من هدى النبى ﷺ | العِتَابُ الغَريبُ يوم القِيَامة بين الحَقُّ تباركَ وتَعالى وبين العَبْد
العِتــَــابُ الْغـَـــرِيبُ
- الحديث التالى حديث قدسى يرويه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله عزَّ وجلَّ :
- الحديث يُبَيَّن أَعمالا قد لا يُلْقى لها الإنسان بالاً ، ولكنها محلُّ عِتَاب وسُؤال .. ويُرْفَع مَنْ أتى بها درجات عند رَبِّ العَالَمِين .. فَالدِّين ليس مُجَرَّد عِبادات فقط .. إذ إنَّ العِبَادات وسائل ، وليست غايات ، فهى أُمور الهدف منها : إصلاح الخُلُق ، وتَوجيه السلُوك ، ونشر المعروف بين الناس .. فإذا قام الإنسان بأداء العبادات من : صلاة ، وصوم ، وزكاة ، وحج ، وبقى على أخلاق الجاهلية من : توحُّش وأَنَانِيَة وتَكبُّر ؛ كانت عبادته شكلاً بلا مضمون ، كشجرة بلا ثمار أو ظلال .. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ؛ فمن لم تَنْهَهُ صلاته فلا صلاة له .. وقد أَثْنى ربُّنا تبارك وتعالى على حبيبه المصطفى ﷺ بقوله : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) ﴾ القلم . . ولم يذكر صلاته ، أو صيامه ، فقد بُعِثَ النبى ﷺ ليُتَمِّمَ مكارم الأخلاق ..
- إذًا أَفْضل المؤمنين إيمانًا أَحْسنهم خُلُقًا .. الذى يسود المعروف فى تعامله مع الناس فينتفع منهم وينتفعون منه .. والتَوادُد والتَراحُم بين المسلمين من أهداف الإسلام إن لم يكن الهدف الأعظم والأكبر ؛ فمن كان له فضل مال عاد به على من لا مال له ، ومن كان له فضل زاد عاد به على من لا زاد له .. وهكذا ..
- فإن كان الحديث يُبَيِّن أنَّ القاعدين عن بذل المعروف لإخوانهم مُعَاتَبون مُؤاخَذُون يوم القيامة حيث لا ينفع الندم .. إلا أنَّه فِى نَفْس الوقت يُبَشِّرُ المريض الصابر وكأن الله عزَّ وجلَّ يقول له : إذا لم يَزُرْكَ أَحد مِنَ الناس فلا تحزن ؛ فأنا معك بِرِعَايَتِى ، وعِنَايَتِى أُكَفِّرُ عنك خطاياك بِبَعْض الألم ، وأُبْدِلُكَ لحمًا خيرًا من لَحمِك ، ودمًا خَيرًا مِنْ دَمِكَ..
- أيضًا الحديث بُشْرى للفقير الذى يستطعم الناس فلا يُطعمونه .. وكأن الله تبارك وتعالى يقول له : ما أَحْوجتُكَ إليهم لِهَوَانٍ لك عِنْدى ، ولكنى جَعلتُك فِتْنَةً لهم وابتلاء ، فَمَنْ أَطْعَمَكَ وَجَدَ ذلك عِندى ، ومَنْ لم يُطْعِمْك أَوقفته للسؤال بين يدى حيث لا يَسْأَل حَمِيمٌ حَمِيمًا .
