هل تعلم؟ | العـــدس لحم الفقراء الشهى ، صديق الفقراء وعاشق الشتاء
العـــــدس
لحم الفقراء الشهى
للكاتب المصرى / محمد محمد مستجاب
والعدس هو " لحم الفقراء" فى تراث معظم بلدان الشرق ، وهو عُشبٌ حَولىٌ دقيق الساق من الفصيلة القرنية ، ثمرتُهُ قرنٌ مفلطح صغير فيه بذرة أو بذرتان تنقشر كل بذرة عن فِلْقَتيْن برتقاليتى اللون ، وإذا لم تقشر فهو الذى يقال له : عدس أبو جِبَّة ، ومفرده عدسة .
- العدس فى الأمثال الشعبية
لقدم العدس فى الثقافى الشرقية فقد حمل الكثير من الأمثال الشعبية على عاتقه ، والمدهش أن تلك الأمثال لها كثير من المرادفات فى البلدان العربية ، برغم أن المقصود منها واحد ، فأشهر مثل شعبى يتصدره العدس هو : " اللى ما يعرفش يقول عدس " ، وهو يقال عندما يعتقد شخص شيئًا خطأ وآخر يعرف الحقيقة .
ومرادفه فى العراق يقال : " اللى يدرى يدرى واللى ما يدرى كضبة عدس" أى بكف عدس ، وفى اليمن يقال : " اللى مش دارى يقول بِلّسنْ" و " بلسن " تعنى العدس .
وفى الشام يقال : " إذا جاء الشتاء أعدس وأبصل" أى كُل عدسًا وبصلاً ، ويقال : " العدس لحمة الفقراء ... والعدس لحم الفلاح" ، و " اللى عنده فلفل يرش على شربة العدس" كناية عن أن العدس يؤكل مع الفجل والبصل والليمون ومن دون مطيبات ، و " إذا إجا ميلاده رد العدس لبلاده" ، و " زى العدس ما بتعرف ظهره من بطنه" كناية عن الشخص المتقلب .
والمدهش أن إكتمال الرجولة عند الفلاحين فى فلسطين مرتبط بأكل العدس ، فيقول كبار السن للشباب : " لسه ذراعك ما انتلى عدس" أى أن ذراعك لم تمتلئ بالعدس ، فى إشارة إلى القوة ، ويقال أيضًا .
- فوائد العــدس
ذكر داود الأنطاكى فى كتاب "التذكرة" فوائد عدة للعدس فى الطب القديم ، وحديثا تصدر العدس أكثر خمسة مأكولات أعلى صحية على مستوى العالم ، متفوقًا على اللحوم ، بسبب فوائده الكثيرة ، حيث يقدم للجسم الكالسيوم والحديد والفوسفور والكربوهيدرات ونسبة بسيطة من الدهون ، مما يجعله غذاء أساسيًا للذين يقومون بأعمال بدنية شاقة ، ونظرًا لإحتوائه على سعرات حرارية عالية ، كما أنه يخفض مستويات الكوليسترول ، ويحفظ استقرار السكر فى الدم ويمنع الإمساك ، ويقى القلب من الذبحة الصدرية ، ويدعم صحة العظام والأسنان ، لذا فإن حساء العدس يوصف فى الهند دواء شافيًا لنزلات البرد ، وفى كثير من البلدان يعتبر مفيدًا للأمهات المرضعات ، ويفيد أكل حبوب العدس النىء فى تخفيف حموضة المعدة وتقويتها ومعالجة القرحة .
- العدس فى التراث الشعبى العربى
"خميس العدس أو العهد أو الفرفيطة" وأحد من أشهر العادات بصعيد مصر ، حيث يبدأ الأهالى من المسيحيين والمسلمين فى منتصف شهر أبريل من كل عام الإستعداد لشم النسيم بداية من "خميس العدس" فتملأ رائحة العدس الأصفر ذلك اليوم كل مكان فى قرى الصعيد ، وتبدأ السيدات مع صباح يوم الخميس فى إعداده ، ليكون الوجبة الأساسية ، حيث يلطخن جدران البيت به حتى يأكله الذباب فى ذلك اليوم ولا يأتى على البيت بقية أيام السنة ، كما يذبحن طائرا ويتركنه "يفرفط" فى الدار لنثر دمه ليمنع الحسد ويبعد النكد والخصام طوال أيام العام ، كما يعتقد عامة الناس هناك.
وفى بلاد الشام وفلسطين نشم رائحة "شوربة العدس" من البيوت ، ويقال : "اليوم يوم العدس" وهى الوجبة التى يضع الفلاحون إلى جانبها بعض الخضروات ، كالفجل والبصل والزيتون ، لذا يقال فى المثل الشعبى : "إذا عدستم فابصلوا"
- العــدس فى التاريخ
يرجع أكل العدس كطعام إلى قديم الزمان ، وكان يطلق عليه "الأدس" وفقا للغة الهيروغليفية .
