هل تعلم؟ | الرِّيَـــــــاءُ من أمراض القَـلْـب وهو شِرْكٌ خَفِى مَذْموم مُحْبط للأعمال
الرِّيـَــــــــــــــــاءُ
{من أمراض القلب}
ما هو الرِّيَــــاءُ ؟الرِّيَاءُ هو طلب المنزلة فى قلوب الناس بالعبادة على وجه الخصوص .. فإذا توصل الإنسان للجاه عن طريق إظهار الطاعة والعبادة لله قاصدًا ذلك فهذا هو الرِّيَاء ؛ لأنه قصد الخلائق بطاعة الله ولم يقصد الخالق . وكلمة رِيَاء مشتقة من كلمة: (رُؤْيَة) .. أى : حب رُؤْيَةِ الناس للأعمال والعبادات .. والرِّيَاء بهذا المعنى شِرْك خَفِى ، وهو مذموم فى كتاب الله تبارك تعالى فى مواضع عديدة منها :
- ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) ﴾ الماعون .
- ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) ﴾ النساء .
- ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) ﴾ البقرة .
ويقول الرسول ﷺ : " إنَّ أَخْوفَ مَا أَخافُ عَليْكُم : الشِّرْك الأصْغَرُ " قالوا : وما الشِّرك الأَصْغَرُ يا رسول الله ؟!.. قال : " الرِّيَاءُ .. يقُولُ الله عزَّ وجلَّ يَوم القِيَامة ــ إذا جازَى العِبَادَ بأعمَالِهم ــ اذْهَبُوا إلى الَّذِينَ كُنْتُم تُراءُونَ فِى الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَل تَجِدُون عِنْدهمُ الجَزَاءَ ؟! " ..
ويقول الصحابى شدَّادُ ابنُ أَوْسِ (رضى الله عنه) : رأيت النبى ﷺ يبكى فقلت : مايبكيك يا رسول الله ؟ قال : " إنِّى تَخوَّفْتُ عَلى أُمَّتِى الشِّرْكَ .. أَمَا إنَّهُمْ لا يَعْبُدُون صَنَمًا ، ولا شَمْسًا ، ولا قَمَرًا ، ولاَ حَجَرًا ، ولكنَّهُمْ يُرَاءُون بِأَعْمَالِِهِمْ " .. وقد رأى عُمر بن الخطاب (رضى الله عنه) رجلا يُطأطئ رقبته فى الصلاة فقال : يا صاحب الرَّقبة ، ارفع رقبتك ؛ ليس الخشوع فى الرِّقاب ؛ إنما الخُشُوع فى القلب ..
ويقول النبى ﷺ : " ومَنْ يُرَائِى ؛ يُرائِى الله بِهِ ، ومَنْ سَمَّعََ ؛ سَمَّعَ الله بِهِ " .. ويحذر من عاقبة الرِّياء فى الآخرة ، وأنه يؤدى إلى النار فيقول : " إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوم القِيَامَةِ عَليْهِ .. رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِه ، فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ فَعَرَفَهَا .. قال : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَال : قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدَت .. قَال : كَذَبْتَ ولَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ : هُو جَرِىءٌ ، فقد قِيلَ ، ثم أُمِر بِه فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِه حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ ..." رواه مسلم والترمذى والنسائى عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .
ويستمر الحديث يذكر لنا نهاية كل من تَعلَّم العِلْمَ وعَلَّمه ليُقَال عنه عَالم ، ومن أنفق ماله ليُقَال عنه كريم .. فكل منهم سُحِبَ على وجهه حتى أُلقى فى النار .. فَلَمْ يحبط الرِّيَاء أَعْمَالهم فقط ؛ بل قادهم إلى جهنَّم والعياذ بـ الله .
- قَصْدُ الرِّيَاء ، وهو النية فى القلب .
- مُرَاءَى بِهِ ، وهو الأعمال الصالحة والطاعات على وجهه الخصوص .
- مُرَاءَى مِنْ أَجْلِه ، وهو الحصول على أمر من أمور الدنيا سواء أكان مباحًا أم كان محظورًا .. وبتفاوت درجات هذه الأركان تتفاوت خطورة مرض الرِّيَاء ، وتتراوح درجاته بين المكروه والحرام .. وفيما يلى نقدم بيان كل ركن على حده :
{أولا} قََصْــدُ الرِّيَــاء :
- إِذا قَصَدَ بِعِبَادَته أو أعماله الرِّيَاء فقط : بحيث لو لم يره أحد من الناس لا يأتى بهذه العبادات أو الأعمال أصلا .. فهذا عبادته مرفوضة مردودة عليه ، لا يجنى منها إلا مقت الله وغضبه .
- إِذا قَصَدَ بِأَعْمَالِهِ الثَّواب والرِّيَاءَ مَعًا : فبعض العلماء يرى أن هذا العمل لا ثواب له ، ولا وزر عليه ، بينما يرى البعض الآخر أن قَصْد الرياء محبط للعمل ، ومؤاخذ صاحبه على نية الرياء .
