الدين المعاملة : الحيــــاء .. خلق الإسلام المعدودة من شعب الإيمان
الحَيــَــاءُ .. خُلق الإسلام
الحـــياء : هو خُلق يبعث على فعل كل مليح وترك كل قبيح ، فهو من صفات النفس المحمودة .. والحياء خُلق يمنع صاحبه عن فعل ما قد يلام عليه .. والحياء هو الإحتشام والوقار ، والحياء فضيلة من فضائل الفطرة ، يُشعرنا به قول الحق تبارك وتعالى حكايةً عن آدم وحواء (عليهما السلام) حين أكلا من الشجرة ، فبدت لها سوءاتهما : ﴿ .. فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ.. (22) ﴾ الأعراف .. وقد فعلا (عليهما السلام) ذلك بالفطرة لستر العورة التى انكشفت بالأكل من الشجرة المحرمة ..
والحياء من الإيمان لقول النبى ﷺ : "الإيمانُ بضعٌ وسَبعُون ، أو بضعٌ وستون شُعبة وأفضلها قول : لا إله إلا الله ، وأدْناها : إماطةُ الأذى عن الطَّريق ، والحياءُ شعبةٌ من الإيمانِ" .. رواه البخارى عن أبى هريرة (رضى الله عنه) . ومهما زاد الحياء فى شخص فهو خير له .. فلا حدود للحياء لقول النبى ﷺ : "الحياءُ خيرٌ كلُّه" رواه البخارى عن عِمران بن حُصين (رضى الله عنهما) . وقد مر النبى ﷺ على رجل من الأنصار وهو يَعظُ أخاه فى الحياء أى يعاتبه على شدة حيائه فقال ﷺ له : "دَعه ُ.. فإن الحياء من الإِيمانِ ، من لا حياءَ لهُ لاخيْر لهُ" . رواه البخارى عن ابن عمر (رضى الله عنهما) .
وينبه النبى ﷺ على أهمية الحياء فيقول : "مما أدرك الناس من كلام النُّبُوة الأُولى : إذا لم تَسْتحِ فاصْنع ما شِئت" .. والحياء يكون من الله ، ويكن من الناس ، ويكون من النفس : فيستحى الإنسان من نفسه ؛ فلا يفعل فى خلوته ما يستحى أن يفعله أمام الناس .. ويقول ﷺ لأصحابه يومًا : "اسْتحيُوا من الله حقَّ الحَياء" .. قالوا : يا رسول الله ، إنا لنستحيى من الله حق ، والحمد لله .. قال ﷺ : " ليس ذلك ولكن الإستحياء من الله حق الحياء : أن تحفظ الرأس وما وعى ، والبطن وما حوى ، وتذكر الموت والبِلَى .. ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، وآثر الآخرة على الأولى .. فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء " .
خلا رجل بامرأة فأرادها على الفاحشة ، فقال لها : ما يرانا إلا الكواكب . قالت : فأين مكوكبها ؟ (تعنى أين خالقها) ، ولله در القائل :
وإذا خلوت بريبة فى ظلمــــــة .... والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحيى من نظر الإله وقل لها .... إن الذى خلق الظلام يرانى
وقد شرح العلماء معنى الحياء من الله فقالوا : هو ألا يفقدك الله حيث أمرك ، وألا يجدك حيث نهاك .. والرأس : يشمل الوجه الذى هو مجمع الحواس ، ففيه البصر ، والسمع ، والشم ، والذوق ، كما يشمل المخيلة والذاكرة .. وحفظ الرأس وما وعى : هو عدم شغل الإنسان نفسه بما لا يعنيه ، وعدم مراقبة الناس ، أو التجسس عليهم : بالعين ، أو بالأذن ، أو ذكر مساوئهم بلسانه ، والله تبارك وتعالى لم يُسوِّ بين العقول ، ولم يماثل بينها ، ومن ثمَّ فيجب ألا يشغل الإنسان نفسه بتصرفات الآخرين ، فهى من حصائد عُقُولهم .. وعقل الإنسان محسوب عليه من رزقه ..
يقول الله تبارك وتعالى : ﴿ .. وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ .. (34) ﴾ لقمان .. وقد ذكرت الآية الكريمة أمرين ، وهما أهم ما فى الحياة : الرزق ، والموت .. أما الرزق فقد تكفل الله به إذ يقول : ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۖ .. (40) ﴾ الروم .. ويقول الحق تبارك وتعالى لحبيبه ﷺ : ﴿ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ .. (132) ﴾ طه .
