى الله عنه) .

                       ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