قراءة فى | متتاليات رمضانية فى الزمن القديم والحديث

 متتاليات رمضانية 

فى الزمن القديم والحديث


تتوالى الأيام ، تنطوى ومعها ننطوى ، تنقضى شيئًا فشيئًا ، ظلال تلك الرحلة ، التى ندفع فيها بقوة هائلة لا ترد إلى جهة بعينها ، لابد أن يبلغها كل منا فى يوم ما ، ساعة ما ، لحظة ما

خلال تلك الرحلة محطات ، علامات خاصة بكل إنسان ، يوم مولده ، يوم إتمام الدراسة ، يوم نجاته من خطر محدق آت من خارجة أو من داخلة ، أو مناسبات محددة . 

لذلك يعد شهر رمضان من العلامات الفارقة ، البارزة لكل الأطفال والكبار المسلمين ينتظرون قدوم أول أيامه ، فهو ضيف عزيز طيب الإقامة يحب معه كل جميل ، فبمجرد ثبوت الرؤية فور الإعلان عن أول أيام الصيام غدًا تبدأ ملامح الواقع فى التغير  من ابتهاجهم بقدوم العيد ، وانتظار الملابس الجديدة .

ولأن العفاريت تفقد حريتها فى رمضان فهذا يعنى الحرية والإنطلاق للصغار واللعب مع الأقران إلى ما بعد منتصف الليل ، ويبدأ باعة الفول فى الظهور فى الشوارع ، لكل منهم موقع معلوم ، ويبدأ طواف باعة الزبادى ، ينادون عليه إذ إنه من لوازم السحور .

الفول المدمس والزبادى والشاى ، لا تخلو مائدة من تلك الأصناف ، سواء موائد الأثرياء أو الفقراء ، الكل فى السحور سواسية ، وعند الغروب يكتسب الإفطار مذاقًا خاصًا فما يجىء بعد تطلع وانتظار يكون له حلاوة استثنائية ، فى الإفطار عناية خاصة بالطعام ، لا يخلو يوم من مرق وخضار ولحم ، أما الحلوى فتتحول من طبق استثنائى إلى ثابت ، إمَّا كُنافة أو قطايف . كانت رائحة الفانيليا وقدح السمن البلدى وتحمير الكنافة فوق نار هادئة من معالم الفترة .

حتى نهاية الخمسينات ، لم يكن التليفزيون قد بدأ بعد ، وكانت الإذاعة بمفردها فى الأثير ، وأشهر ما تقدمه بعد تسجيلات كبار القراء للقرآن الكريم ، مسلسل ألف ليلة وليلة ، يلى الإفطار إنطلاق الصغار إلى الحارة حيث اللعب والمرح آمنين من شر العفاريت ثم العودة إلى البيت لتناول الكنافة والقطايف والمكسرات .

صلاة التراويح

أهم ما يميز هذا الشهر الفضيل صلاة التراويح بعد صلاة العشاء وإمتلاء المساجد بالمصلين من الكبار والصغار والنساء للصلاة فى جماعة ، والإنتظار للصلاة مع إمام المسجد ، وسماع تلاوة القرآن منه ، وتصافح المصلين مع بعضهم البعض وهى من السنن التى سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة فى هذا الشهر الكريم كما نرى البسمة والفرحة على وجوه المصلين ويقولون لبعضهم البعض : ( كل سنة وأنت طيب ) .

المسحراتى 

اصحى يا نايم .. قوم وحد الدايم .. "

كذلك المسحراتى إحدى العلامات الأساسية فى رمضان ، يقوم المسحراتى بإمساك عصا غليظة يقرع بها أبواب الحارة ، وكان صوته قويًا ، يتوقف أمام باب كل بيت بعد أن يقرعه بالعصا ، ثم يذكر الأسماء فردًا فردًا باسم صاحب البيت . " اصحى يابو فلان وحِّد الله ... قوم يا بوفلان .. وحِّد الدايم " ، وينتقل إلى المنزل التالى وهكذا .

