الدين المعاملة | الأخـوة فى الله عبادة وقربة إلى الله

 الأُّخُــوَّةُ فـِـى الله عبادة


يقول رسول الله  : "المُسلم أخُو المُسلم .. لا يَظلمُهُ ، ولا يَحقِرُهُ ، ولا يَخْذُلُه"   رواه مسلم عن إبى (هريرة (رضى الله عنه) .. وقد آخى النبى  بين المهاجرين والأنصار ، فتحققت هذه الأخوة عملاً ؛ حتى إن الله تبارك وتعالى ذكرها فى كتابه الكريم ، مُثنيًا على الأنصار الذين فتحوا قلوبهم ، وبيوتهم لإخوانهم من المهاجرين ، فقال﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)  الحشر . 

ولقد كان هذا الإيثار عن حُبٍ ، ورغبة ، واختيار ، فقد اقتسم الأنصار أموالهم ، ودورهم ، وأرضهم مع إخوانهم من المهاجرين .. ومن أمثلة ذلك أن النبى  قد آخى بين عبد الرحمن بن عوف (رضى الله عنه) وهو من المهاجرين وسعد بن الربيع (رضى الله عنه) وهو من الأنصار ، فقال سعد بن الربيع لـ عبد الرحمن بن عوف : لى زوجتان ، انظُر أيَّتهُما أضوأُ عندك ، أنزلُ لك عنها ، فأطلِّقها حتى إذا حلَّت تَزوَّجتها ، وهذا مالى أقْسمُهُ بينى وبينك .. فقال له عبد الرحمن بن عوف : بارك الله لك فى مالك ، وفى زوجتيْك ، ولكن دُلَّنى على السوق ، فدله على سوق المدينة ، فذهب ، وباع ، واشترى ، وعاد بفضل سمن وأقط (لبن رايب) .. وما يروى عن قصص الحب والإيثار بين المهاجرين والأنصار أكثر من أن يحصى .

ويشير القرآن الكريم إلى الأخوة فى الله ، وأنها باقية لا تزول بقوله﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)  الزخرف .. والخلَّة هى الحُبُّ المتين الصادق الذى يتخلل قلب المُحب .. والآية تشعرنا بأن كل حب فى الدنيا زائل ، وقد ينقلب إلى عداوة يوم القيامة ما عدا الحب فى الله ؛ ولذلك قيل : ما كان لله دام واتصل ، وما كان لغير الله قطع وانفصل .. وقد قيل أيضا : المرءُ على دين خليله ، فلينظُر أحدُكُم من يُخْالل .. 

ويحكى القرآن الكريم مقالة من كان حبه لغير الله فيقول﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29)  الفرقان .

وفى يوم القيامة كل نسب وسبب مقطوع يقول الحق تبارك وتعالى﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)  المؤمنون . وكذلك كل صداقة وحبٍّ  بقول تعالى ﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10)  المعارج .. وكل إنسان مشغول بنفسه ، مهموم ، لا يجد معه أحدًا يُواسيه ، أو يخفف عنه ، أو يؤنسه بقوله تعالى﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)  مريم . 

ولكن هناك من يقول الحق تبارك وتعالى فى شأنهم﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا (96)  مريم .. فالود والمودة ستكون فقط للمتحابين والمتآخين فى الله .. إذ إن بين السبعة الذين يظلهم الله بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله : اثنان تحابا فى الله ، واجتمعا عليه ، وتفرقا عليه .. وفى شأن المتحابين فى الله وما ينتظرهم من فضل ، وإنعام لا يحظى به غيرهم ، يقول الرسول  : "إنَّ من عباد الله ناسًا ما هُم بأنبياء ، ولا شُهداء ، يَغْبطُهُم الأنبياء والشُّهداء يوم القيامة بمكانهم من الله" .. قالوا : يارسول الله تخبرنا من هم ؟ قال : "هُم قومٌ تَحابُّوا بروح الله من غير أرحام بينهُم ، ولا أموال يَتعاطونها .. فو الله إنَّ وجُوههم لنورٌ ، وإنهم لعلى نورٍ .. لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حَزِن الناسُ .. وقرأ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)  يونس .. 

ويقول  : "قال الله تعالى : حقَّت محبَّتى للمتحابين فىَّ ، وحقت محبتى للمتواصلين فىَّ ، وحقت محبتى للمتناصحين فىَّ ، وحقت محبتى للمتزاورين فىَّ ، وحقت محبتى للمتباذلين فىَّ .. هم على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون ، والصدِّيقُون ، والشهداء"       رواه الترمذى .

