الدين المعاملة | صــلة الرحــم [عدم القطيعة بين الأقارب، والحث على زيارتهم]
صـِــــلَةِ الرَّحِـــــم
[الإحسان إلى الأقارب فى القول والفعل]
الرَّحم فى الأصل هو المكان الذى ينشأ فيه الجَنينُ .. ويُطلق على ذوى القربى الذين اشتركوا فى رحم واحدة مثل الإخْوة ، يليهم أبناء الخال ، والخالة ، وأبناء العم ، والعمة ؛ لأن الأم والخالة اشتركتا فى رحم واحدة ، وكذلك الأب والعم .. وهكذا ، فإن الرَّحم درجات بحسب درجة القرب .. وصلة الرحم من أهم الأمور فى الإسلام .. وتأتى أهميتها بعد أهمية برِّ الوالدين مباشرة .. فقد جاء فى سورة النساء الأمر بتوحيد الله تبارك وتعالى وطاعته ، ثم الأمر ببر الوالدين ، ثم الأمر بصلة الرحم : ﴿ ... وَبِذِي الْقُرْبَىٰ ... (36) ﴾ النساء . مما يدل على أن ذوى القربى لهم حقوق يجب أن تؤدى فى الدنيا ، وهى : صلة الرحم ، وهذا يعنى : إيصال كل خير ، ودفع كل شر ، بحسب الاستطاعة ، وقدر الطاقة ..
وهذه الصلة تتنوع بحسب حال الرَّحم الموصولة : فإن كان القريب فقيرًا فإن صلته تكون بالمساعدة بالمال ، والنبى ﷺ يقول : "الصدقة على المسكين صدقة ، وعلى ذى الرَّحم (القربى) ثنتان : صدقة ، وصلة" رواه الترمذى . وإن كان القريب مظلومًا فصلته : بالزيارة والتخفيف عنه ، وتحسين ظنه بـ الله ، وابتغاء العلاج له ، ومباشرة أحواله ، والعناية بأهله وأولاده الذين منعه مرضه من رعايتهم .. وإن كان ضالا فصلَتُه : محاولة هدايته ، ونُصحه ، وإرشاده بالرِّفق ، واللِّين ، والحُب ، والحنان ، دون تعنيف أو هجر .. والقرآن ملىء بأمثلة ذلك ، كنصح إبراهيم (عليه السلام) لأبيه : ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) ﴾ مريم .. ولما لم يستجيب الأب لنصح ابنه قال له الإبن ، كما يحكى القرآن : ﴿ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) ﴾ مريم .
وهكذا تتنوع صلة الرحم بحسب حال ذى الرحم .. مع ملاحظة أن المودة المتبادلة بين الإخوة والأقارب ، وإن كانت من أخلاق الإسلام ومطلوبة ، إلا أن صلة الرحم أمر آخر ، حيث يقول النبى ﷺ : "ليس الواصلُ بالمُكافئ ، ولكنَّ الواصلَ الذى إذا قُطعت رحمُهُ وصَلَها" .. رواه البخارى أى أن مكافأتك لإحسان ذوى القربى بالإحسان لا تعد من باب صلة الرحم .. وإنما الصلة بمعنى : الوصل ، أى وصل ما قطع وانفصم ..
ولذلك كان من أعلى الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك ، وأن تصل من قطعك ، وأن تُعطى من حرمك ، وهو خلق النبى ﷺ الذى أُمر به فى قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) ﴾ الأعراف . وكلمة الرَّحم مُشتقَّةٌ من كلمة (الرَّحمة) ، وهى أيضا اشتقاق من اسم الله تبارك وتعالى : ﴿ الرَّحْمَٰنُ ﴾ .
وقد جاء فى الحديث القدسى قول الله عزَّ وجلَّ للرحم :
﴿ خَلقتكِ بيدى ، وشققْتُ لك إسمًا من إسْمى ، وقرَّبتُ مكانك منِّى .. وعزَّتى وجلالى : لأصلنَّ من وَصلكِ ، ولأقْطعنَّ من قَطعك ، ولا أرْضى حتى تَرضيْن ﴾ رواه الترمذى . ويدل ذلك على أن لذوى الرِّ حم حقوقًا ، إذا لم ينالوها فى الدنيا طالبوا بها يوم القيامة ، وأن رضا الله تبارك وتعالى متوقف على رضا الرحم التى حين خلقها الله تعلقت بساق العرش ، مستجيرة من القطيعة ، كما يحكى لنا النبى ﷺ بقوله : "لما خلق الله الرحم تعلقت بساق العرش فقال الله : مه (أى ما شأنك ؟) قالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة .. فقال الله تبارك وتعالى : نعم ، أما تَرضيْن أن أصل من وصلكِ ، وأن أقْطع منْ قَطعكِ ؟ رواه البخارى .. وصلة الله تبارك وتعالى للعبد : هدايته ، ورحمته ، وقطيعة الله تبارك وتعالى : غضبُه ، وعذابه .. فمن منا يحتمل ذلك ؟! ..
