رجال حول الرسول | بِلالُ بنُ رباحٍ (أول مُؤذن فى الإسلام)

 بِــــلاَلُ بْنُ رَبَـــــاحٍ (رضى الله عنه)

أوَّل مُؤذن فى الإسلام 

  • فمن هو ؟
هو سَيد عَظيم من الأَسياد ، وأول مُؤذن فى الإسلام ، الأسود الذى أضاء نوره بين السماء والأرض ، السَّيد الذى تقدم بين يدى رسول الله  إلى الجَنَّة ، كان صادق الإسلام ، طاهر القلب ، كان رجلاً شديد الآدمة ، نحيفاً ، له شعر كثيف ، خفيف العارضين .

هو العبد الحبشى الذى كان عبداً لأُميَّة بن خلف ، أحد صناديد قريش ، ورأس من رءُوس الكفر والضلال بمكة ، أصر بلال  أن يُظهر إسلامه ويُعلنه على رءوس الأشهاد ، وهو واحد من سبعة أظهروا الإسلام بمكة على رأسهم رسول الله  ، كان يقول عن نفسه تواضعًا : " إِنَّما أنَا حَبشى كُنْت بالأَمس عبدًا " .
  • أمية بن خلف يعذب بلال
كان سيده أُمية بن خلف يطرحه فى الشمس على الرَّمْضَاء (وهوالحصى الملتهب) ويضع الرَّحَى الكبيرة على ظهره تارة ، وعلى صَدْره تارةً حتى تُصهره الشمس ، ويكاد الظمأ يَقْتُلُه ، ويرشُّ الماء البارد حوله كى تشربه الرمال .. ويقول له : اكْفُرْ برَبِّ مُحمد ، أُخَفِّف عنكَ ما بكَ من عذاب .. فيهتف بِلال من أعماقه : أَحَدٌ .. أَحَدٌ .. أَحَدٌ .. فيشتدَّ سيِّده فى عذابه ، ويشتدَّ فى عناده ، فيأخذه ويَربطه من عُنقه بحبل من ليف ، ويُعطيه للغِلْمَان يَلعَبُون به فى سِكك مكة ، وشِعابها ، ويَقذفونه بالحجارة حتى إذا ملُّوا تركوه فى الشمس مُوثق اليدين والقدمين .. يَمرُّ عليه ورقة بن نوفل - ذلك الراهب الذى تَنصَّر فى الجاهلية - ويراه فى العذاب فيقول له : نعمْ يَابلال .. أَحَدٌ .. أَحَدٌ .. أَحدٌ .. ، والله يا بلال  لئن مِتَّ لأَتخِذَنَّ قبرك حناناً (أى موضع للتبرك) ، وأرجوا أن يَقبلنى الله فِيه ..
  • أبو بكر الصديق يشترى بلال ويعتقه
يُشْفق النبى  على بِلاَل من هذا العذاب الذى لا تتحمله الجبال ، فيقول لأبى بكر الصديق : "لوكَان عِنْدنا مَالاً لأشترينا بلال ، وأَعْتقناه" .. ويَفهم أبو بكر إشارة النبى  ، ويذهب إلى أُمية بن خلف يَعرض عليه شراء بِلاَل ، ويزهِّدُه فيه ، فيبيعه له بخمس أوراق من فضة ويقول له : والله لو لم تَعْرضْ إلا أُوقِّية واحدة لَبعْته لك ، ويرد عليه أبو بكر قائلاً : والله لو أبيت إلاَّ مائة لاشتَريْته منك .. واشتراه أبو بكر وأعتقه لوجه الله الكريم .. فيقول عُمر بن الخطاب : أبو بكر سيِّدُنا وأعتق سيِّدَنا .

وتمضى الأيام .. ويلازم بِلاَل رسول الله  ويصبح أوَّل مؤذن فى الإسلام .. يُؤذن للنبى  فى السفر ، والحضر ولايتخلف عنه فى غزوة أو سفر . تأتى غزوة (بدر) ويخرج بِلاَل مع النبى  ، ويرى بين جموع المشركين أُمية بن خلف .. ذلك الجبَّار الذى كان يسُومَه سوء العذاب ، فيهتف بَلاَل قائلاً : أُمية بن خلف !! لانجوت إنْ نجا .. ويهجم عليه هجمة الأسد الجريح ، ويُمَكِّنه الله منه فيقتله بيده التى كان يُوثقُها أُمية ، ويشف الله صدر بِلال ويُذهِبَ غيظ قلبه ، ويهتف المسلمون فى (بدر) : أَحدٌ .. أَحدٌ .. أَحدٌ .
  • النبى ﷺ يختار بلال مؤذنا
تمضى الأيام ، وتفتح مكة أبوابها على مصراعيها لرسول الله  وصحبه ، ويدخل النبى  الكعبة ، ومعه  بِلال وأسامة بن زيد ، ويُصلِّى فيها ركعتين ، ويُحطِّم الأصنام - وكانت ثلاثمائة وستين صنماً - وهو يقول : "جَاء الحَق ، وزهق الباطل إنَّ البَاطِلَ كان زهوقاً" . ويَأْمر النبى  بِلالاً  فيرقى على سطح الكعبة ليهتف بأوَّل أذان فى مكة : الله أكبر .. الله أكبر .. فتردد جبال مكة صدى أذان بلال  بكلمة الحق ، بعد ما رددت أنينه من قبل : أحدٌ .. أحدٌ .. يبشر النبى ﷺ بِلالاً بالجنَّة قائلا له : "يابِلاَل .. بم سبقتنى إلى الجنَّة ؟ .. ما دخلت الجنَّة قط إلا سمعت خَشْخَشَة نعلك أمامى ؛؛" فقال بلال : يارسول الله ، ما أَحدثْتُ قط (انتقاض الوضوء) إلا وتَوضاْت على الفور ووجدت أن لله علىَّ أن أصلى ركعتين بهذا الوضوء ..