- كذلك نجد أنَِّ الحديث ضرب أَمثلة بالمرض والجُوع والعَطَش لكل ما يمكن أن يُؤَدَّى من معروف .. فهو دعوة عامة لكل من يستطيع أن يبذُل عونًا مادِّيًّا أو مَعْنَوِيًّا لأخيه المُسلم أن يفعل ولا يَغْفل .. لذلك يُبيِّن النبى ﷺ أمثلة عديدة للمعروف داعيًا إليها بقوله :
- هذا الحديث يوضح لنا أن الله تبارك وتعالى يُثِيبُ على أعمال كثيرة قد يستصغرها الإنسان ، وصدق سَيدنا عُمَرُ بنُ الخطاب (رضى الله عنه) حيث يقول : البِرُّ أَمْرٌ هَيِّنٌ .. وَجْهٌ طَلِيقٌ ، وكَلاَمٌ لَيِّنٌ .. والمتأمِّل فى كلمات الحديث يجد أنَّ الأعمال المذكورة كلها ما هى إِلا صنائع معروف تُورِث المَودَّة ، والأُلْفَةَ بينَ الناس ، فبمجرد التبسُّم فى وجه المسلم الذى عبَّر عنه الحديث بكلمة (أخيك) تُشعر بما يجب على المسلم نحو أخيه المسلم .. وكلها أمور لا مَشَقَّةَ فى الإتيان بها : فالأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر يعبر عن الإهتمام بمصالح الآخرين ، والحرص على ما ينفعهم بلطفٍ ورِقَّة ، وليس بالإستعلاء والتعدِّى والإيذاء ، وكذلك إرشاد من ضلَّ طريقه ، وإزالة ما يؤذى الناس فى طريقهم ـــ أَيًّا كانت صورة هذا الأذى ـــ فهو صدقة .. وإفراغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فى دَلْوِ أخيك تشمل الماء الزائد عن حاجتك ، وكل ما يحتاجه الآخرون وعندك منه ما يزيد عن حاجتك ـــ لك صدقة .
- إذًا الإسلام : تكافُلٌ ، وتَرَاحُم ، وتوادُدٌ ، وبذل للمعروف وما ينفع الآخرين ، وليس عبادات شكلية لا روح فيها ولا حياة .. وإذا كانت هذه الأعمال الدالة على الرحمة والحنان تُرضى الله تبارك وتعالى فلا شك أنَّ ضِدها يُغْضِب الله .. كإلقاء القاذورات فى طريق الناس ، وإمساك ما ينفعهم مما أعطاك الله .. والسكوت عن نصحهم ، وعدم الإهتمام بشأنهم ، وما يُصلحهم ، وقَصر الإهتمام على الذات ، وكل ما من شأنه أن يفرق الجماعة ، ويُشتِّت الشمل ، ويورث كلمة " نَفْسى ثُمَّ نَفْسِى " .. فإنه إذا حدث ذلك رُفِعَت البَرَكة ، وزالت الأمانة ، وحلَّ التباغض والتدابر والتباعد ، وبدأت الفِتَنُ التى لا قِبَل للأُمة بها والتى حَذَّرَ النبى ﷺ منها بقوله :
- لا شك أنَّ منْ قدَّم المعروف يُنْجِيه الله من هذه الفتن ، ويجعل له مَخرجًا ، ويرزقه بصيرة يُمَيِّز بها بين الحق والباطل ، وبين الصواب والخطأ فى هذه الفتن التى تُشْبِهُ الليل الدامس الظلام ، الذى لا يعرف الإنسان فيه طريقه ، ولا يدرى أين يَتَّجِه ؟! وهكذا الفِتَن المذكورة يقع فيها الإنسان ، وتُحيط به ، فلا يدرى أى السُّبُل يسلك ؟ فرغم أنه يُصبح مؤمنًا إِلاَّ أنه يُمْسِى كافرًا !! أو يُمْسِى مُؤْمِنًا فيُصبح كافرًا ؛ يبيع دينه بِعَرَضٍ مِنَ الدنيا قليل .. وذاك يعنى أنه قد فقد التمييز تمامًا ، ولم يجد من يهديه أو يُرشده إلى طريق السلامة .. والمخرج الوحيد من هذه الفتن هو الأعمال الصالحة وبذل المعروف .. فإن صنائع المعروف تقى مصارع السوء .. وربُّنا تبارك وتعالى يقول : ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) ﴾ الرحمن . ويقول : ﴿ .. وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) ﴾ الطلاق .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