ويشير القرآن إلى أهمية الرِّحم فى كثير من المواضع .. فمثلا حين غضب موسى (عليه السلام) من أخيه هارون (عليه السلام) وعاتبه على عدم اتباعه ــ حين اتخذ قومه العجل ــ استدرَّ هارون (عليه السلام) عطف أخيه بتذكيره بصلة الرحم ، فقال له ، كما يحكى القرآن : ﴿ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ ... (94) ﴾ طه . ونلاحظ أنه لم يخاطبه بقوله : يا أخى ، وإنما بقوله : يَا ابْنَ أُمَّ أى : يا من شاركتنى فى رحم واحدة ..
وكذلك حين دخلت أم هانئ بنت أبى طالب على رسول الله ﷺ بعد فتح مكة تشكو أخاها عليًّا بن أبى طالب لم تقل : إن أخى ، ولم تقل : إن عليًّا ، وإنما قالت : يا رسول الله ، قد أجرتُ رجلاً ، وزعم [ابن أمى] أنه قاتِلُهُ .. فقال لها : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" رواه البخارى ، أى : أدخلناه فى جوارنا ، وبسطنا عليه حمايتنا ..
وحين دخل النبى ﷺ على ابنته فاطمة (رضى الله عنها) يوما ، ورآها غاضبة من زوجها ــ الذى خرج إلى المسجد تاركًا بيته ــ فسألها قائلا : "أين ابن عمك ؟" لم يقل : أين زوجك .. وكأنه يُذكِّرها بصلة الرحم ؛ تلطيفًا للموقف .. واستدْرارًا لعاطفتها .. فقالت : كان بينى وبينه شىءٌ ، فغاضبنى ، فخرج فلم يقل (نوم الظهيرة) عندى .. فوجده الرسول ﷺ مضطجعًا فى المسجد قد سقط رداؤه عن شقِّه وأصابه تُرابٌ ، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول : "قمْ أبا تُراب .. قمْ أبا تُراب" .. ولم يُعنِّفه ، ولم يسأله عن سبب المغاضبة ، أو يتدخل بين الزوجين .. وفرح على بن أبى طالب بهذه الكنية ، وكان يسعد جدًا بأن ينادى : "يا أبا تراب" ..
وكذلك يبن ربنا ــ تبارك وتعالى ــ أهمية حقوق ذوى الأرحام بقوله : ﴿ ... وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) ﴾ الأنفال .
ومن صلة الرحم الواجبة : الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ؛ فلا يصح أن يترك الأخ أخاه بعيدًا عن الله .. أو يرى ذوى رحمه على معصية ، ولا يقدم لهم النصح بالحكمة ، والموعظة الحسنة .. فربنا تبارك وتعالى يوضح ذلك بقوله : ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ ... (132) ﴾ طه . ويثنى على إسماعيل (عليه السلام) بقوله : ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) ﴾ مريم .
وقد يتعلَّل بعض الناس بمشاكل الحياة وهمومها فى عدم سؤالهم عن ذوى القربى ، ومودَّتهم .. ولكن إلى جانب ذلك ، فهناك من الوسائل المتاحة ــ الآن ــ ما لم يكن متاحًا من قبل ، مثل : إرسال البرقيات للتهنئة ، أو للعزاء ، وإرسال الورود للمرضى فى بيوتهم ، أو مراكز العلاج ، وكذلك الاتصال بالوسائل السلكية (التليفون) ، وإرسال الخطابات .. وما إلى ذلك مما يوجدُ الأُلفة ، والمحبَّة ، ودوام الصلة .. هذا ، ولا يصح مقاطعة ذوى الرحم مطلقًا إلا فى حالة واحدة وهى أن يكون ذو الرحم فاجرًا ، لا يأمن شره ، ولا يجدى معه نصح ، وإرشاد ، ولا تزيده الصلة إلا بَغْيًا ، وعلوًّا ، وعدوانًا ..
ومع ذلك فيجب الدعاء له بالهداية ، والإستغفار له ، ولنا فى إبراهيم (عليه السلام) أسوة حسنة ؛ حيث قال لأبيه ــ بعد ما يئس منه ــ كما يحكى القرآن : ﴿ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) ﴾ مريم . هذا وقد قال النبى ﷺ : "منْ أحب أن يُبسط له فى رزقهِ ، وينسأْ له فى أثره : فليصل رحمه" . رواه البخارى .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
من كتاب أخلاقيات الإسلام
للشيخ / ياسين رشدى