الدين المعاملة | الحقـوق الزوجـية (حقوق مشتركة بين الزوجين)
الحُقـوقُ الزَّوجـيَّة
(حقوق مشتركة بين الزوجين)
امتن الله تبارك وتعالى على الإنسان بأن جعل له أنيسًا من جنسه : يألفه ، ويَسكُن إليه ، وبالتزاوج بينها يحفظ النوع الإنسانى ، وتأتى الذُّرية التى هى زهرة الحياة الدنيا ، وفلذة الأكباد .. فيُعين الولد أباه فى كِبره ، ويحمل إسمه ، ويساعده على اجتياز مصاعب الحياة ، ويستغفر له بعد موته ، ويدعوا له .. والأبناء حصاد الزواج .. وكلما كان الزواج سعيدًا نشأ الأولاد فى بيئة صالحة ، وتهيأت لهم فرص السلامة من العُقَد ، والأمراض النفسية ، والأخلاق الرذيلة .
وقد حدد الله تبارك وتعالى نوع العلاقة بين الزوجين فقال : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) ﴾ الروم . فالسكينة ، والمودة ، والرَّحمة بين الزوجين .. هى دعائم الحياة الزوجية السعيدة التى امتن الله على الإنسان بها .. ولكى تتوفر هذه الحياة السعيدة رسم القرآن ، ورسمت السُّنة الطريق إليها ، والوسائل المُؤدية إليها .. فمن أوامر الحق تبارك وتعالى فى هذا الشأن قوله : ﴿ .. وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) ﴾ النساء .
ويقول النبى ﷺ : "أكملُ المُؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلقًا ، وألطفهم بأهله" .. ويقول ﷺ : "خَيْرُكم خيركم لأهله ، وأنا خيرُكم لأهلى" ويوصى بالنساء فى خطبة الوداع فيقول : "ألا واستوصوا بالنساء خيرًا ؛ فإنما هنَّ عوان عندكم (أسرى) ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك ، إلا أن يأتين بفاحشة مُبَيِّنة ، فإن فعلنَّ ، فاهجروهن فى المضاجع ، واضربوهن ضربًا غير مُبرح ، فإن أطعنكم ، فلا تبغوا عليهن سبيلا .. ألا إنَّ لكم على نسائكم حقًا ، ولنسائكم عليكم حقًا ، فحقكم عليهن : ألا يوطئن فرشكم لمن تكرهون ، ولا يأذن فى بيوتكم لمن تكرهون ، ألا وحقهن عليكم : أن تُحسنوا إليهن فى كِسوتهن وإطعامهن" . رواه الترمذى وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص (رضى الله عنه) .
وقضى الحق تبارك وتعالى بأن تكون القوامة للرجال فقال : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ .. (34) ﴾ النساء .. وهذه القوامة لابد أن نفهمها على وجهها الصحيح ، فهى : ليست استعلاء ، أو تحكمًا ، أو إرهابًا .. وإنما هى مسئولية الراعى نحو رعيته .. ومسئولية الرجل تبدأ باختياره لشريكة حياته ، والذى حدد النبى ﷺ أساسه قائلا : "..اظفر بذاتِ الدِّين تَربتْ يداك" .. كما حدد الصفات الواجب توافرها فى هذه الشريكة بقوله : "خيرُ نسائكم التى : إذا نظر إليها زوجُها سرَّتهُ ، وإذا أمرها أطاعتهُ ، وإذا غاب عنها حَفظتْهُ فى نفْسها ومالهِ" ..
وقد صحح النبى ﷺ الكثير من مفاهيم الجاهلية وتقاليدها .. تلك الجاهلية التى كانت تَئدُ البنات ، وتعقُّ الأمهات ، وترثُ الزوجات ، فقد كان الرجل يرث نساء أبيه ضمن تركته ، يفعل بهن ما يشاء .. وكانت البنات لا يرثن من الآباء شيئًا .. وكان الرجل يقسو على امرأته ويضربها ضربًا مبرحًا ، ويسترد منها صداقها تحت تهديد الاتهام بالخطيئة .. ويجمع معها ما يشاء من النساء ، بغير تحديد لعدد ، ودون اضطرار لسبب .