مع توالى الزمن واتساع المدينة اختفى المسحراتى ولم يعد دوره أساسيًا ، كما أن الفترة الفاصلة بين الإفطار والسحور اتصلت بفضل البرامج التليفزيونية والمسلسلات المتعاقبة المتنافسة على شتى القنوات .

بعد ظهور التليفزيون ، تراجع السهر والحوار ، أصبحت الأنظار كلها تتجه صوب الصوت والصورة ، من مسلسل إلى برنامج ومن برنامج إلى مسلسل ، حتى حلت الفضائيات بتنوعها ، فانتفى الوقت وصار أضيق من أن يستوعب المتابعة ، الكل ينظر فى اتجاه واحد إلى الشاشة ، الكل صامت ، يصغى وأحيانا يعلق ، هكذا لم يعد هناك أيضًا نوم بين الإفطار والسحور .

فى السنوات الأخيرة انتشرت ظاهرة مآدب الإفطار الجماعية فى النوادى والجمعيات والنقابات فى كل سنة قبل حلول الشهر الكريم ، وانتشرت ظاهرة موائد الرحمن فى شوارع القاهرة ، وأصبح بعضها مشهورًا بجودة ما يقدمه من طعام ، ومما يثير الدهشة جلوس البعض لمدة ساعات تحت شمس القاهرة الحارقة انتظارًا للإفطار ، يجيئون مبكرين لحجز بعض الأماكن .

الكنافة والقطايف 

كان من معالم هذا الشهر الفضيل إعداد الكنافة والقطايف فى البيت ، فالكنافة لا تكون حقًا وفعلاً إلا فى رمضان ، كانت توضع فى صينية من النحاس أو الألمونيوم تغطى بطبقة رقيقة من السمن الأبيض وتوضع على نار الموقد الهادئة حتى إذا ساح السمن تبدأ فى رص شعيرات الكنافة حتى تغطى الأرضية ، وتنثر حبات الزبيب ، ثم تضع طبقة أخرى من الشعيرات وترش الزبيب حتى يتم التسوية .

وفى منتصف الستينات تم انتاج فرن يشتعل بالغاز المضغوط " البوتاجاز" وكان محلى الصنع ذا شعلتين سطحيتين قويتين ، وأخرى صغيرة لإعداد الشاى أو القهوة وساعد ذلك على وضع صينية الكنافة داخل الفرن مما ساعد على نضجها فى وقت قصير ، وكان هناك ما يسمى " بالمخروطة " تُؤكل باللبن مع السمن وأكلات أخرى تسمى " بالكسكسى " ، ولكنها بدأت فى الإنقراض لم يعرفها كثير من الناس .

الفانوس 

من مظاهر هذا الشهر الكريم انتشار الفوانيس ، وهى ظاهرة قديمة ربما يعود عصرها إلى العهد الفاطمى  حيث تنتشر داخل البيوت وفى الشوارع ، وكانت تُضاء بالشموع ، أمَّا فى السبعينات ومع زمن الإنفتاح الإقتصادى اختفى الفانوس التقليدى برشاقته وتناسقه ، وحل مكانه الفانوس التايوانى المصنوع من البلاستيك والذى يضاء ببطارية صغيرة 

لذلك نجد شهر رمضان مهما تبدلت معالمه ما زال هو نفسه علامة أساسية من علامات الزمن ، يأتى فى فصل الشتاء وبعد سنوات يأتى فى فصل الخريف ، وبعد سنوات أخرى يأتى فى فصل الصيف ، أحد عشر يومًا تقريبًا يعود كل عام بالقياس إلى السنة الميلادية 

بالرغم من كل المتغيرات والعلامات ، يظل رمضان شيخًا طيب الملامح ، أبيض الثياب ، لحيته كثة ، يجىء مثيرًا للبهجة ، وإذ يقارب على الرحيل يتأجج الحنين ، ويدركنا الأسى فى العشرة الأواخر عندما نبدأ فى الإصغاء إلى تواشيح الوداع .. 

ما أوحش الله منك يا شهر الصيام ... 🅪

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