رجالٌ حول الرسول | عَبْد الرَّحْمن بنُ عَوْف (أمينٌ فى الأرْض أمينٌ فى السماء)

 عَبْــدُ الـرَّحْمَـنِ بــنُ عَــوْف (رضى الله عنه)

أمين فى الأرض أمين فى السماء
  • فمن هو ؟
هو من قال عنه رسُولُ الله  أَمين فى الأرض أَمين فى السماءهو الرجل الأبيض المشرب بياضه حُمرة مثل الوجه الحسن . كان عبد الرحمن بن عوف من أغنى أغنياء الصحابة ، ولم يستمتع بماله قط .. فكلَّما قدم له طعام أصنافا بكى وقال : والله ما شَبِعَ رَسُولُ الله ﷺ  وأهْلُهُ مِنْ خُبْز الشَّعِيرِ حتَّى مات .. وما أَرَى أَنَّا أُبْقِينَا لما هو خيرٌ لَنَا ..

الصحابىُّ الوحيد الذى صلى رسول الله   خلفه فى سفره فقد كان يُصلى بأصحاب النبى ﷺ ، وأقبل رسول الله ﷺ فأراد ابن عوف أن يتأخر ، فأومأ الرسول ﷺ أن ابق مكانك ، فبقى إمامًا وصلى الرسول ﷺ خلفه فكان إماماً لرسول الله ﷺ . هو الصحابى الذى أرسله رسول الله  فى غزوة (دومة الجندل ) وعَمَّمه بيده الشريفة ، وأَسْدَل عمامته بين كتفيه ، وقال له : "إنْ فَتَح الله عَليْكَ فَتَزوَّج  بنت مَلِكهم" .. ففتح الله عليه ، وتزوج بابْنة مَلِكهم ( تماضر بنت الأصبغ بن ثعلبة ) التى ولدت له محدثا عظيمًا من كبار رواة الحديث ألا وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن .
  • عبد الرحمن بن عوف أشد الناس ورعًا
هو من العشرة المُبشَّرين بالجنَّة وكان أشد الناس ورعًا .. فحين مات عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) وأوصى بالخلافة لواحد من ستة مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض : عثمان بن عفان ، على بن أبى طالب ، سعد بن أبى وقاص ، الزبير بن العوام ، طلحة بن عبيد الله ، عبد الرحمن بن عوف .. جاءه الناس يقولون له : يابْنَ عَوْفٍ ، أَنتَ أَحَقُّ بِهذَا الأَمْر ، فقال : والله لَوْ أَنَّ مُدْيَةً (سكينًا) وُضِعَتْ فِى حَلْقِى ثُمَّ أُنْفِذَتْ إلَى الجَانِبِ الآخَرِ لَكَانَ عِنْدِى خَيْرًا مِنْ هَذَا الأمْرِ .. فكان (رضى الله عنه) يخشى السلطة ويخشى الولاية ويخشى الإمارة لأنه يعلم أنها أمانة وأنها يوم القيامة خزى وندامة ، إلا من أخذها بحقها وأدى الذى عليه فيها . ويذهب إلى أصحابه من أهل الشورى ــ الخمسة الآخرين ــ فيقول لهم : مَنْ يُخْرِجُ نَفْسهُ مِنْهَا ، ويختار للمسلمين ؟ .. فلم يُجيبُوه إلى ذلك .. فقال : أنا أُخْرِجُ نَفْسِى من الخلافة ، وأخْتَارُ لِلْمُسلِمين ، فأجابوه إلى ذلك ، وأخذ مواثيقهم على الرِّضى باختياره .. ثم اختار عثمان بن عفان (رضى الله عنه) للخلافة فبَايَعَهُ الجميع راضين باختياره . 
   
