هل تعلم؟ | العُجْــــــــــــبُ من أمْراض القَـــلْـــب وهو استعظام النعمة
العُجْـــــــــــــبُ
{من أمراض القلب}
ما هو العُجْــبُ ؟العُجْبُ هو استعظام النِّعمة ، والركون إليها وعدم نسبتها إلى المُنْعِم ، وهو من الآفات الخطيرة التى تصيب كثيرا من الناس ، وهو يختلف عن الكِبْر .. فما الفرق بين الكِبْرُ ، والعُجْبُ ؟! . الكِبـْـرُ : هو أن يكون لدى المُتكبِّر ما يَتكبَّر به ، وأن يكون هناك من يتكبَّر عليه .
والعُجْــبُ : هو إعجاب المرء بنفسه أو بعقله ، أو بأى صفة من صفات الكمال أو الجمال ، وإن كان كمالاً وهْميًا .. فهو معجب بهذه الصفة ، مطمئن إليها ، معتقد دوامها ، غافل عن المُنْعم ــ سبحانه وتعالى ــ الذى تفضل عليه بإنعامه وإحسانه .. بل قد يزيد على ذلك ، فيعتقد أنه مُكْرَم لذاته ، مستحق لهذه النِّعم .. وقد يصل به الأمر إلى اعتقاد أنه سوف ينال مثلها فى الآخرة ، أو أفضل منها ؛ فيقوده كل ذلك إلى الكفر بنعمة الله تبارك وتعالى ..
وقد جاء فى القرآن مثال على ذلك فى قول الحق تبارك وتعالى : ﴿.. وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا (36) ﴾ الكهف . وقوله سبحانه وتعالى : ﴿ .. وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ۚ.. (50) ﴾ فصلت .
كما أن العُجْب قد يؤدى بصاحبه إلى الإفتخار ؛ فينطلق لسانه بذكر محاسنه وما يتمتع به من صفات ، وقد يستبد بنفسه ورأيه ، فلا يستجيب لنصح ناصح ، ويستنكف أن يسأل عمَّا لا يعلم فيزداد جهلا على جهل .. وقد جاء فى القرآن الكريم أمثلة كثيرة لهذا الداء ، والباعث عليه من مختلف النعم التى أطغت أصحابها فنسبوها لأنفسهم ولم ينسبوها إلى الله عزَّ وجلَّ .. وفيما يلى نبين ثلاثة أمثلة فقط على هذا الداء :
- أولا : العُجْـــبُ بالقُـــوَّة :
يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ .. (15) ﴾ فصلت . ويلاحظ أن أن صفة القوة لم تكن حقيقية فيهم ، وأن إعجابهم بهذه الصفة كان وهمًا .. وكاد هذا المرض أن يُصيب بعض الصحابة ــ الذين هم أفضل القرون ــ لولا أن تداركهم الله برحمته ..
كما حكى القرآن عنهم : ﴿ .. وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (25) ﴾ التوبة .. وكان هذا فى غزوة (حُنَيْن) حين قال بعضهم : لن نُغْلَبَ اليوم من قِلَّة .. فأوكلهم الله إلى قوتهم التى أُعجبوا بها ، فانهزموا وأدبروا أمام عدوهم ، ثم تاب الله عليهم ، كما جاء فى قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ﴾ التوبة .
- ثانيا : العُجْـب بالمَالِ والوَلَـدِ :
يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) ﴾ سبأ . هؤلاء لم يكونوا محقين فيما قالوا .. حيث رد الله تبارك وتعالى عليهم قائلا : ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ .. (37) ﴾ سبأ .
- ثالثا : العُجْــبُ بالعَمَــلِ :
يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ .. (8) ﴾ فاطر . وقال عزَّ وجلَّ : ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) ﴾ الكهف . تشير الآيات إلى أن إعجاب هؤلاء بأعمالهم أَعْمَاهم عن حقيقتها ، وهيأ لهم أنها طيبة وصالحة وهى ــ فى حقيقتها ــ أعمال سيئة ضالة أهلكت أصحابها من حيث لا يشعرون .
كما أن إعجاب المرء بعمله قد يفسده ــ ولو كان عملا صالحًا فى أصله ــ كما جاء فى قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ .. (264) ﴾ البقرة .. والمَنُّ لا يكون إلا من استعظام المُنْفق لنفقته ، وإعجابه بإنفاقه .. وكما حدث من بعض الأعراب حين تملَّكهم العُجْبُ بإسلامهم ، فحكى القرآن عنهم : ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (17) ﴾ الحجرات .
ويلاحظ مما سبق أن العُجْبَ وَهْمٌ كبير يكمن وراءه الشيطان ليُضل بِهِ الإنسان عن الحق ، أو ليُفْسد به عمله الصالح ويُحْبِطَهُ .. وأساس هذا الداء رؤية الإنسان للنعمة بأسلوب يحجب عنه رؤية المُنْعِِم الذى إن شاء أعطى وإن شاء أمسك . فكـيفَ يَـرى النَّـاس النِّعْـمَة ؟!