وقد ورد ذكر العدس بالقرآن الكريم فى قصة بنى إسرائيل مع النبى موسى (عليه السلام) فى سورة البقرة عندما طالبوه بأن ينوع لهم الطعام ، متعللين بأنهم لن يصبروا على طعام واحد ، حيث يقول سبحانه وتعالى : ﴿ .. فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ.. (61) ﴾ البقرة .
وورد ذكره فى التوراة فى قصة عيسو ــ أخى النبى يعقوب (عليه السلام) ــ عندما تنازل عن زعامة العائلة لأخيه يعقوب مقابل وجبة عدس كان يرغب فى تناولها ، وقد كانت هذه الوجبة مفضلة جدًا لديهم ، حيث كانت توزع فى المآتم ، كما نجده فى العهد القديم على أنه طعام أيام القحط والحزن والألم واعتبره الرومان من أغذية الطبقات الوضيعة جدًا ، يأكله الفقراء والراغبون فى التقشف وترك متاع الدنيا من الطعام .
والعدس فى المعتقدات الأوربية مختلف المزاج ، فنجد أن من أكل عدسًا ساء مزاجه ، ومن عضه شخص كان قد أكل لتوه عدسًا ، مات خلال الأيام الثلاثة التالية .
- شوربة العــدس
عند اشتداد فصل الشتاء وقسوته يظهر العدس على سطح العقول ليملأ البطون بحثًا عن الدفء ، فالعدس فى بلاد الشام : مجدرة ورشوف أو المدقوقة وشوربة بالكؤوس .
الرشوف أو "المدقوقة" : هى أكلة شعبية شامية منتشرة بين أهل الريف والبادية تتكون من العدس والقمح المجروش واللبن والسمن وخبز الشراك .
والرقاق والعدس : هى وجبة يوضع العدس فيها على الرقاق وهو حب كامل ، ويبقى على النار حتى ينضج العجين و "يتسبًّك" مع العدس ، وتكون الطبخة رخوة لا صلبة . و "الرشتة" من الأكلات الجماعية وتقدم للعمال والفلاحين ، وتؤكل فى الخلاء ويكثر تناولها فى أيام الشتاء . و "الجدرة" تتكون من العدس والأرز أو من العدس والبرغل ، مع رش البصل المقلى بالزيت على وجه الطبق عند تقديمه للأكل ، وهى شبيه بالكشرى المصرى .
وهو من الاكلات الشعبية والمحببة والشهيرة فى مصر ، والتى تتكون من العدس الأحمر أو الأصفر والماء والبصل والكمون والملح ، تلك المكونات الأساسية اللازمة لطبق الشوربة ، ومنه "فتة العدس" وهى من أشهر الأكلات للعدس ، خاصة مع الخبز الجاف والبصل الأخضر ، وأفضل طريقة لتناول العدس أن يُتناول كحساء فى بداية الأكل ، لذا تزدهر شوربة العدس فى أيام شهر رمضان ، حيث يبدأ الصائم بتناول طعامه بحساء العدس ، وتزداد قيمته عند تناول بعض من شرائح البصل الأخضر معه كما يفعل عامة الناس .
- العدس فى التراث العربى
اشتهر العدس بأنه طعام الفقراء ، ويقال عنه : "لحم الفقراء العدس" لكن من العيب أن تطعم ضيفك عدسًا ، وقد رُوى فى التراث الإسلامى أن رجلا شكا إلى نبى من الأنبياء قساوة القلب ، فقال له : "عليك بالعدس فإنه يُرقٌ القلب ، ويُسرع الدمعة" . ويحكى أن معاوية بن أبى سفيان كان مغرمًا بأكل العدس بنهم ، وكان يأكل عدة أرطال منه يوميًا ولا يشبع .
- العدس والسِّلْم الإجتماعى
يكره كثير من الأغنياء العدس ، لأنه يذكرهم بماضيهم الفقير والتعس أيضًا ، أو لأنه يذكرهم بأيام قديمة يريدون نسيانها ، مثل أيام المذاكرة والدراسة وفى المدن الجامعية ، حيث إنه من الوجبات الأساسية ، أو فى أيام التدريب بالجيش ، أو فى السجن ، ولأن العدس أكلة منزلية دافئة ، وذو صدر رحب لا يبخل بعطائه ، فقد دفع هذا "فتة العدس" إلى أن تنتشر الآن كثيرًا ، وأصبحت وجبة يمكن لك أن تأكلها فى المحلات لكنها تفتقد الكثير من بهجة الماضى وشبعه وحنينه أيضًا .
وفى السنوات الأخيرة ارتفعت أسعار العدس فى كثير من البلدان العربية ، وأصبح سعره فوق طاقة كثير من الفقراء ، مما جعل تغير مزاجه وتجارته يعبران عن تحطم السلم الإجتماعى الذى كان أحد مؤسسيه وقادته ، وبالتالى سندخل هذا الشتاء من دون عدس ، ونكتفى بذكرياتنا معه فقط . 🅪
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