قضايا عامة | حقوق الإنسان فى الشريعة الإسلامية (حرية الرأى والتفكير)
حقوق الإنسان فى الشريعة الإسلامية
حرية الرأى والتفكير
للأستاذ الدكتور/ محمد المختار المهدى
إن الرأى منتهى ما يستقر فى الزهن بعد البحث والتفكير ، ومن حق المجتمع الذى رَبَّى هذا الزهن وأولاه عنايته أن ينتفع بثمرته ، وهو لا ينتفع بذلك إذا كان هناك قيد على نشر هذه الآراء مادامت فى محيط النفع العام ، ومادامت فى دائرة العقل ، وفى إطار من الإحترام يحجزها عن التعدى على حرمات الآخرين ، أو على قدسية الأديان والقانون .
إن الآراء السليمة هى التى تُكوَّن الجو المناسب للتقدم الحضارى المنشود ، وإن الجو الإسلامى لهو خير الأجواء التى تنمو فيها الآراء السامية الهادية إلى الخير والمصلحة العامة .
فى (غزوة بدر الكبرى) ، وفى أول لقاء بين الإسلام والكفر تَخيَّر الرسول ﷺ مكانًا للمعركة رأى أنه الموقع المناسب ، ومع أن الرسول ﷺ يتمتع بين أمته باحترام وتقدير خاص حيث إنه المُوحِى إليه ، مع هذا ينفسح مجال الإسلام للرأى والمناقشة ، قال له سيدنا " الحُباب بن المُنْذر " فى أدب جمَّ وفى حرص شديد على مصلحة المسلمين : " أرأيت هذا المنزل أهو منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم عليه أو نتأخر ، أو هو الرأى والحرب والمكيدة ؟ " فقال الرسول ﷺ : " بلْ هو الرأْى والحرب والمَكيدة " فقال : " ليس هذا بمنزل يا رسول الله ، انهض بالناس حتى نأْتى على أدنى ماء من القوم ، ثم نغوِّر ما وراءه فنشرب ولا يشربون " ولم يسع الرسول ﷺ إلا أن يستجيب لرأى هذا الجندى الباسل المخلص .
وفى (غزوة أحد) تنازل رسول الله ﷺ عن رأيه وأخذ برأى الشباب الذى صمم على الخروج إلى الأعداء ، حتى لا يقول الناس : إنهم حبسوا المسلمين فى ديارهم .
وفى (غزوة الأحزاب) أخذ كذلك برأى سيدنا " سلمان الفارسى " فى حفر الخندق .
وفى (غزوة بنى قريظة) لمَّا قال الرسول ﷺ يوم الأحزاب : " لا يُصليَنَّ أحدٌ العصر إلا فِى بنى قُريْظة " . فأدرك بعضهم صلاة العصر فى الطريق ، فقال بعضهم لا نصلى حتى نأتيها . وقال بعضهم بل نصلى ، لم يرد منا ذلك ، فذكر ذلك للنبى ﷺ فلم يعنف واحدًا منهم .
مفارقة واضحة بين ميثاق البشر وشريعة الإسلام : على أن هناك فارقًا ضخمًا بين التعبير الحديث بحرية الرأى التى تعنى إباحة نشره فحسب ، وبين مبدأ الإسلام الذى يفرض إعلان هذا الرأى ما دام فى دائرة النفع العام ، وفى إطار الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، إن الإسلام يعتبر هذا الأمر وذلك النهى فريضة على كل مسلم مستطيع ، وبذلك يفتح الإسلام أقطار العقل والفكر من كل أبوابها ليفكر كل مسلم فيما هو واقع فى المجتمع ، ليكون عنه الآراء السليمة ، ويعلنها على الناس .
أى أن إبداء الآراء الصائبة فى الإسلام ليس ترفًا عقليًا يباشره من يشاء ، ولكنه واجب إجتماعى وفرض دينى ، لا يتخلص المؤمن من تبعته الإجتماعية إلا حينما يؤديه على خير الوجوه . قال صلى الله عليه وسلم : " من رأى مِنْكم مُنكرًا فليُغيره بيده فإن لم يَسْتطع فبلسانه فإنْ لم يَسْتطع فَبِقلْبه وذلك أَضْعف الإيمَان " أخرجه مسلم (كتاب الإيمان) ، ويقول الله عزَّ وجلَّ فى وصف المجتمع المسلم : ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ .. (71) ﴾ التوبة .
