رجال حول الرسول | خُبَيْــبُ بنُ عَــدى المَصْلُوبُ الطَّـائـر
خُبَيــْــبُ بنُ عَــــــدىّ (رضى الله عنه)
المَصْلُوب الطائر
فمن هو ؟- هو خُبيْب بنُ عدى زينة شباب الأوس ، ومن السابقين فى الإسلام ، ومن أشجع الأنصار ، وأشدهم تَصلُّبًا فى الحق ، وأبلى بلاءً حَسنًا فى غزوة بدر ، وهو أول مَصْلُوب فى الإسلام .
- هو الذى سنَّ صلاة ركعتين لمن قُتل صبرًا ، لم يُدفن ولم يُعرف له قبر ، واختفت جثته واختفى جسده عن الأنظار ولم يُعلم له مكان .
- خُبيْب بنُ عدى شهد بدرًا مع الرسول ﷺ وفى بدر قَتل خُبيْب رجلا من صناديد قريش يُدعى الحارث بن عامر بن نوفل ، وحينما طار الخبر إلى أهل مكة بمقتل الحارث بن عامر وعلم بنو الحارث أنَّ خُبيْب بنُ عدى هو قاتل أبيهم فحفظوا ذلك الإسم ليثأروا منه ، ويشاء الله أن يأمر النبى ﷺ سرية مكونة من عشرة رجال يتتبعون أخبار قريش وأَمَّر عليهم عاصم بن ثابت وكان فى هؤلاء الرهط خُبيْب بنُ عَدىّ .
- خرج هؤلاء الرجال العشرة يتتبعون أخبار قريش وفى بعض الطريق إلى مكة وصل خبرهم إلى بنى لحيان من قبيلة هزيل فتتبعوا أثرهم فى مائه من الرماة حتى أدركوهم فلجأ الرجال العشرة إلى قمة من قمم الجبال الموجودة فى الطريق فإذا بهؤلاء الرماة المائه يحاصرون العشرة رجال ونادوهم : أن ألقوا ما بأيديكم ولكم العهد والميثاق لا يصل لكم منا أذى .
- أعطوهم العهود والمواثيق ألا يقتلوهم ولا يصيبوهم بشر فتشاور العشرة ثم التقوا بأميرهم عاصم بن ثابت الذى أَمَّره رسول الله ﷺ عليهم وسألوه فقال عاصم : أمَّا أنا فو الله لا أَنْزل فى زِمة مُشرك ، اللَّهم بَلغ عنَّا نبيك .
- بدأ التراشق بين الرماة وبين أصحاب النبى ﷺ فقُتِلَ عاصم بن ثابت ومعه سبعة من الرجال ولم يبق إلا ثلاثة نزلوا إليهم على العهد والميثاق : خُبَيْب بنُ عَدى ، وزيد بن الدثنة ، وعبد الله بن طارق ، فلما تمكنوا منهم أوثقوهم ، فقال عبد الله بن طارق : هذا أوَّلُ الغَدْرِ ، و الله لا أَصْحَبُكُم ، إنَّ لى بهؤُلاء لأُسْوة (يقصد إخوانه الذين قُتِلُوا) وقاومهم وأبى أن يصحبهم فَقَتَلُوه ولم يبق إلا إثنان : خُبيْب بنُ عدىّ ، وزَيْد بن الدثنة وانطلقوا بهما إلى مكة .. فباعوا خُبيبًا إلى بنى الحارث ليأخذوا ثأرهم منه ، وباعو زيد بن الدثنة الذى قَتَل عُقْبة بن أبى مُعيْط فى غزوة بدر إلى أهل عُقبة بن أبى معيط .
- أخذ بنو الحارث خُبيبًا فأوثقوه ، وسجنوه ، وساموه سُوء العذاب محاولين أن يردوه عن دينه ، فلم يُفْلِحُوا ، فأخبروه بِقَتْل زميله زَيْد بن الدثنة حتى تنهار مقاومته .. فما زاده ذلك إلا إصرارًا على التمسُّك بدينه وعقيدته فقرَّروا قتله ، والخلاص منه .. فاسْتعَار من بعض بنات الحارث مُوسا ليزيل به شعر إبطه وعانته حتى يستعد للقاء الله فأعارته إيَّاها ، وكان لها صَبىٌّ صغير فغفلت عنه فحبا حتى وصل إلى خُبيْب بن عدى فى محبسه ، وطار عَقْلُ المرأة ، وأسرعت فوجدت صبيَّها يَجلسُ على فخذ خُبيب بن عدى والموس بيده ، ففزعت المرأة فزعة رآها خُبيب فى عينيها فقال : أَتَحْسَبِينَ أنِّى أقْتُلُه ؟! مَا كُنتُ لأفْعلَ ذَلكَ !! ..
- كانت الفرصة فى يد خُبيب أن يَقْتل ابن هذه المرأة وفى يده المُوس ، ذلك السلاح القاطع أو يهدد بِقتْل الغلام أو يحتفظ به كرهينة حتى يَفكُّوا وثاقه ، ويعطوه فرسًا وسيفًا ليهرب إلى المدينة ويَنْجوا بنفسه ، ولكن أصحاب النبى ﷺ لم يتعودا على الخِيانة أو الغدر أو إرْهَاب النساء والصبيان ، ولو فعل ذلك لأصبح قاتلاً ، أو إرهابيًا ، وما استحق أن يكون صاحبًا لمن بُعِثَ ليتمِّمَ مكارم الأخلاق .. ما أعظم الإسلام وما أعظم ما يدعوا إليه من عدل وسماحة ، وعدم أخذ أحد بجريرة أحد أو بذنبه .
