هل تعلم؟ | المِـرَاء والجَـدلُ والخُصُـومة منْ أمراض اللسان
الْمِـــرَاء والْجـَــدَلُ والُخصُــومَة
{مِنْ آفات اللِّسان}
ماهو المْـِــرَاء ؟- المِرَاء هو ابتغاء الخلل فى كلام الغير مُلتمسًا لهُ الخطأ .. سواء أكان ذلك من حيث اللفظ ، أو المعنى ، أم من حيث الموضوع ؛ حتى يمكن الطعن فى كلامه ، واظهاره بمظهر الكاذب أو المبالغ أو المخطئ وما إلى ذلك .. والرسول ﷺ يقول : "أَنا زَعِيمٌ* بِبَيْتٍ فِى رَبَضِ الجَنَّة** لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًا" . رواه الترمذى ، وأبو داود عن أنس (رضى الله عنه) . * زعيم : ضامن ** ربض الجنة : وسط الجنة .
- والحق تبارك وتعالى يشير إلى هذا المرض بقوله : ﴿ .. أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (18) ﴾ الشورى .. وأقل ما يُحرم منه الإنسان بالمِرَاء هو ثواب الكلم الطيب ؛ إذ الكلمة الطيبة صدقة ، فعلينا أن نتجنب هذا المرض بأن نُصَدِّق المُتَكلِّم ، ونُحسن الظن به .. فإذا كان الكلام باطلاً أو كذبًا نظرنا : فإن كان لا يتعلق بأمور الدين ، والسكوت عليه لا يُعرضنا للإثم كان السكوت خيرًا من الكلام .. أمَّا إذا كان مُتَعلقًا بأمور الدين وجب الرد بِلَبَاقة وأدب بشرط العِلْم بالصواب ، والحِرص على المَوَدَّة ، وعدم إثارة البَغْضَاء أو الكراهية ، وأنَّ حُسن الخلق من أسباب القرب من الرسول ﷺ ومحبته ﷺ أيضًا ، يقول الحبيب ﷺ : " البِرُّ حُسْنُ الخُلُق " .
- ويقول سيدنا عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) : (الْبِـرُّ أَمْرٌ هَيِّـنٌ : وَجْهٌ طَـلِيقٌ .. وكَلام لَيِّـنٌ) . وقال الشافعى رحمه الله تعالى : (المِراء فى العِلْم يُقسى القلوب ، ويُورث الضَّغائن) .
- يختلف الجَدل عن المِرَاء فى أن هدفه ليس تخطئة المتكلم ، وإنَّمَا هدفه أن يَظْهَرَ المجادل بمظهر العالِم وصاحب الحُجَّة والبيان .. والْجِدَال قد يكون بحق وقد يكون بالباطل أو بغير علم : فأما إن كان بالحق وجب أن يكون بالحُسْنَى لقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ .. وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا .. (83) ﴾ البقرة .. وقوله : ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .. (46) ﴾ العنكبوت .. وقوله : ﴿ .. وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ .. (125) ﴾ النحل .
- يقول الإمام أبو حنيفة النعمان : مَا نَاقَشْتُ أَحَدًا فى مَسْألةٍ إِلا وتَمنَّيتُ أنْ يُظْهِرَ الله الحقَّ عَلَى لِسَانِهِ .. أما إن كان الجِدَال عن غير علم ، أو جَدَلاً بالباطل ، فذاك ليس هدفه إظهار الحق ، وإِنَّما هدفه التفاخر والتباهى والإنتصار على الخِصم .. والدافع لذلك هو الكِبْر المُهلك لصاحبه و الله تبارك وتعالى يقول : ﴿ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) ﴾ غافر .. ويقول عزَّ وجلَّ : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) ﴾ غافر .