ويربط أهلية المسلمين للصدارة والقيادة لكافة الأمم بمدى محافظتها على القيام بهذا الواجب مع الإيمان بالله تعالى : ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ .. (110) ﴾ آل عمران .
- حرية العمل والتصرف
هناك فرق كبير كذلك بين التعبير بحرية العمل الذى يجعل العمل مباحًا وجائزًا ، وبين روح الإسلام التى تُوجب هذا العمل وتحث عليه بشتى أنواع الأوامر والأساليب ، إن الحديث عن العمل يتخذ صيغة الأمر فى القرآن الكريم فى مثل قوله تعالى : ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ .. (105) ﴾ التوبة .
وفى قوله تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) ﴾ الملك .
ويتخذ صيغة الإمتنان بما هباه الله تعالى من وسائل العمل والإرشاد إلى استغلال الثروات والخيرات التى بثها الله تعالى فى هذا الكون فى مثل قوله تعالى : ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ (54) ﴾ طه .
وتتخذ صيغة الحث والتأكيد فى وصايا رسول الله ﷺ ، يقول صلى الله عليه وسلم : " ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أنْ يأْكل مِنْ عمل يَدهِ ، وإنَّ نبى الله داود (عليه السلام) كان يأْكل منْ عَمل يده " .. ويعتبر الرسول ﷺ العمل جهادًا فى سبيل الله تعالى ما دام لغرض نبيل .
عن كعب بن عجرة قال : مرَّ على النبى ﷺ رجلٍ ، فرأى أصحاب رسول الله ﷺ من جلده ونشاطه ، فقالوا : يا رسول الله ، لو كان هذا فى سبيل الله ؟ ، فقال رسول الله ﷺ : " إنْ كان خرج يَسْعى على ولدِهِ صِغارًا فهو فى سبيل الله ، وإنْ كانَ خرج يَسْعى على أبويْن شَيْخين كبيرين فهو فى سبيل الله ، وإنْ كانَ يسْعى على نفْسهِ يَعفَّها فهو فِى سبيل الله ، وإنْ كان خَرجَ رياءً ومفاخرةً فهو فى سبيل الشيطان " . رواه الطبرانى .
- القضاء على مثبطات العمل
بجانب هذه التوجيهات الإسلامية إلى العمل نجد الرسول ﷺ يُحرِّم البَطالة والتَسوُّل ، قال ﷺ : " مَا يزال الرَّجل يَسْأل الناس حتى يَأْتى يوم القيامة ليس فى وجهه مُزْعَة لحم " ، ويُحرِّم الإسلام وسائل الكسب التى تشجع على الراحة والكسل وتعتمد على المال وحده دون جهد ولا عناء ولا مخاطرة ، ويتمثل ذلك فى تحريمه للربا ، يعنى أن المال يلد المال دون أن يدخل الجهد البشرى عاملاً فعالاً فى نتيجة الكسب ، والقرآن الكريم يعلن حرب الله تعالى ورسوله ﷺ على المرابين فيقول : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ .. (279) ﴾ البقرة .
وكذلك حرَّم الإسلام جميع الطرق التى تؤدى إلى تضخم الأموال عن طريق غير مشروع كابتزاز أموال الناس ، أو غشهم ، أو التحكم فى ضروريات حياتهم ، واستغلال عوزهم وحاجتهم ، أو عن طريق الإنتفاع بالسلطان والجاه ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (188) ﴾ البقرة .
وقال صلى الله عليه وسلم : " ومنْ غَشَّنا فليس مِنَّا " ، وقال : " منْ احْتَكَر فهو خَاطئ "، وعن أبى حميد الساعدى قال : استعمل رسول الله ﷺ رجلاً على صدقات بنى سليم يدعى ابن اللتبية ، فلما جاء حاسبه فقال : هذا مالكم وهذا هدية ، فقال رسول الله ﷺ : " فهلَّا جلست فِى بيْت أبيك وأُمك ، حتى تَأْتيك هديتك إنْ كُنتَ صادقًا " . ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " أمَّا بعد ، فإنى أسْتعمل الرَّجل مِنْكم على العمل ممَّا ولانى الله ، فيأْتى فيقول هذا مَالكُمْ وهذا هدية أُهْديت لى . أفَلا جلسَ فى بيْت أبيه وأُمه حتى تَأْتيه هديته ، والله لا يَأْخذ أحدٌ منْكم شيئًا بغير حقه ، إلا لقى الله يَحْمله يوم القيامة ، فلا أعرفن أحدًا مِنْكم لقى الله يحمل بَعيرًا له رُغاء ، أو بقرة لها خُوار ، أو شاة تيعر " .