- تقول أُمُّ الصبى : و الله مَا رأيْتُ أَسيرا خَيرًا من خُبيب ، و الله لقد وجدته يومًا يأكل قُطْفًا من عِنَبٍ فى يده ، وإِنَّه لَمُوثق فى الحديد ، وما بِمَكَّة من ثَمرة ، إنَّه لرِزقٌّ رزقه الله خُبيبًا . رواه البُخارى عن أبى هريرة (رضى الله عنه)
- لما أجمع القوم أن يَقْتلوا خُبيبًا ؛ خرجوا به من الحَرَم إلى التَّنْعيم ليقتلوه فى الحِلِّ ، ولا يقتلوه فى الحَرَم .. فطلب منهم أن يُصلِّى ركعتين .. فتركوه فصلى ثم قال : و الله لَوْلا أنْ تَحْسبُوا أنَّ مَا بِى جَزَعٌ من المَوْتِ لَزِدْتُ .. فكان خُبيْبٌ أوَّل منْ سنَّ صلاة ركعتين لمن يُقْتل صَبْرًا (أى ينتظر القتل كالمحكوم عليه بالإعدام وكالمنتظر إقامة الحد عليه وكل من يعلم أنه سوف يُقْتل) .
- قبل أن يُوثق خُبيْب على الصليب يأْتيه أبو سفيان ويقول له : يا خُبيبُ ، أتُحبُّ أن تكون فى أَهْلك وَوَلدِكَ مُعَافى آمنًا ويكون مُحمَّدٌ فى مَكانك ؟!.. فانتفض خُبَيْب وقال : لا و الله ما أُحِبُّ أنْ أكون فى دَارِى آمنًا مُعافى ومَعى الدُّنْيَا وما فيها .. ويُصَابُ مُحمدٌ بِشَوْكةٍ .. فيضرب أبو سفيان كفًا بكف ويقول : والله ما رأيتُ أحدًا يُحبُّ أحدًا كمَا رأْيتُ أصحاب مُحمدٍ يُحِبُّونَ مُحمَّدًا !!!
- يقوم بنو الحارث بإعداد صليب من جذوع النخل ليصلبوا عليه خُبيبًا فينظر إليهم رجلاً رجلاً ويقول : اللَّهم أَحصِهم عَددا ، واقْتُلهم بددا ، ولا تُبق منهم أحدًا .. فقام إليه عقبة بن الحارث فرماه بالنبل فقتله ، فلم يشهد مقتل خُبيب أحدًا إلا وقُتِل كافرًا ، ثم أنشد شعرا يقول فيه :
إلى الله أشكُوغُرْبتِى بعد كُرْبَتِى ...... وما جَمَع الأَحزابُ لى عنْد مَصْرَعىولست أُبَالى حين أُقتل مُسلمـًـا ....... على أى جَنْب كانَ فى الله مَصْرعِىوذلك فى ذَاتِ الإله وإن يَشــــأ ....... يُبَارك على أَوْصال شَلْوٍ مُمَــزَّعوقد عَرضُوا بالكُفر والمَوتُ دُونَه ..... وقد زَرفَتْ عَيْنَاى من غَيْر مَدْمَـــع
- ويُقتل خُبيب بن عَدىّ ، يقتله بنو الحارث أخذا بثأر أبيهم ثم تقف جماعة تحرس الجسد الطاهر ويتركوه معلقا على الصليب .
- استجاب الله عزَّ وجلَّ لعاصم بن ثابت أمير السرية عندما عاهد الله ألا يَمسَّه مشرك ولا يمس مشركًا ، فأرسل جبريل (عليه السلام) فأخبر النبى ﷺ بالخبر ، فأرسل النبى ﷺ الزبير بن العوام ، والمقداد بن عمرو بفرسيهما إلى حيث قُتل عاصم بن ثابت ليدفنوه ، وأرسل عمرو بن أمية الضمرى إلى حيث صُلب خُبيْب بن عَدى لدفنه حتى لا يظل مُعلقًا على الصليب ، ويذهب عمرو متخفيًا يتحين الفرصة لتنفيذ أمر رسول الله ﷺ ويحكى ويقول : جئت إلى خشبة خُبيب فرقيت فيها وأنا أتخوف العيون ، فأطلقته فوقع على الأرض ، ثم اقتحمت ، فالتفت ، فكأنما ابتلعته الأرض ، أو رفع إلى السماء ، ولم يعثر لجثة خُبيب على أثر .
- هكذا كان خُبيب بنُ عدىّ أول مصلوب فى الإسلام فى سبيل الله .. ولا يعلم أحد أين ذهب جسده الطاهر وكأن الأرض انشقت وابتلعته أو كأنه طار إلى السماء ، أمًّا عاصم بن ثابت فقد حمله السيل ولا يعلم مكانه أحد .
- عندما علم النبى ﷺ بما حدث لأصحابه ظل يدعو على هذيل وذكوان شهرًا من أجل عَاصم بن ثابت ، ومن أجل خُبيب بن عدى الذى مات فى أول الإسلام ، ولم يشهد فتح مكة ، ولم يسمع آذان بلال تردده جنبات مكة ، ولم ير مشركى مكة يقفون أسارى بين يدى رسول الله ﷺ يقول لهم : ما تَظنون أنى فاعل بِكم ، فيقولون : خيرا أخ كريم وابن أخ كريم .
- خُبيب بن عدى الذى ضرب المثل لأصحابه وأصحاب النبى ﷺ فى الفداء ، وضرب المثل فى الحُب لرسول الله ﷺ ، وضرب المثل فى الرجولة ، وضرب المثل فى الثبات على الإيمان ، وضرب المثل فى كل القيم الإسلامية لأصحاب النبى ﷺ ولشبابهم ولأمة النبى ﷺ إلى أن تقوم الساعة . ᮷
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