يَنْتقل الرسول  إلى الرفيق الأَعلى ، ويذهب بِلال إلى أبى بكر الصديق ويقول له : ياخليفة رسول الله ، لقد سمعت رسول الله  يقول : أفْضل أعمال أمَّتى الجهاد فى سبيل الله .. وقد أردتُ أن أرابطَ فى سبيل الله حتى أموت ، ائذن لى فى الإرتحال إلى الشام .. فقال أبوبكر : يابِلال ، أنشدك الله - يابِلال - وحُرْمَتى وحقِّى .. لقد كَبِرْتُ ، واقْتَرب أَجلى .. أقم معى ولا تَتْركْنى .. فأقام بلال مع أبى بكر الصديق يُؤذِّن له حتى مات أبوبكر (رضى الله عنه) ..

تولى الخلافة عمر بن الخطاب .. فذهب إليه بلال ، وقال له مثل ماقال لأبى بكر وحاول عُمر أن يُثْنِيه عن عزمه فأبى .. وارتحل إلى الشام مع أخ له فى الله يُقال له (أبو رُوَيحَة) .. وذهبا يَخْطِبَان شقيقتين فقال بلال لأهلهما : أتْينَاكُمْ خاطبَيْن .. وقد كُنَّا كافرين ، فهدانا الله .. وكُنَّا مملوكين ، فأعْتَقَنا الله .. وكُنَّا فَقيِرَين فَأغْنَانا الله .. فإن تُزوِّجُونا فالحمد لله ، وإن تَرُدُّونا فلا حَول ولا قُوَّة إلا بالله .. فزوجوهما والحمد لله .. واستقرَّ بلال فى الشام ، حتى جاءها عمر بن الخطاب ، فَأذَّن له فى بيت المقدس ، وهاجت ذكرياته فبكى فى أَذَانه ، وامتنع عن الأذان بعد ذلك ..
  • بلال يرى النبى ﷺ فى منامه
وذات يوم يرى بِلال فى منامه النبى  يقول له :"مَاهذه الجَفْوَة يَابِِلال ؟! .. أَمَا آنَ لكَ أنْ تَزورنا ؟!".. فانتبه بِلال من نومه حزينًا ، وشد الرِّحَال إلى مسجد رسول الله  وأتى قبره ، وجعل يبكى عنده ويتمرغ عليه ، فأقبل عليه الحسن والحسين (رضى الله عنهما) فجعل يُقبلهما ، ويَضمهما ويبكى .. فقالا له يابلال .. نَشتهى أنْ تُؤذِّن فى السَّحر .. فلم يستطع أن يرفض هذا الطلب فى هذا المقام .. فَعَلا سطح المسجد فى السَّحَر ، وقال : الله أكبر .. الله أكبر .. فارتجَّت المدينة .. فلمَّا قال : أشهد أن لا إله إلا الله .. زادت رجَّتُها ، فلمَّا قال : أشهد أنَّ مُحَمَّدًا رسولُ الله .. خَرَج الرِّجال جَميعًا وخَرَجت النساء من خُدورِهنَّ .. وخَرَجت المدينة عن بكرة أبيها والكل يُهَمهِم لقد عاد رسول الله وتسيل الدمُوع ويبكى كل من فى المدينة  فما رُؤى يومُ أكْثر باكيًا وباكية من ذلك اليوم .. فقد هيَّج أذانه ، وصوته الرخيم أحزان الناس ، وأشواقَهُمْ لسيِّد الخلق  .
  • وفاة بلال بن رباح
بعد تلك الليلة المشهودة شدَّ بِلالُ رحاله عائداً إلى الشام مرابطًا فيها ، متفائلاً ببشرى رسول الله  : "المُؤَذِّنون أَطْولُ النَّاسِ أعناقًا يَومَ القِيَامة" .. وتأتى لحظة الرحيل ، وتنادى إمرأته : واحزناه ؛ فقال : " واطرباه ؛ غدًا ألقى الأحبة مُحمَّدًا وحِزْبه " .. ويَموت بِلال عن بِضع وستين سنة .. ويُدفن بالشام .. ويَلحق بالرفيق الأعلى ، ليَتَقدَّم بين يدىْ رسول الله  فى الجنَّة ، كما كان يَتقدَّم بين يديه فى الدنيا .. يَفسح له الطريق .. ويسمع الرسول  خَشْخَشَة نَعْليه بيْن يديْه .

بِلال هو سيِّد المُؤذِّنين وأول مُؤذن فى الإسلام ، صاحب الصوت الجميل ، صاحب القلب الأبيض الجميل ، أَسأل الله أن يُلحقنا به فى الرفيق الأعلى ، وأن يُلحقنا مع الذين اتقوا فى عليين إنَّه على مايشاء قدير وصلى الله على سيدنا مُحمد وعلى آله وصحبه وسلِّم .
                                    ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛                                  
     المرجع : فى رحاب الأصحاب
      للمرحوم الشيخ / ياسين رشدى