الناس فى رؤيتهم للنِّعمة واستقبالهم لها ثلاثة أصناف : - صنف يعلم أن النِّعمة مِنَّة من الله وفضل ؛ فلا ينسبها لنفسه ، ولا تحجبه عن رؤية المُنْعم ؛ فيشكر الله عليها ، ويشفق من زوالها وعدم دوامها .. فالمانح مانع ، والباسط قابض .. ولا يكون مطمئنًا لكمالها ، ويخشى أن يكون مُقَصِّرا فى أداء ما عليه فيها .. فلو كانت طاعة لله مثلا لرأى فى نفسه التقصير ، ولو ضمن كمالها لم يضمن قبولها فهو على وَجَل من ذلك .. وهؤلاء يقول الحق تبارك وتعالى عنهم : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) ﴾ المؤمنون . والإشفاق خوف مع زيادة اعتناء .. ومن هؤلاء كان " عمر بن الخطاب " ــ أفضل الصحابة بعد " أبى بكر الصديق " ــ الذى رُوى عنه قوله : ليت أُم عُمر لمْ تلد عُمر .. ليتنى أخرج منها كفافًا لا لِى ولا علىّ .. يقول ذلك وهو الإمام الأواب ، الناطق بالصواب ، الموافق حُكْمُه حكم الكتاب ، الذى قال فيه رسول الملك الوهاب : " لَوْ كَان بَعْدِى نَبِىٌّ لَكَان عُمَر بْن الخَطَّاب " .
- صنف يعلم أن النِّعمة من الله فيشكره عليها ويفرح بها ، يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58) ﴾ يونس .. ولكنه غير مشفق من زوالها ، لا يشعر بالوجل أو الخوف من التقصير فى أداء حقها .. قد ألهته النعمة عن الإهتمام بما اهتم به السابقون .. وهذا الصنف من الناس على خطر من أن ينزلق إلى الصنف الثالث .
- صنف يفرح بالنعمة ويركن إليها فتحجبه عن المُنْعِم ؛ فلا ينسب النعمة إلى المنعم بل ينسبها لنفسه ويرى أنه استحقها عن جدارة ، وهذا هو الصنف الذى أصابه داء العُجْب وتمكن من قلبه .. وإذا لم يتدارك نفسه بالعلاج هلك .. لذلك يقول النبى ﷺ : " ثَلاَثٌ مُهْلِكَاتٌ : شُحٌّ مُطَاعٌ ، وهَوًى مُتَّبَعٌ ، وإِعْجَابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ " . أخرجه البزار والطبرانى وأبو نعيم والبيهقى عن أنس (رضى الله عنه) .
- مظاهر العُجْب على الإنسان :
- يغفل عن ذنوبه ، أو يستحقرها فلا يستغفر منها أو يقلع عنها .
- يستعظم طاعته وعبادته فَيَمُنَ بها على الله .
- يستبد بنفسه وبرأيه وعقله ، فلا يستمع لنصح ناصح .. ولا يسأل عن شىء لا يعلمه ، فيزداد جهلا على جهل ، ويُصاب بأمراض أخطر وأفدح .
- التفاخر بالحَسَب والنَّسب وجمال الخلقة .
- توقع الجزاء الحسن والمغفرة وإجابة الدعاء دائمًا .
- التقليل من شأن العلماء الأتقياء ، وقلة الإصغاء إليهم .
- الفتور فى الطاعة لظنه أنه قد وصل إلى حد الكمال .
- التفاخر بالعلم والمباهاة به ، وعدم استشارة العقلاء .
- عــــلاَجُ العُجْــــبِ يتلخص فى الأمور الآتية :
- العلم بأن النعم بجميع أنواعها وأشكالها من : مال ، وجاه ، وجمال ، وقوة ، وطاعة ، وصلاح ، ونسب ــ من فضل الله وليس باستحقاق العبد ، أو بجهده ، أو بتدبيره ، يقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ.. (53) ﴾ النحل .. وعلى العبد أن يتفكر فى نفسه ، وفى أقذار بطنه فى أول أمره ، وفى آخره ، وفى الوجوه الجميلة ، والأجسام الناعمة كيف تمزقت فى التراب ، وأنتنت القبور ، حتى استقذرتها الطباع .
- العلم بأن نعم الدنيا غير دائمة ، وأنها إلى زوال : إما بانتقالها عنك ، أو بانتقالك أنت عنها .. فالموت قادم لا محالة ، يقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ (45) ﴾ الحج .
- العِلْم بأن النعم أمانة وأن الإنسان مسئول عنها يوم القيامة فيما عمل فيها ، يقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) ﴾ التكاثر .
- العلم بأن الدنيا دار عمل ، وليست دار جزاء .. فما من نعمة فيها إلا وهى اختبار وابتلاء ، يقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ .. وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) ﴾ الأنبياء .. فيجب أن تُستخدم فيما خلقت له ، وليس للإختيال أو الإفتخار .
- العلم بأن الله لا يجب عليه شىء ؛ فلا تعجب بطاعتك وعبادتك وعملك للخير ؛ فقد لا يصادف القبول ، أو يفسده بعض الرِّياء ، أو المَنَ والأذى .. وقد قال النبى ﷺ : " لن يُدْخِلَ أَحَدَكُم الجنَّةَ عَمَلُهُ .. قَالُوا ولاَ أنْتَ يارسُولَ الله ؟! قَالَ : وَلاَ أنا إلاّ أَنْ يَتَغمَّدَنِى الله بِرَحْمَتِهِ " .
- العلم بأن المقياس فى التفاضل بين الناس هو التقوى ، وليس أى شىء آخر ، يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ﴾ الحجرات .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