ويبين الحق تبارك وتعالى أن أمر الرزق بيده وأنه مقدر ومكتوب فيقول سبحانه : ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) ﴾ الذاريات .. وأما الموت والأجل فهذا أيضًا قد أخفاه الله عن الناس ، بل أخفى موعده ومكانه بقوله تعالى : ﴿ .. وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ .. (34) ﴾ لقمان .. ويبين أن الموت ليس لهارب منه نجاءٌ فيقول : ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ .. (78) ﴾ النساء .. كما يبين أن الموت وقت مؤجل ، وأن تحديد الأجل بيده سبحانه وتعالى فيقول : ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34) ﴾ الأعراف .
وعليه فلا يجب أن يشغل الإنسان نفسه بالرزق أو بالأجل ، فتلك أمور قد تكفل الحق تبارك وتعالى بها .. بل عليه أن ينشغل بتحسين علاقته بـ الله عزَّ وجلَّ ، والتفكر فى آلائه وآياته .. ويتضح ذلك فى قول عزَّ وجلَّ : ﴿ .. وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123) ﴾ هود .
وقد سأل رجلٌ رسول الله ﷺ فقال : متى الساعة ؟ .. قال ﷺ : " وما أعْددتَ لها ؟ " .. فبين النبى ﷺ أن التفكير يجبُ أن يكونَ فيما يجبُ على الإنسان ، وليسَ فيما كُتب عليه .. كما لا يصحُّ للإنسان أن يشغل فِكْره بتصرفات الآخرين ، أو يفكر فى إيذائهم ، والإيقاع بهم ، أو التجسُّس عليهم ، أو إساءة الظن بهم ، أو استخدام حواسه فيما لا يجب ؛ حتى يحفظ الرأس وما وعى .. وأما حِفظُ البطن وما حوى : فهو إشارة للسيطرة على شَهْوتى البطن والفرْج ، فلا يأكل إلا من حلال .. وقد قال النبى ﷺ لرجل من أصحابه : "أحْلل طُعْمتك تُسْتجبْ دعْوتُك" .. رواه الطبرانى عن ابن عباس (رضى الله عنهما) .
ويبين النبى ﷺ أن من يأكل من حرام تُغْلق فى وجهه أبواب السماء بقوله : " تَرى الرَّجُل أشْعث أغْبر ، يُطيلُ السَّفر ، يَرفعُ يديه إلى السَّماء ، يقول : يا رب .. يا رب ، ومَطعمُهُ من حرام ، ومَلبسُهُ من حرام ، ومَشربُهُ حرامٌ ، وغُذى مِن حرام ــ فأنَّى يُستجابُ لذلك ؟" .. وحفظُ الفرْج عن الحرام من أهم الأمور التى نبه الله تبارك وتعالى عليها بقوله : ﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ .. (31) ﴾ النور .. ويثنى سبحانه وتعالى على المستجيبين لأمره بقوله : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) ﴾ المؤمنون .
وأما ذِكْر الموت والبِلَى .. فقد قيل : من أراد واعظًا فالموتُ يكفيه .. وتذكُّر الموت من أهم الأمور التى تقى الإنسان الوقوع فيما يُغضب الله ، وقد كان ذكر الموت ، وما يعقبه من أهم ما امتنَّ الله به على المخلصين من عباده ، إذ يقول : ﴿ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) ﴾ ص .. والبِلَى هو الفناء ، وتذكر البِلَى معناه : أن يتيقن الأنسان أن ما كل على الأرض إلى زوال : فلا يتمسك به ، أو يتصارع من أجله ، فجسده إلى فناء بما أكل ، وما لبس فى دنياه ، والحق تبارك وتعالى يقول : ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) ﴾ الرحمن ..
وانعدام الحياء من الناس من أهم الأسباب فى تفشى المعاصى ، والمجاهرة بها ، ويحذر النبى ﷺ هؤلاء الذين فقدوا حياءهم فيقول : " كُلُّ أُمَّتى مُعَافى إلاَّ المُجَاهِرين " متفق عليه عن أبى هريرة (رضى الله عنه) . أى أن من استحيى من الناس ، فأخفى معاصيه عنهم قد يكون قريبًا من توبة الله عليه .. أما من جهر بمعصيته ، فهو محروم من عَفْو الله تبارك وتعالى ، ومحروم من العافية ، ومُعرَّض للفضيحة ، والخِزْى والعار .
ومن الأفعال التى تخدش الحياء ، وتدل على انعدام الحياء فى مُرْتكبِيها ما نراه فى بعض الطرقات ، والأماكن من تصرفات بعض الشباب من الجِنْسيْن .. وكذلك ما نراه فى الأفلام والمسلسلات (من مشاهد خليعة وخارجة واحتساء للخمر وما إلى ذلك) دون حسيب أو رقيب ينهى عن ذلك مما يُعرِّض الأمة للخطر فى الدنيا : بالإنصراف عن العمل ، والإنتاج ، إلى ارتكاب الفواحش ، واللَّهو المُحرَّم .. وكذلك يُعرضها لغضب الجبار ؛ فقد أهْلك سبحانه وتعالى قوم لوط (عليه السلام) لأنهم جاهروا بالمعاصى كما يحكى القرآن عنهم فى قوله : ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ.. (29) ﴾ العنكبوت .