والمُتبع لسنة النبى ﷺ وحياته مع نسائه يجد المثل الأعلى فى حسن المعاشرة ، ولين الجانب ، والرفق والحنان .. ويدخل النبى ﷺ ذات مرة على السيدة عائشة (رضى الله عنها) ويسأل : "هل عنْدكم من طعام ؟" فتقول : والذى بعثكَ بالحقِّ ما عندنا إلا الخلُّ .. فيقول : "نِعمَ الإدامُ الخلُّ" ويأكل هنيئا دون اعتراض أو تعنيف .. وكان الرجال فى الجاهلية لا ينامون مع نسائهم فى فرش واحد .. لكن الرسول ﷺ علمنا أن الزوج ينام مع زوجته فى فراش واحد ، بل وفى لحاف واحد ..
وتحكى لنا السيدة عائشة أم المؤمنين (رضى الله عنها) طرفًا من سلوكيات سيد الخلق ﷺ فتقول : كان رسول الله ﷺ ليُقبِّل بعض أزواجه وهو صائمٌ .. ووصفت حالته فى بيته بقولها : كان يكون فى مهنة أهله (معاونة زوجته) فإذا حضرت الصلاة ؛ خرج إلى الصلاة .. وتحكى عنه أنه ﷺ : كان يخصف نعله (يهيئ النعل ورباطه) ، ويرقِّعُ ثوبهُ ، ويعلفُ فرسه ..
وأمثلة حسن معاشرته ﷺ لنسائه تفوق الحصر .. وهو القائل : "صُم وأفطر ، وقُم ونم ، فإنَّ لجسدك عليك حقًا ، وإنَّ لعينك عليك حقًا ، وإنَّ لزوجك عليك حقًا" .. وقد قدم كثيرًا من النصائح للأزواج ؛ لينعموا بالحياة السعيدة الهانئة المستقرة .. وكذلك قدم كثيرًا من النصائح للزوجات ، للقيام بواجباتهن نحو أزواجهن ، من : حُسن المُعاشرة ، والتعاطف ، والحنان ، وحفظ المال ، ورعاية الولد .. كما بشَّر الطائعات منهن لأوامره بعظيم الثواب ، وجزيل العطاء .
وسلوك الصحابيات اللاتى تأدبن بآداب رسول الله ﷺ فى حسن معاشرة الأزواج ، نذكر حادثة واحدة تدلل عل ذلك .. فقد مرض طفل صغير لـ (لأبى طلحة الأنصارى) فكان يتوجع منه ، ويبكى كثيرًا حتى ينقطع نَفسَهُ .. فخرج أبو طلحة إلى المسجد يومًا ، فمات الولد ، فغطته أمه (أم سليم بنت ملحان) .. ثم تزينت ، وتعطرت ، وتهيأت لزوجها .. فلما عاد إلى البيت سأل عن حال الولد فقالت : هو أسكن مما كان ، ولم تخبره بموته ولم تكذب ، بل لجأت إلى التعريض فقد سكن الولد فعلا ، ثم أعدت الطعام لزوجها ، وأمكنته من نفسها .. فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت : يا أبا طلحة ، أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم ؟ قال : لا ، قالت : فاحتسب ابنك (أى اطلب ثواب مصيبتك فى ابنك الذى كان عارية من الله تعالى) قال : إنا لله ، وإنا إليه راجعون ، وخرج إلى المسجد كاظمًا غيظه فلقى رسول الله ﷺ فأخبره بموت ابنه ، فقال النبى ﷺ : "أعرستم البارحة ؟" قال : نعم ، فتبسم الرسول ﷺ قائلا : "اللهم بارك لهما" .. وتحمل المرأة وتلد غلامًا ، يصبح من العلماء الصالحين ، وينجب تسعة من الأبناء ، كلهم قد حمل القرآن والعلم .. ينشرونه فى الآفاق ، وتتحقق نبوءة الرسول ﷺ : "بارك الله فى ليلتكما" .
ومن أسوأ ما اعتاد عليه بعض الرجال أن يحلفوا بالطلاق فى الأمور التافهة ، مثل التبايع ، أو لإبقاء الضيف للطعام ، أو المبيت .. وما إلى ذلك ، مما قد يوقعهم فى المحظور ، فقد تطلق الزوجة دون أن تدرى ، ويصبح الإثم على الرجل فى حياة محرمة تنتج أولاد سفاح ، يكونون وبالًا على أبيهم فى كبر سنه .. كما أن الزوج الذى يسوس امرأته بالتهديد بإيقاع الطلاق آثم ، وضعيف الشخصية ، ومخالف لسنة الرسول ﷺ .. فما حدث أن حلف النبى ﷺ بالطلاق على إحدى نسائه مطلقًا لتفعل شيئًا ، أو لتمتنع عن فعل شىء ، وأقصى ما فعله حين اجتمعن عليه فى طلب زيادة النفقة أن غاضبهن شهرًا اعتكفه فى مسجده ، وخيرهن بأمر الله له بين الحياة معه فى زهد ، وتقشف ابتغاء مرضاة الله .. أو التسريح بالمعروف ، مع التمتع فاخترن كلهن الحياة معه ابتغاء ما عند الله ، وذلك حين نزل قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29) ﴾ الأحزاب .
