التربية فى الإسلام | آداب المعاشــــرة (الحياة الزوجية سكن ومودة ورحمة)
آداب المُعَـاشَــــرَة
على الرجل أن يعرف أن المرأة خُلقت من ضلع من أضلاع آدم (عليه السلام) لتكون جزءًا منه تكمل به ويكمل بها .. والضلع أقرب ما يكون من القلب .. وهو المكان الطبيعى للزوجة ؛ فعليه أن يعاملها بقلبه وليس بعقله إذ إنه لو عاملها بعقله لأتعبها وأتعب نفسه .. فالقلب منبع العواطف وهى الرباط المتين الذى يربط الرجل بالمرأة : الحب .. الحنان .. العطف .. المودة .. وكذلك على المرأة أن تعرف مكانها من زوجها .. فتتقرب إليه من خلال قلبه ومشاعره .
قال الحق تبارك وتعالى : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ.. (21) ﴾ الروم . فالزواج من سنن الحياة وهو من سنن الأنبياء .
وقال رسول الله ﷺ : "إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينهُ وخُلقهُ فَأَنْكِحُوهُ" عن أبى هريرة (رضى الله عنه) . ذلك لأنه إن أحبها أكرمها ، وإن كرهها لم يظلمها .
ونصح النبى ﷺ فى اختيار شريكة الحياة فقال : "تُنْكحُ المَرأةُ لأَرْبعٍ .. لِجَمَالِهَا ، ومَالِها ، ولِحَسَبِها ، ولِدِينِهَا ، فَاظْفرْ بِذاتِ الدِّينِ تَرِبتْ يَداكَ" عن أبى هريرة (رضى الله عنه) . إذ إن المال والحسب زائلان والجمال كذلك ، وإن لم يذهب الجمال فما تملكه اليد تزهده العين .. أما الدين فهو منبع الإخلاص والوفاء والخلق الرفيع ، وذات الدين تحفظ زوجها فى : ماله ، وعرضه ، وأولاده ، وتكون طائعة طَيِّعَة تعرف حق زوجها .
ولذلك حذر النبى ﷺ من سوء الإختيار قائلا : "إِيَّاكُمْ وخَضْراءَ الدِّمَن" . قالوا : وما خضراء الدمن يا رسول الله .. قال : "المَرْأةُ الحَسْناءُ فِى المَنبَتِ السُّوءِ" رواه الداراقطنى عن أبى سعيد الخدرى (رضى الله عنه) .
وكذلك نصح النبى ﷺ الأُّمَّة بالزواج والتناسل فقال : "تَزوَّجوا الوَدُود الوَلوُد فإنِّى مُكاثِرٌ بِكمُ الأُّمَمَ" .
هذا وقد أوصى الرسول ﷺ الرجال بنسائهم فى خطبة الوداع فقال : "ألا واسْتوْصُوا بالنِّساء خيْرًا فإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدكم ، اسْتحللتُمْ فُروجهُنَّ بِكلمةِ الله وسُنَّة رسُولهِ ، لا تَضْربُوا الوَجْه ولا تُقبِّحُوهُ" .. وكلمة عوان أى أسرى .. وقد أوصى الله تبارك وتعالى بالأسير ، وأوجب الإحسان إليه ، وأثنى على المحسنين على الأسرى من الأعداء فقال : ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) ﴾ الإنسان . فكيف إذا كان الأسير حبيبًا وليس عدوا ؟! .
هذا وإذا تزوج الرجل فعليه أن لا يغفل عن رضاء أبويه عن الزوجة التى اختارها .. كما عليه أن لا يغفل عن أن رضاءهما مُقدَّم على إرضاء زوجته .. أما الزوجة فرضاء زوجها مقدم على إرضاء أبويها .
واجبـــات الزوج :
على الزوج أن يعتنى دائما وأبدا بتغذية امرأته جسدًا وروحًا .. وتغذية الجسد فيه الأجر والثواب لقول الرسول ﷺ : " .. حَتى مَا تجعلُ فى فِى امْراتِكَ" أى : يكون لك صدقة .. أما تغذية الروح فتكون بالكلام الجميل الطيب الذى يداعب أحاسيسها المرهفة ..
والمراة لا تمل من سماع كلمات الحب والإعجاب مهما بلغت من العمر ، ولا بد للرجل أن يشبع رغبتها فى ذلك مهما خالف قوله الحقيقة فقد أباح الشرع له الكذب عليها كسبا لمودتها وحبها .. كما أن ملل الرجل من زوجته أو الزهد فيها ليس مبررًا لطلاقها بل قد يجد فيها الخير كل الخير لقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ .. فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) ﴾ النساء .
كما يحظر على الرجل أن يبخل على امرأته ؛ فأشد ما تكرهه الزوجة هو بخل الزوج عليها .. كما تكره الزوجة أن يراها الزوج على غير زينة لذلك قال الرسول ﷺ : "لا يَطْرُقُ أَحدُكُم أهْلهُ ليلاً حتَّى تَمْتشِطَ الشَّعْثةُ وتَسْتحِدَّ المغِيبَةُ" .. أى إذا سافر الزوج فلا يصح له أن يفاجئ زوجته بالحضور ليلا وهى غير مستعدة لاستقباله بل عليه أن يخطرها بموعد حضوره حتى تمشط شعرها ، وتتجمل ، وتتزين له فيراها فى أبهى صورة وأحلاها ..
ولإتيان المرأة آداب .. فلا يصح للزوج أن يأتى امراته دفعة واحدة دون تمهيد ودون إعداد ، فتلك فطرة وغريزة نراها فى الطيور والحيوانات : فالطاووس مثلا ينفش ريش ذيله ، ويهزه ، ويمشى مختالا أمام الأنثى قبل أن يأتيها .. وكذلك العقرب يراه يتراقص أمام أنثاه قبل الجماع .. وهكذا .. فكيف بالإنسان ؟! وعلى الزوج أن يتزين ويتعطر لامرأته كما يجب أن تفعل هى ذلك له ..