وعلى القائمين بالأمر أن يتقوا الله عزَّ وجلَّ فيما يُعْرض على الناس فى وسائل الإعلام بأنواعها ، ويدخل عليهم بيوتهم ، فلا يستطيعون أن يمنعوا أبناءهم ، وبناتهم عنه ، وتذهب محاولاتهم فى التربية السليمة ، وغرس القِيَم فى نفوس أبنائهم أدراج الرياح .. كما أن الفاحشة إذا ظهرت فى قوم عَمَّهُم الله بالبلاء ، وانتشرت الأمراض والأوبئة ، وزالت البركة من أرزاقهم ، وأُصيبوا بالقحط والمجاعة ..
أما الحياء فى النفس : فهو أن لا يكون فى خلوة الإنسان من الأفعال ما يستحى أن يطَّلع عليه الناس ، وأن يكون ظاهره كباطنه ، وسِرُّه كجهره ، فالبرُّ ما انشرح له الصدر ، وأحببت أن يطَّلع عليه الناس .. والإثم ما حاك فى الصدر ، وخشيت أن يطَّلع عليه الناس .. ومن الحياء من النفس أن لا تنهى عن شىء وأنت تفعله ؛ فقد قيل :
لا تَنْه عن خُلُقٍ وتَأْتى مِثله .... عارٌ عليك إذا فَعلْت عظيم
وربنا تبارك وتعالى يقول : ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾ البقرة .
والنبى ﷺ يحدثنا عن عالمِ كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ومع ذلك دخل النار لأنه كان يأمر بالمعروف ولا يأتيه ، وينهى عن المنكر ويأتيه .. ويُعلمنا ﷺ : الحياء فى خلوتنا مع نسائنا فيقول : " إذَا أتى أحدُكُم أهلَهُ فَلْيسْتتر ، ولا يَتجرَّد تجرُّد العِيريْن (الجَملين) " .. وقد استأذن عثمان بن عفان (رضى الله عنه) يومًا على رسول الله ﷺ ، وكان جالسًا وقد انحسر ثوبه عن بعض فخذه ، فاعتدل فى جلسته ، وضم ثوبه عليه ثم أذن له .. فلما انصرف عثمان سألت السيدة عائشة (رضى الله عنها) رسول الله ﷺ عن سبب تصرُّفه ، فقال لها : أن عُثمان رجلُ حَيى ، ولو رآه على ما كان عليه لاستَحْيا أن يعرض مسألته .
فالحياء فى كل الأمور مطلوب إلا فى السؤال عن أمور الدين فلا حياء فى الدِّين ، ولا يصح أن يمنع الحياء إنسانًا أن يسأل عن دينه ، وقد جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت : يارسول الله ، إن الله لا يستحيى من الحق فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت ؟ قال ﷺ : "نَعم إذا رأت الماء" .. وكانت أم سلمة (رضى الله عنها) جالسة فغطت وجهها .. وقالت : لقد فضحت النساء .. لكن النبى ﷺ لم يعنف المرأة على سُؤالها .. وكذلك ورد أن امرأة سالت النبى ﷺ عن كيفية التطهُّر من الحيض فأجابها دون أن يعترض على سؤالها أو يعنِّفها عليه .
ولبيان أهمية الحياء وخطورة عدم التخلق به ، يقول ﷺ : " إنَّ الله إذا أراد أن يُهلك عبدًا نزع منه الحياء ، فإذا نزع منه الحياء ؛ لم تَلْقهُ إلا مَقيتًا مُمَقَّتا ، فإذا لم تلقه إلا مَقيتًا مُمقَّتا ؛ نُزعت منه الأمانة ، فإذا نُزعت منه الأمانة ؛ لم تَلقه إلا خائنًا مخوَّنا ، فإذا لم تلقه إلا خائنًا مخوَّنا ؛ نزعت منه الرحمة فإذا نزعت منه الرحمة ؛ لم تلقه إلا رجيمًا مُلعَّنًا ، فإذا لم تلقه إلا رجيمًا مُلعَّنا ؛ نُزعت منه رِبقةُ الإِسلام " . رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر (رضى الله عنهما) .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
من كتاب أخلاقيات الإسلام
للشيخ / ياسين رشدى