- إِذَا غَلَبَ قَصْدُ الرِّيَاء عَلَى قَصْدِ الثَّوابِ : حَبَطَ عَمَلُهُ باتِّفَاق .. أمَّا إذا غلب قصد الثواب قصد الرياء فقد رأى بعض العلماء أنه مثاب على قدر قصده الثواب ، معاقب على قدر قصده الرياء .
{ثانيا} المُــرَاءَى بِــهِ :
- أن يُرَائى بأَصْل العَقيدة فَيُظهر الإيمان ويُبطِن الكفر : وهذا هو أغلظ أنواع الرياء ، وصاحبه مُخلَّد فى النار لأنه جمع بين وزر الكفر فى الباطن ، ووزر النفاق فى الظاهر .. وقد جاء ذكر هذا الصنف من الناس فى القر آن فى عدة مواضع ، منها : ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) ﴾ المنافقون . ﴿ .. وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ .. (119) ﴾ آل عمران . ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) ﴾ البقرة . وهؤلاء قد توعدهم الله تبارك وتعالى بأقصى درجات العذاب فقال : ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) ﴾ النساء .
- أن يُرائى بالفرائض مع بقاء عقيدة الإسلام فى قلبه : فهو يتكاسل عن أدائها إذا كان منفردًا ولكنه مُقر بفرضيتها ويؤديها أمام الناس فقط .. وهؤلاء حكم عليهم العُلماء بالفِسْق لعدم أدائهم الفرائض .. وبأنهم مُعَاقبُون عقاب المُرائين ، لكنهم لا يخلدون فى النار ، وإنما يمكثون فيها بقدر ما يستحقون على ريائهم .
- أن يُرائى بالنوافل : والعبد مُطالب بالفرائض فقط ، فإن أتى بالنوافل أُثِيب عليها إنْ كان مُخلصًا فيها ، وجبرت ما اعتور الفرائض من نقص غير مقصود .. أما إذا راءى بها أصبح آثمًا ، وعوقب عقاب المُرائين .
- أن يُرَائى بصُورة العبادة : كأن يُطيل الركوع والسجود على خلاف عادته ، أو أن يُظهر الخشوع فيطأطئ رأسه وما إلى ذلك .. فهذا قد ينقص من ثوابه .. وأمره مفوض إلى الله : إن شاء عاقبه ، وإن شاء عفا عنه .
- أن يُرَائى بالمظهر : كأن يطلق لحيته ، أو يلبس الثياب القصيرة التى لا تغطى الكعبين ، أو يلبس الثياب الخشنة والمتواضعة ويمسك المسبحة يتمتم عليها ، أو يتقعر فى كلامه ويتلو بعض الآيات أو الأحاديث ، أو يَدَّعِى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وما إلى ذك من أجل الناس .. وحساب هذا يتوقف على غرضه من هذا الرِّياء ومقصوده منه .
- أن يُرَائى بعلاقته بمن اشتهروا بالعلم والصلاح : فيتودد إليهم ، ويُسَخِّرُ نفسه لخدمتهم ، ويَحُف بهم فى مجالسهم ليس حبًا فيهم ؛ وإنما لكى يعتقد الناس أنه على شاكلتهم أو آخذ عنهم ، متبع لهم ، سالك سلوكهم .. وهذا يتوقف حسابه على مراده من ذلك .
{ثالثا} المُـرَاءَى لأَجْــلِهِ :
- أن يُرَائِى بالطاعة للوصول إلى المَعْصِيَة ــ والعياذ بـ الله ــ كصاحب تجارة ، أو مهنة ، أو حرفة .. إلخ .. يطلق لحيته ، ويُظْهِر العبادات ، ويحج بيت الله الحرام ، فيشتهر بين الناس بالصلاح فيتعاملون معه على هذا الأساس وهو لهم غاش .. وهؤلاء حِسابهم شديد ، وعقابهم فظيع .
- أن يُرَائِى بالطاعة للوصول إلى متاع الدنيا من الأمور المُبَاحة : كأن يتزوج من ابنة رجل صالح ، أو أنْ يجد عملاً يقتات منه ، أو أن يترقى فى وظيفة ، أو يجد مسكنًا لأسرته .. وما إلى ذلك .. وهذا الصنف من الناس أمره مُفوَّض إلى الله .
- أن يُرَائِى بالطاعة خوفًا من سخط الناس أو مِنْ أنْ يصغر فى أعينهم : وقد غفل هذا المُرائى عن أنَّ إرضاء الخلق من الأمور التى لا تُدْرَك ، وأنَّ من أحبَّه كل الناس كان منافقًا .. ومن كرهه كل الناس كان فاجرًا ، وأن مذمة الناس ومدحهم لا تزيد ثواب الله ، ولا تنقصه ، وإنما العِبرة بنظر الله تبارك وتعالى للعبد .
- والرياء نوعان : رياء جَلِىٌّ ، ورياء خَفِىٌّ
أما الرِّياء الجَلىُّ : فهو الذى يكون دافعًا للأعمال أو سببًا لإظهارها .