هذا ولا يصح للزوج أن يجامع امرأته وهما عريانان لقول النبى ﷺ : "لا يُجَامعُ أحدُكُم امْرأَتهُ وهُمَا عُرْيَانَان كَشيْطانيْنِ" .. فلا بد من غطاء ولو ملاءة رقيقة .. وعلى الرجل كلما أراد أن يأتى امرأته أن يستعيذ بـ الله من الشيطان لقول النبى ﷺ : "أَمَا لو أنَّ أحدهُم يقولُ حين يَأْتى امرأَتهُ : بِسْم الله ، اللَّهمَّ جَنِّبنا الشَّيطان وجَنِّب الشَّيطَان مَا رزقْتَنا ، فإنْ قُدِّر بَينهُما فى ذلك أو قُضى ولدٌ لمْ يَضُرهُ الشَّيطانُ أَبدًا" .
وقد سن الرسول ﷺ لنا أن ينام الرجل وامرأته فى فراش واحد كما ورد عنه مع نسائه صلى الله عليه وسلم وليس فى فراشين منفصلين أو غرفتين منفصلتين كما يفعل بعض الاعاجم أو المترفين .
كما لا يصح أن يتكلم الزوج مع أحد عن علاقته بزوجته أو يشكوها لأهله أو لأهلها أو لأصدقائه ؛ فالشكوى علامة ضعف لشخصيته ، كما أنه لا يثق فى صدق نصيحة من يشكو إلى امراته فتشعر بالإهانة أو الإحتقار لهذا الذى يشكوها ولا يستطيع أن يتفاهم معها لإزالة أسباب الشكوى .
واجبــات الزوجـــة :
ومن ناحية اخرى فعلى المراة أن تعرف أن مكانتها من زوجها هو قلبه فتلزم هذا المكان ، وتحافظ عليه طوال حياتها ، كما يمتنع عليها أن تدخل أحدا إلى بيته دون إذنه أو أم تخرج من بيته دون إذنه ، وليكن خروجهما معا حتى تحدث الألفة بينهما والإنسجام والتوافق ، وعليها أن تحرص على خدمته بنفسها مهما كان عندها من الخدم فتعد له طعامه بنفسها وتهيئ له فراشه ، وكلما زاد اعتماد الزوج على زوجته امتنع عليه الأستغناء عنها .. وبقدر تفانى الزوجة فى خدمة زوجها ومراعاة شئونه وطلباته فى البيت كلما تمكنت من قلبه ..
ويحظر على الزوجة أن تفشى سر زوجها أو تشكوه لأحد مهما كانت درجة قرابتها منه أو صداقتها له فتلك خيانة تعاقب عليها عقوبة الخائنين .. وقد أمر سيدنا إبراهيم الخليل ابنه إسماعيل (عليهما السلام) بطلاق امرأته حين شكت إليه شظف العيش وضيق ذات اليد ..
وبزواج المرأة أصبحت القوامة والأمر والنهى لزوجها بعد أن كان ذلك لأبيها .. وعليه فرضاء الزوج مقدم على رضاء الأب والأم ، بل يأتى إرضاء الزوج بعد إرضاء الله تبارك وتعالى مباشرة ، وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول : "ولو كُنْتُ آمرا أحدًا أنْ يَسْجد لأَحَدٍ لأَمرتُ المرأَة أنْ تَسجد لِزَوجِها" .
كما لا يجوز للزوجة أن تصوم صيام تطوع إلا بإذن زوجها فهى لا تستأذنه فى أداء الفرائض وإنما يجب عليها أن تستأذنه فى أداء النوافل .. وكذلك يحرم عليها أن تمتنع عليه إذا أرادها لنفسه إلا أن يكون هناك عذر شرعى فإن امتنعت عليه بغير عذر باتت تلعنها الملائكة حتى تصبح كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ ..
ويحرم على الزوجة أن تاخذ من مال زوجها بغير علمه إلا أن يكون ممسكًا عليها وعلى أولاده فى النفقة مع مقدرته ، فلها أن تاخذ ما يكفيها ويكفى أولاده بالمعروف بغير إذنه
وعلى المرأة أن تراعى التطهر بعد المحيض ، وأن تكون دائما فى أجمل وأبهى صورة ، وتحرص على أن لا يرى الزوج منها ما يكره ، أو يشم منها ما يؤذى ، أو يسمع منها ما ينفر ، ولتعلم أن أعظم القربات إلى الله هو حسن تبعل المرأة لزوجها كما نبه لذلك نبينا ﷺ والتبعل هو حرص المرأة بكلامها ، وأفعالها ، ولبسها ، وزينتها على أن تكون مرغوبة من الزوج .
هذا وعلى الزوجين معا أن يحرصا على دوام المودة والألفة بينهما ، وأن يُؤْثِر كل منهما الآخر على نفسه فى كل شئ .. وأن يسود التفاهم بينهما فى كل الأمور فإن حدث خلاف بينهما فلا يجب أن يخرج هذا الخلاف خارج جدران الزوجة من بيت زوجها أو يخرجها هو منه حتى أن الله تبارك وتعالى أمر أن تعتد المرأة المطلقة فى بيت زوجها بقوله : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا (1) ﴾ الطلاق .
هذا وقد شرع الله تبارك وتعالى وبيَّن وسائل الإصلاح بين الزوجين إذا اشتد الخلاف بينهما فى محكم كتابه فلا يصح تعدى ما أمر الله به فى قوله : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35) ﴾ النساء .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