هو الذى أعتق ثلاثين عبدًا فى يوم واحد ، وهو الذى كان يَحج بِنساء النبى  ويَخْدمهن . هاجر إلى الحبشة مرتين وهاجر إلى المدينة وكان من الخمسة الذين أسلموا على يد أبى بكر الصديق (رضى الله عنه) . شهد (بدرا ) و( أحدا ) وجميع الغزوات مع رسول الله  وأصيب فى ( أحد ) بإحدى وعشرين جراحة منها إصابة فى قدمه فأخذ يعرج بها ويفتخر بهذه العرجة حتى مات (رضى الله عنه) .
  • تجارة عبد الرحمن بن عوف
آخى رسول الله  بينه وبين سعد بن الربيع من الأنصار ، فقال له سعد : ياعَبْد الرَّحْمن بن عَوف ، إن لى مالًا : فهو بينى وبينك شطران .. ولى إمرأتين : فانظر أيها أجبتك حتى أخلعها ، فإذا حلت تزوجتها .. قال له عَبْد الرَّحْمن بن عوف : لا حاجة لى فى أهلك ، ومالك ، بارك الله لك فى أهلك ومالك .. دُلَّنى على السوق .. ويتعفف (رضى الله عنه، ويذهب إلى السوق يبيع ويشترى .. ويعود بفضل من أقط ( لبن رايب ) ويعلم رسول الله  بذلك فيسر ويدعوا له بالبركة ، ويتسع رزقه ويكثر ماله حتى يقول عن نفسه : والله لَقد رأيتنى إِنْ رفَعْت حَجرًا ، وجدت تَحْته ذَهبًا وفِضة .
  • كثرة ماله وغناه ببركة دعوة النبى ﷺ له
ذلك الذى تاجر فبارك الله فى تجارته وكان كلما تصدق أتته الأضعاف وكلما أنفق يأتيه المال من حيث لا يدرى ولا يحتسب وببركة دعوة الرسول  له أصبح من أَغنى الأغنياء .
فى يوم من الأيام تَحْدُث فى المدينة جلبة وتخرج السَّيِّدة عائشة (رضى الله عنها) وتسأل عن هذه الجلبة فيقال لها عير لعبد الرحمن بن عوف جاءت من الشام فتقول وهل تحدث العير هذه الجلبة قيل لها ياأم المؤمنين سبعمائة بعير تحمل البرَّ والشعير والكساء ، فتقول السَّيدة عائشة : والله لقد سمعت رسول الله يقول : " يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنَّة حبوَّا أى على يديه ورجليه" ويطير الخبر لإبن عوف وما أنزلت أحمال الإبل بعد ، فيوقف كل شىء على مكانه ويذهب إلى أم المؤمنين ويقول : ياأم المؤمنين ذكرتنى بحديث كدت أنساه لقد قال رسول الله ﷺ : " ياابن عوف إنك من الأغنياء وإنك تدخل الجنَّة حبوا فاقرض الله يطلق لك قدميك" . ياأم المؤمنين أُشْهِدُكِ أنَّ العِيرَ بأَحْمَالِهَا وأَحْلاسِها* وأَقْتَابِهَا** صدقة فى سبيل الله . وتشهد المدينة مهرجانًا كبيرًا للإنفاق فى سبيل الله ، ويُنفق ابن عوف تجارته كلها فى سبيل الله ولا يأتيه الفقر أبدَّا وصدق رسول الله ﷺ : " مانقص مالٌ من صدقة" .  *أحْلاسِهَا : كساء يوضع على ظهر البعير .    **أقْتَابِهَا : القتب للبعير : كالبردعة للحمار .

قال عنه الناس : "أهل المدينة شركاء لإبن عوف فى ماله : فالثلث يَقرضهم ، والثلث يَقضى عنهم ديونهم ، والثلث يَصلهم ويعطيهم" .. لقد أوصى عبد الرحمن (رضى الله عنه) بخمسين ألف دينار ، وألف فرس فى سبيل الله وأوصى لمن بقى من أهل ( بدر) - وكانوا مائة - بأربعمائة دينار لكل واحد منهم وكان عثمان بن عفان منهم وكان ثرياً ، يُصِرُّ على أَخْذ نَصيبه قائلاً : مَال بنُ عَوف صَفو حَلال ، والطُعْمة مِنْه عَافية وبَرَكَة .

ترك (رضى الله عنه) ثلاثة آلاف شاة ، وألف بعير ، ومائة فرس وترك ذهبًا كلَّت أيدى الرِّجال من تقطيعه بالفئوس .. وصدق الله العظيم حيث يقول : ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39 سورة سبإ .. وصدق رسول الله  حيث يقول : "مَانَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدقة" .
  • وفاة عَبْد الرَّحْمن بن عَوف
تحين الساعة .. ساعة الرحيل ، وتُرسل السَّيدة عائشة ( رضى الله عنها ) إليه تعرض عليه أن يُدفن إلى جوار رسول الله  وصاحبيه ، فيقول (رضى الله عنه ) : ومن أنا حتى أَرْقى إلى ذلك الجوار .. ويطلب أن يُدفن إلى جوار عثمان بن مظعون (رضى الله عنه )  صاحبه وحبيبه الذى تعاهد معه على أنَّ من مات بعد أخيه دُفن إلى جواره حتى يكونا صاحبين فى القبر كما كانا صاحبين فى الدنيا .

مات (رضى الله عنه) عن خمسة وسبعون عامًا ويحمل جنازته سعد بن أبى وقاص ويبكى ويصرخ قائلًا : " واجبلاه .. واجبلاه .. " ويقف عَلىُّ بن أبى طالب على قبره ويقول : اذْهَبْ يا بنْ عَوْفٍ ، فَقَدْ أَدْركْتَ صَفْوَهَا ، وسَبَقْتَ رَنَقَهَا (العكارة والكدر) .

ذلك الأمين فى رحابه وفى ضياء سيرته وفى نور سلوكه نسأل الله أن يجعله قدوة لنا وأن يثيبه عن أمة مُحَمَّد  خير ما أثاب به منفقاً عن نفقته وأنْ يَرفع درجاته فى عليين ، قال فيه النبى  : "عَبدُ الرَّحمن بنُ عوفِ .. أمينٌ فِى السماءِ .. أمينٌ فِى الأرضِ" .

                                  ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛                                   
  المرجع : فى رحاب الأصحاب  
     للمرحوم الشيخ / ياسين رشدى