من هدى النبى ﷺ | إذا فَسَد الزَّمان كيف يَتَصرف المُسْلم إذا عَاصَرهُ

 إِذَا فَسَـدَ الزَّمَـان 

  • إذا فسد الزمان ورأيت أن اختلاطك مع الناس لا يزيدك إلا شراً وبُعداً من الله فعليك بالوحدة واعتزال الناس ، فالعُزلة فى زمن الفتن والشر والخوف من المعاصى خيرٌ من الخُلطة مع الناس ، أما إذا لم يكن الأمر كذلك فاختلط مع الناس وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على آذاهم وعاشرهم بالحسنى ، حيث يقول النبى صلى الله عليه وسلم :
{1}  بَلِ  إئْتَمِرُوا  بِالمَعْرُوفِ  وَتَنَاهَوا  عَنِ  المُنْكَرِ ،  حَتىَّ  إِذَا  رأَيْتَ : شُحًا  مُطَاعًا  ،  وهَوًى  مُتَّبَعًا  ،  ودُنْيَا  مُؤْثَرةً  ،  وإعْجَابَ  كُلِّ  ذِى  رَأْى  بِرَأْيِه  ،  وَرَأيْتَ  أَمرًا  لاَ  يَدَانِ  لَكَ  بِهِ  ،  فَعَليْكَ  خُوَيْصَةَ  نفْسِك  ..  فإنَّ  مِنْ  وَرَائِكُمْ  أيَّامًا  الصَّبْرُ  فِيهِنَّ  على  مِثْل  قَبْضِِ  الجَمْرِ ،  لِلْعاَمِلِ  فِيهنَّ  مِثْلُ  أَجْرِ  خَمْسِينَ  رَجُلاً  يَعْمَلُونَ  مِثْلَ  عَمَلِهِ  ..  قِيلَ : يَا رَسُولَ  الله ، أَجْرُ  خَمْسِينَ  مِنَّا  أَوْ  مِنْهُمْ  ؟  قَالَ : لاَ  بَلْ  مِنْكُمْ   رواه الديلمىُّ والترمذىُّ وابن ماجه ، وأبو يعلى وابن حِبَّان والحاكم والطبرانىُّ عن أبى ثعلبة الخُشْنِىِ (رضى الله عنه) .
  • يبين هذا الحديث كيف يتصرف المسلم إذا فسد الزمان ، وعاصره .. والمَعْرُوف هو كل ما عُرف حسنه بالعقل ، والشرع .. والمُنْكر هو كل ما أنكره العقل السليم ، والشرع الحنيف .. والرسول   يأمرنا أن نأتمر بالمعروف ، ونتناهى عن المنكر .. إلى أن نرى أربعة أمور حددها فيما يلى
  1. الشُّح المُطاع : أى البُخْل الشَّديد ، وهو مرض من أمراض النفوس .
  2. الهَوَى المُتَّبع : وهو ما تهواه النَّفس وتشتهيه ، وسُمِّى كذلك لأنه يَهوى بصاحبه فى النار .
  3. الدُّنْيا المُؤْثَرة : وهو أن يُؤْثِر الناس دنياهم على أُخراهم ، فيعملوا لها غافلين عن الموت والحساب ، ويوم القيامة غير مُبَالين بثواب أو عقاب .
  4. الإِعْجَاب بِالرأْى : وهو نوع من أنواع الغرور، والكبر يجعل صاحبه لا يستمع لنُصح نَاصح ، ولا يستشيرأحدًا فى أمر من أموره .. يستبدُّ برأيه ، ويُعْجَبُ بعقله وفكره ، ولا يرى الصواب إلا فيما يراه هو .
  • فإذا اجتمعت هذه الأمور فى أُناس عصر من العصور فقد فسدوا وفسد زمانهم .. فيجد المسلم المحافظ على دينه المُتَمسك بعقيدته ، أنَّهُ وحيدًا بين الناس ، غريبًا عنهم ، لا يتمكن العيش بينهم فى سلام .. تُوضَعُ له العقبات فى طريقه ، ويُحاربُ فى رزقه ، وعمله ، ويُسْخر مِنْه ويُستهزأُ بِهِ .. فيصبح بِتَمسُّكه بدينه ، وسُنَّة رسوله    ـــ كالقابض على قطعة من الجمر بيده .
  • لذلك يُبشِّر النبى   المُتَمسِّك بدينه فى ذلك الزمان بأجر يساوى أجر خمسين رجلاً من الصحابة (رضوان الله عليهم) ، لأنه لا يجد على الحق نصيرًا ،  وكان الصحابة (رضوان الله عليهم) يجدون على الحق نصيرًا .. ولذلك يأمر النبى   من يُعاصر ذلك الزمان أن يَعْتزِل الناس ، وأنْ يَهتم بإصلاح نفسه ، ومن يتولى أمرهم من زوجة وولد ، وأن يَمتنع عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، لأنه فى ذلك الزمان لا يجد من يستمع له ، أو يجيبه من أمر أو نهى ، وخير ما يهديه فى ظلمات ذلك الزمان هو سُنَّة النبى   وسُنَّة أصحابه (رضوان الله عليهم) . يؤكد ذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم :
{2}  قَدْ  تَرَكْتُكُمْ  عَلَى  البَيْضَاءِ   لَيْلُهَا  كَنَهارِهَا ، لاَ  يَزِيغُ  عَنْهَا   بَعْدِى  إلا هَالِكٌ  ،  وَمَنْ  يَعشْ  مِنْكُمْ  فَسَيرَى  اخْتِلافًا  كَثِيرًا ، فَعَليْكُمْ  بِمَا  عَرَفْتُمْ  من  سُنَّتِى ،  وسُنَّةِ  الخُلَفَاءِ  الرَّاشِدِينَ  المَهْدِيِّينَ  ،  عَضُّوا  عَلَيْهَا  بِالنَّوَاجِز ، وعَليْكُم  بِالطَّاعَةِ  ،  وإِنْ  عَبْدًا  حَبَشِيًّا  ،  فَإنَّمَا  المُؤْمِنُ  كَالجَمَلِ الأَنُفِ  حَيْثُمَا  قِيدَ  انْقَادَ .    رواه أحمد وابن ماجه والحاكم عن العِرباض (رضى الله عنه) .
  • البيضاء هى سُنَّة النبى   الواضحة الجليَّة .. من تركها هلك ، ومن تمسَّك بها نجا ..فما من خير فى العاجل والآجل إلا وقد بيَّنته السُّنَّة وأمرت به ، وما من شرِّ فى العاجل والآجل إلا كشفته السُّنَّة وحذَّرت منه .. والسُّنَّة مدونة بفضل الله عزَّ وجلَّ فى كتب الحديث وشرح العلماء فلا عذر لأحد .. 
  • كما يَأْمر الحديث بطاعة الحُكَّام فى غير معصية  الله ، وعدم الخروج عليهم حتى لا تكون فِتْنَة .. ويشبِّه المؤمن بالجمل الذى أصيب فى أنفه (أى الأنف) ، وقد وضعت حديدة اللجام فيه فينقاد حيث قاده صاحبه ؛ لأن أى شرود عن ذلك يضر الجرح ، ويزيده ؛ فلا يزداد الجمل بشروده أو امتناعه إِلا ألمًا لا يطاق  .. والمؤمِنُ كيِّسٌ فَطنٌ ، لا يُورِد نفْسَه مَوارِدَ التهلُكةِ .
                                      ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛                                       
      المرجع / من مجامع الكلم
      للشيخ / ياسين رشدى