ولقد صادر " عمر بن الخطاب " (رضى الله عنه) هدايا عماله على البصرة والبحرين ، وقاسم مال عماله على الكوفة ، وفعل مثل ذلك " عمرو بن العاص " حين كان واليًا على مصر ، فقد كتب إليه : " إنه فشت لك فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان لم تكن حين وليت مصر " .. فكتب إليه " عمرو " : إن أرضنا أرض مزدرع ومتجر ، فنحن نصيب فضلا عما تحتاج إليه نفقاتنا " ، فكتب إليه " عمر" : " إنى قد خبرت من عمال السوء ما كفى ، وكتابك إلىّ كتاب من أقلقه الأخذ بالحق ، وقد سئمت بك ظنًا ، ووجهت إليك " محمد بن مسلمة " ليقاسمك مالك فأطلعه وأطعه وأخرج إليه ما يطالبك ، وأعفه من الغلظة عليك ، برح الخفاء .. وأذعن " عمرو" للأمر وتركه يقاسمه ماله .
بهذه التشريعات الحاسمة رفع الإسلام من قيمة العمل حتى جعله أفضل من الانقطاع لعبادة الله تعالى .
- مسئولية المجتمع فى توفير فرص العمل
لقد كان رسول الله ﷺ باعتباره قائد الأمة يحاول فتح أبواب العمل وتهيئة وسائله لمن يريد ، عن أنس بن مالك أن رجلاً من الأنصار أتى النبى ﷺ يسأله فقال : " أما فى بيتك شئ ؟ " . قال : بلى : حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه الماء قال : " ائتنى بهما " . فأتاه بهما فأخذهما رسول الله ﷺ بيده وقال : " من يشترى هذين ؟ " . قال رجل : أنا آخذهما بدرهم . قال : " من يزيد على درهم ؟ " مرتين أو ثلاثا ، قال رجل : أنا آخذهما بدرهمين . فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصارى وقال : " اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدومًا فأتنى به " . فأتاه به فشد فيه رسول الله ﷺ عودًا بيده ثم قال له : " اذهب فاحْتَطب وبِعْ ولا أرينك خمسة عشر يومًا " . فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا .
فقال رسول الله ﷺ : " هذا خَيْر لكَ من أن تجئ المسألة نُكْتة فى وجهكَ يوم القيامة " .
- حقوق العُمال
حرص الإسلام كذلك على إنصاف العامل وإيفائه حقه كاملاً فى الأجرة دون بخس ولا ظلم ، قال تعالى : ﴿ .. وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ .. (85) ﴾ الأعراف .
وحث الإسلام كذلك على حماية العامل من الأخطار والعمل على تأمينه فى عمله ورعايته رعاية تامة ، يقص الله عزَّ وجلَّ قصة الرجل الصالح وهو يساعد عمال البحر ويقيهم من خطر اغتصاب الظالم لسفينتهم فيقول على لسانه : ﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) ﴾ الكهف .
خلاصة ما يهدف إليه الإسلام أن يضمن للعامل حق المعيشة فى مستوى لائق من التغذية والملبس والمسكن والعناية الصحية ، وفى إطار الرحمة التى لا تكلفه ما لا يطيق ولا تفرض عليه ما لا يستطيع ، وفى رعايته كذلك لما تتطلبه المصلحة العامة ، فإذا كانت قدراته وطاقاته لا تمكنه من كسب ما يفى بكل حاجاته ، فإن له حقًا آخر على المجتمع هو حق الفقراء والمساكين من الزكاة والصدقات من بيت المال تكفل له هذا المستوى الكريم من المعيشة اللائقة بقيمة الإنسان . 🅪
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