- خير عِلاج لهذا المرض أنْ يَسْكُت الإنسان إذا ما اشتهى الكلام ، وألاَّ يتكلم إلاَّ إذا اشتهى السكوت .. فإنه عندئذ لن يتكلم إلا بالحق .. ولا يتعرض لفضول الكلام .. وإن أراد تصحيح فِكْر أو رَأْىٍ لأحد ، فليكن ذلك سِرًّا فقد قيل : النَّصيحَةُ فِى العَلَنِ فَضِيحَةٌ .
- الخُصُومة باللسان هى اللِّجاج بالكلام لإستيفاء مال ، أو حق لدى الغير سواء أكان ذلك بالحق أم بالباطل .. وهى نتيجة طبيعية لما سبقت الإشارة إليه من جِدَال ، ومِرَاء ، وخَوْضٍ فى الباطل .. وقد يكون الشُّحُّ هو منشأ الخصومة .. و الله تبارك وتعالى يقول : ﴿ .. وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ۚ .. (128) ﴾ النساء .. ويقول عزَّ وجلَّ : ﴿ .. وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ﴾ الحشر .
- فإذا كانت الخُصُومة بحق ، ولم يتعرض المُخاصم لمِرَاء ، أو جِدال ، أو فُحْش فى الكلام ، أو إيذاء لمن يخاصم ، أو تحقير له ، أو إثارة للبغضاء والكراهية ، فهى خلاف الأَوْلَى ؛ إذ الأَوْلَى الصُّلْحُ ، والصُّلح خير .. أما إذا كانت الخصومة بالباطل ، أو كان الهدف منها العناد فهى حَرَام قطعًا ، فليس هناك أذهب للدِّين ، وأنقص للمروءة ، ولا أضيع لِلَّذَّةِ ، وأشغل للقلب من الخصومة .
- والخصومة تعرض للتَّبِعَات ؛ فـ الله تبارك وتعالى لا تُضره المعاصى ، ولا تنفعه الطاعات ، وقد يغفر ما يتعلق به .. أمَّا ما يتعلق بحقوق العباد فذلك موضوع آخر ؛ إذ يلزم التحلل منها فى الدنيا ، وإلاَّ تَعرَّض للمُؤَاخذة عليها فى الآخرة بالأخذ من حسنات الظالم للمظلوم ، أو الأَخذ من سيئات المظلوم وطرحها على الظالم .
- من أشد أنواع الخصومة ظُلما هى الخُصُومة بغير علم ، كأن تُخاصم شخصًا من أجل شخصًا آخر ، وأنت تجهل الحقائق أو تسمع من طرف دون أن تسمع للطرف الآخر فذلك بيع لآخرتك بدنيا غيرك . وقال الإمام النووى رحمه الله : مما يذم من الألفاظ (المِرَاء ، والجِدَال ، والخُصُومَة) .
- علاج الخصومة يكون بالعفو والصَّفح .. والحق تبارك وتعالى يقول : ﴿ .. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (22) ﴾ النور . فإذا كان الله عزَّ وجلَّ ــ مع قدرته على العقاب والإنتقام ــ غفورًا رحيمًا .. أفلا نتخلق بذلك فنعفو ونصفح مطيعين أمره فى قوله تعالى : ﴿ إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) ﴾ النساء .. فالمطلوب من المظلوم أن يُبْدى خيرًا ، وأنْ يعفو عن الإساءة ؛ إذ إنَّ العفو من المروءة .. و الله تبارك وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا ، وهو القائل سبحانه : ﴿.. وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ (126) ﴾ النحل .. وقال عزَّ وجلَّ : ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) ﴾ الشورى .
- فالواجب على المسلمين أن يتقوا أسباب الخصومات ، وأن يتجنَّبوا كل ما يُؤدى إليها فى حدود الإمكان ، ومن ابْتُلِى بالخصومة فى مقاضاة ، أو فى بحث شرعى ، أو اجتماعى ، أو سياسى ؛ فليأخذ خصومه بالرِّفق ، لا بالعنف ، وبالحكمة لا بالتهور ، وليكن رائده نصرة الحق لا نصرة رأيه .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