والأخوة فى الله رغم أن ثوابها عظيم ، إلا أنها أمر سهل يسير .. فأن تحب المسلم لا تحبه إلا لله ، وأن تكون صادقًا معه .. أمينًا فى نصحه .. ترد غيبته .. تؤثره على نفسك .. تزوره إذا مرض .. تدعو له بالخير .. كل ذلك لا يكلف الإنسان مشقة ، بل يورث الألفة والتودد ، وقد ورد أن رجلا كان عند النبى  فمر رجل فقال : يا رسول الله ، إنى لأحب هذا ، فقال النبى  : "أأعلمته" قال : لا .. قال : "أعلمه" .. فلحقه الرجل فقال له : إنى أحبك فى الله .. فقال : أحبك الذى أحببتنى له .. "إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه" 

ويصف بعض الشيوخ الأخوة فى الله فيقول

أن أخاك الحق من كان معك        ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا ريب الزمان صدعك      شتت فيك شمله ليجمعك

واصطناع الحب مطلوب ، فالنبى  يقول "ألا أُدلكُم على شىءإذا فَعلتموه تحابَبْتُم ؟" .. قالوا بلى يا رسول الله .. قال : "تَهادُوا تَحابوا" .. كما أمر  بإفشاء السلام ، وهو أن تسلم على من تعرف ومن لا تعرف من المسلمين .. ويقول  فى ذلك : "إذا التقى المُسلمان ، فسلَّم أحدهما على الآخر .. أنزل الله عليهما مائة جزءٍ من الرحمة : جعل تسعةً وتسعين منها لمن بدأ بالسلام ، وجُزءًا واحدًا لمن ردَّ السَّلام"    رواه الطبرانى عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .

ومحبة الصالحين ومجالستهم تنفع الإنسان فى الدنيا والآخرة : ففى الدنيا يتعلم منهم ، ويقتدى بهم .. إذا ذكر الله أعانوه ، وإذا نسى ذكروه .. وقد قيل : من جالس جانس .. وأمَّا فى الآخرة فيقول النبى  : "المرءُ مَع من أحبَّ"      رواه البخارى عن أبى موسى (رضى الله عنه) .

هذا والأخوة فى الله لها التزامات ، من أهمها : ردُّ الغيبة عنه ، حتى ولو كان ما يقال عنه حقًا ، فإن الغيبة هى : ذكرك أخاك بما يكره .. وحين سئل رسول الله  : أرأيت إن كان فيه ما أقول ؟ قال : "إنْ كان فيه ما تقولُ ؛ فقد اغْتبْتَه وإن لم يَكن فيه ما تقول ؛ فقد بَهتَّه"  رواه مسلم ، والترمذى عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .. والغيبة من الكبائر ، وعدم رد الغيبة عن المسلم من الكبائر أيضًا ، لأن السكوت معناه : المشاركة ، والرضا بما تسمع .. 

وفى رد الغيبة يقول النبى  : "من ردَّ عنْ عِرْضِ أخيه ، ردَّ الله عن وَجْهه النَّار يوم القيامة" .. ويقول  : "ما من امرىء يخذل امرءًا مسلمًا فى موضع يُنْتقص فيه من عِرضه ، ويُنْتهك فيه من حُرمَته ، إلاَّ خَذَله الله تَعالى فى موطن يحب فيه نُصْرتهُ .. وما من امرىء مسلمٍ يَنصرُ مسلمًا فى موضع يُنتقص فيه من عِرضهِ ، ويُنْتهك فيه من حُرمَته إلا نصرهُ الله فى موطن يُحبُّ فيه نُصرتَهُ"         رواه البخارى ، وأحمد ، وأبو داود .

ومن التزامات الأخوة فى الله أن يأمنك أخوك على : نفسه ، وعرضه ، وماله ؛ فلا تقع فى عرضه ، ولا تسلب ماله ، ولا تسلمه لعدوه ، ولا تخفه ، ولا تمنع عنه ما يطلب (إن كان فى وسعك) ما كان فيه صلاحه ؛ فكل المسلم على المسلم حرام : دمه ، وماله ، وعِرضه ، ولا يصح ترويع المسلم ، لقول النبى  : "لا يَحلُّ لرجلٍ أن يُروِّع مُسلمًا" ..  وقال  : "من أخاف مؤمنًا كان حقًا على الله ألاَّ يُؤمِّنه من أَفْزاع يومِ القيامة" .. 

وقد قيل : إنه من نظر إلى مسلم ، نظرة يخيفه فيها بغير حق أخافه الله يوم القيامة .. وقال  : "من أعانَ على قتل مسلمٍ ، ولو بِشطْرِ كلمة لقى الله يوم القيامةِ مَكتوبًا بين عينيْه : آيس من رحمةِ الله تَعالى" .. وقال : "ولو أن أهل السماوات وأهل الأرض اشتركوا فى دم مؤمن لأكبهم الله فى النار" .. وقال : "ومن اقْتطع شبرًا من أرض مُسلم بغير حقٍّ طُوِّق به يوم القيامة إلى سَبْع أرَضينَ" .. وقال : "ومن حَملَ علينا السِّلاح فليس منَّا" . 

وقال : "سبعةٌ يُظلهم الله فى ظِله يوم لا ظل إلا ظله .... ورجلان تحابَّا فى الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ... " رواه مسلم وغيره .

وقال حسان بن ثابت

أخـلاءُ الرخـــاء هم كثيــرٌ         ولكن فى البلاء هم قليلٌ

فلا يغررك خلةُ من تؤاخى        فما لك عند نائبةٍ خليلٌ

وكل أخٍ يقول : أنـا وفـىٌ         ولكن ليس يفعل ما يقولُ

سوى خلٍّ له حسبٌ ودينٌ        فذاك لما يقولُ هو الفعولُ

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

 من كتاب أخلاقيات الإسلام

للشيخ / ياسين رشدى