والزوجة التى تطلب الطلاق من زوجها دون مبرر مقبول آثمة فى حق نفسها ، ومُغضبةٌ لربها .. أما تلك التى تحاول بذلك اختيار منزلتها عند زوجها فهى جاهلة ، تلعب بالنار .. فكثرة طلب الطلاق قد تجعل الزوج يلبى طلبها ؛ فتندم على ذلك طول عمرها .. والزوجة التى تمتنع عن زوجها إذا طلبها لنفسه تبيت تلعنها الملائكة حتى تصبح .. وعليها أن تستجيب له فى ذلك وقتما شاء .. وعلى الزوج أن يعلم من أشد الأمور التى تكرهها الزوجة أن يبخل زوجها عليها بماله ، أو بحنانه ، أو بوقته ، فهى تحتاج إلى من يؤنسها ، كما يحتاج هو إلى من يؤنسه .. وعليه أن يتجمَّل لها كما يحب أن تتجمَّل هى له .. وعليهما معًا أن يكون التفاهم بينها قائمًا فى كل الأمور ، خاصة أسلوب تربية الأولاد ، وليمتنعا تماما عن الخلاف ، أو الشجار أمام أبنائهما ، وليحذر كل منهما أن يشكو الآخر ، أو يذيع سره للأهل ، أو الأصدقاء ، أو الجيران .. كما يحرم على الرجل أن يصف امرأته ، أو يتكلم عن كيفية تصرفها معه فى فراشه ، أو أن يذكر عيوبها الخِلقية ، أو الخُلقية لأحد من الناس .
وقد كان الصحابة والصحابيات (رضوان الله عليهم) ، يعظون بناتهم عند الزواج ، ويقدمون لهن النصائح ، حتى يسعدن فى حياتهن مع أزواجهن ، ويأمرونهن بخدمة الزوج ، ورعاية حقه ، الأمر الذى نفتقده فى عصرنا هذا ..
نذكر مثال لهذه النصائح :
خطب أحد الرجال فتاة .. ولما حان زفافها إليه خلت بها أمها (أمامة بنت الحارث) فأوصتها وصية تبين فيها أسس الحياة الزوجية السعيدة ، وما يجب عليها لزوجها فقالت : أى بُنية : إن الوصية لو تُركت لفضل أدب لَتَركتُ ذلك لك ، ولكنها تذكرة للغافل ، ومعونة للعاقل .. ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغِنَى أبويها ، وشدة حاجتهما إليها ، كُنتِ أغنى الناس عنه ، ولكن النساء للرجال خُلقْن ، ولهنَّ خُلق الرجال .. أى بُنيَّة : إنك فارقت الجو الذى خرجت منه ، وخلَّفتِ العُشَّ الذى فيه درجت ، إلى وكر لم تَعرفيه ، وقرين لم تألفيه ، فأصبح بمُلْكه عليك رقيبًا ومَليكًا ، فكونى له أمَةً ؛ يكن لك عبدًا وشيكا ، واحفظى له خصالا عشرًا ؛ يكن لك ذُخْرا .. أما الأولى والثانية : فالخشوع له بالقناعة ، وحسن السمع له والطاعة .. وأما الثالثة والرابعة : فالتَّفقُّد لمواضع عينه وأنفه ؛ فلا تقع عينه منك على قبيح ، ولايشُمُّ منك إلا أطيب ريح .. وأما الخامسة والسادسة : فالتَّفقُّد لوقت منامه وطعامه ؛ فإن تواتر الجوع مذهبةٌ ، وتنغيص النوم مغضبةٌ ، وأما السابعة والثامنة : فالإحتراس بماله ، والإرعاء على حشمه وعِياله .. وملاك الأمر فى المال : حُسن التَّقدير ، وفى العيال : حسن التَّدبير .. وأما التاسعة والعاشرة : فلا تعصين له أمرًا ، ولا تفشين له سرًا .. فإنك إن خالفت أمره ؛ أوْغرت صدرهُ ، وإن أفْشيتِ سره ؛ لم تأمنِى غَدرهُ .. ثم إياك والفرح بين يديه إن كان مهتمًّا ، والكآبة بين يديه إن كان فرحًا .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
من كتاب أخلاقيات الإسلام
للشيخ / ياسين رشدى