وأما الرِّياء الخَفِى : فهو داء مستبطن فى القلب أخفى من دبيب النَّمل لا يكون دافعًا للأعمال وإِنَّما يظهر بعد الشروع فيها : مثل أن يقف الإنسان للصلاة قاصدًا الطاعة ، مبتغيًا وجه الله ، فيدخل عليه أحد من الناس ؛ فَيُسَرُّ برؤيته له على هذه الحالة من الطاعة أو العبادة .. فإن صرف هذا الخاطر عنه دون إبطاء : فلا إثم عليه ، أمَّا إذا استقر الخاطر فى قلبه فدفعه للإِطالة فى القراءة ، أو الخشوع فى حركاته ومظهره : بطلت صلاته .. وهناك من ينتظر على طاعته أن يُوقِّرهُ الناس ويقوموا له ، ويقضوا حوائجه ، ويقدموه فى مجالسهم ، فإذا لم يَحْظَ بذلك تضايق واغتاظ .
وهناك من يحدث الناس بطاعته ، وأعماله الصالحة مبتغيًا بذلك الثَّناء عليه ، أو الإِعجاب به ، مما قد يوقعه فى الكَذِب والمبالغة والتدليس . وكل ذلك من أنواع الرِّياء الخَفِى الذى قد يحبط الأعمال .. أعاذنا الله تبارك وتعالى منه بفضله وكرمه .
- عِــلاج الرِّيــاء :
لما كان الرِّيَاءُ مُحْبِطًا للأعمال ، وسببًا لمقت الحق تبارك وتعالى ؛ اعتبره العلماءُ من كبائر المُهلكات التى يجب على المسلم أن يَتنبَّه لها ، ويتق شر الوقوع فيها بمعرفة بواعثها ودوافعها ، والعمل على النجاة منها ، والمسارعة بالعلاج .. وإليك بيان ذلك :
- العلم بأن الباعث على الرِّياء هو : سرور النفس بالثَّناء والحمد ، وتألمها بالذم والإنتقاص ، وطمعها فيما فى أيدى الناس .. وقد يوضح ذلك ما ورد من أن رجلا سأل النبى ﷺ قائلا : يا رسُولَ الله ، الرَّجُلُ يُقَاتلُ حَمِيَّةً (أى يأنف أن يُذم بأنه مقهور مغلوب ) .. والرَّجُلُ يُقاتلُ ليُرى مَكانُهُ (أى يَرَاه الناس مُقاتِلا شجاعًا فيهابوه ويوقروه) .. والرَّجُلُ يُقَاتلُ للذِّكْر (أى ليَذكره الناس بالحمد والثناء) فقال صلى الله عليه وسلم : " مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِى العُلْيَا فَهُو فِى سَبِيلِ الله " .
- مُرَاقَبَةُ النَّفس مراقبة شديدة كما لوكان يراقب عدوًا يتربص به .. فقد قال النبى ﷺ : " أَعْدى أَعْدائِكَ: نَفْسُكَ التى بَيْنَ جَنْبَيْكَ " .. حتى يتأكد من خلوص طاعته لله عزَّ وجلَّ .
- العِلْم بأنَّ خير دوَاء للرِّياء هو الخَفَاء .. فعليه أن يخفى عبادته ، وطاعته ، وأعماله الصالحة ــ التى ليست من الفرائض ــ قدر إمكانه عن الناس .. أما الفرائض ففى إظهارها فائدة الإقتداء ، والترغيب فى الخير ، وإعلان شعائر الإسلام .. والحق تبارك وتعالى يقول : ﴿ إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) ﴾ البقرة .. فقال العلماء : " إن المقصود بالإِبداء والإِظهار : هو الزكاة المفروضة ، والمقصود بالإخفاء : هو صدقة التطوع " .
- العِلم بأنَّ مَدح الناس أو ذمهم لا يفيد ولا يضر العبد ما دام عَملهُ خالصًا لوجه الله .. فعليه أن يقصر همه على رضا الله تبارك وتعالى ؛ لأن رضاء الخلق من الأمور التى لا تُدْرَك .
- العمل على دفع السرور الذى قد يعترى النفس من رؤية الناس لعبادته وعمله الصالح حتى لا يقع فى المحظور .. وأن يكون مناط السرور هو الفرح بفضل الله ونعمته .. فـ الله تبارك وتعالى يقول : ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58) ﴾ يونس .
- اللجوء إلى الله تبارك وتعالى وسؤاله من النجاة من شبهات الرياء .. وإنْ مدحه مادح فليقل : " اللَّهُمَّ إِنِّى أَعْلَمُ بِنَفْسى مِنْهُمْ ، وأنْتَ أعْلمُ بِى مِنْ نَفْسِى .. اللَّهمَّ اجْعَلْنِى خَيرًا مِمَّا يَظُنُّون ، واغْفِر لِى مَا لا يَعْلَمُون ، ولا تُؤَاخِذْنِى بِمَا يَقُولُون ".
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