الدين المعاملة | الحِـلْــــمُ والأناة والرفق

 الحِــلْـــــمُ والأناةُ والرِّفـق


الحِلْمُ هو الأناةُ وضبط النفس والتسامح والصفح وإمساك النفس عن الإستشاطة فى الغضب  .. والحِلْمُ ضِدُّ : التسرُّع ، والرُّعونة ، والجهل .. والحِلْمُ خلقٌ قد يهبه الله لمن يشاء فيصبح الإنسان حليمًا بفضل الله دون جهد منه .. وقد يُكْتسبُ الحِلْمُ بالمحاولة والمجاهدة ، فإنما العِلمُ بالتَّعلُّم ، وإنما الحِلْمُ بالتَّحلُّم ، ومن يتحرَّ الخير يُعْطه .. وقد وفد على النبى  الأشجُّ (رضى الله عنه) فأناخ راحلته ثم عقلها ، وطرح عنه ثوبين كانا عليه ، وأخرج من العيبة (وعاء الثياب) ثوبين حسنين فلبسهما ــ وذلك بعين رسول الله  يرى ما يصنع ــ ثم أقبل يمشى إلى رسول الله  فقال  : "إنَّ فيك خَصْلتيْنِ يُحبُّهما الله ورسوله" .. قال : ما هى بأبى وأمى أنت يا رسول الله ؟ ! .. قال : "الحِلمُ ، والأناةُ" .. رواه أبو داود عن ابن عباس (رضى الله عنهما) ، فقال : خصلتان تَخلَّقتُهُما أو خُلقان جُبلْتُ عَليهما ؟ .. قال : "بل خُلُقان جُبلت عَليْهما" .

فقال : الحمد لله الذى جبلنى على خلقين يُحبُّهما الله ورسوله .

والحِلْمُ من أخلاق الأنبياء ، فقد وصف الله به إسماعيل (عليه السلام) قبل أن يُولد ، وحين بَشَّر به أباه إبراهيم (عليه السلام) بقوله﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)  الصافات . وكذلك وصف به شعيب (عليه السلام) على لسان قومه كما حكى القرآن عنهم قولهم﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)  هود . 

وحِلمُ الأنبياء هو الذى جعلهم يتحملون تعنُّت أقوامهم ، وتكذيبهم لهم ، وإِذَايتَهُم حتى يستطيعوا تبليغ رسالات الله ، فيؤمن من يشرح الله صدره للإيمان ، وتجب الحُجَّةُ على من أصرَّ على كُفره .. ولذلك قيل : الحِلْمُ سيَّدُ الأخلاق .. والحِلمْ كذلك من خُلُق الصالحين الذين أثنى الله عليهم بقوله﴿ .. وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)  الفرقان . وبقوله﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)   المؤمنون . وبقوله﴿ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)  القصص . 

ومن الحِلمُ أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب ، ويَكبحُ جماحها ، وقد قال  : "ليس الشَّديدُ بالصُّرعة ، وإنَّما الشَّديدُ : من يملك نفسهُ عِند الغَضب" ..    رواه البخارى عن أبى هريرة (رضى الله عنه) ، وهذا هو التحلُّم بكظم الغيظ ، أما الحِلمُ فهو عدم الغضب أصلا .. ولذلك كان ثواب كظم الغيظ عظيمًا ؛ لأن فيه مجاهدة للنَّفْس ، حيث يقول النبى  : "ما جَرعَ عبدٌ جَرعةً أعْظم أجرًا من جَرعةِ غَيْظٍ كَظَمها ابْتِغاء وجه الله" . 

وقال عزَّ وجلَّ﴿ .. وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)   آل عمران .  

وقال تعالى﴿ خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ 

﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ  الشورى . 

جاء رجل إلى رسول الله  فقال : إن لى قرابةً : أَصِلُهُم ، ويَقْطعُونى .. وأحسنُ إليهم .. ويُسيئُون إلىَّ ، ويَجْهلُون علىَّ ، وأحْلُمُ عنْهُم .. قال : "إنْ كان كمَا تَقُول فكأنَّما تُسِفُّهُمُ المَلَّ (الرَّماد الحار) ولا يزالُ معك من الله ظَهيرٌ عليهم مَا دُمتَ على ذلك" ..  رواه مسلم عن أبى هريرة (رضى الله عنه) ، وقال على بن أبى طالب (رضى الله عنه) : ليس الخير أن يَكْثُر مالُك وولدُك ، ولكن الخير : أن يَكثُر عِلمُك ، ويعظُم حِلْمُك ، وأن لا تُباهى الناس بِعبادة الله ، وإذا أحْسنتَ حَمِدت الله تعالى ، وإذا أسأْت اسْتغفرت الله تعالى . 

وقد قيل : ثلاثة لا يُعرفون إلا عند ثلاثة : لا يُعرفُ الحليمُ إلا عند الغَضَبِ ، ولا يُعرفُ الشُّجاعُ إلا عند الحَربِ ، ولا يُعرف الأخُ إلا عند الحَاجَةِ إليه .

هذا ولا يجوز مقابلة السبِّ بالسبِّ ، والغضب بالغضب ، والغِيبة بالغِيبة .. وهكذا .. فقد قال رسول الله  : "إن امرؤٌ عَيِّرك بِما فِيكَ فلا تُعيِّرْهُ بما فِيهِ"    رواه أحمد فى مسنده عن جابر بن مسلم (رضى الله عنه) .

والحِلْمُ من صفات الله عزَّ وجلَّ ، والحَليمُ من أسمائه الحسنى ، وهو القائل عن نفسه عزَّ وجلَّ : ﴿ ..وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ  (235) ﴾ البقرة .


والله سبحانه وتعالى يشاهد معصية العاصى ، فلا يُسارع بالمُؤاخذة ، ولا يُعجِّل بالعقوبة ، بل يُمْهِلُ العاصى حتى يتوب .. فإن تابَ قَبِل توبته ، وغفر له السيئات ، وتجاوز عن الزلات .. وهو يرزق المخالفين لأمره ، ويستر العصاة ، ويَحلم عليهم ، ولو شاء لأهلكهم ، وما أمهلهم .. وهو القائل سبحانه :  

﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ .. (45) ﴾  فاطر .


والهدف الرئيسى من هذه الصفات هو : ضبط النَّفس وكَظم الغيظ ، فالشخص الحليم يتصرف بِحكمة وعقلانية لا يستفزه الغضب ولا يتسرع فى عُقوبة المُخْطئ ، وعدم الإندفاع والإنقياد للعواطف والغرائز ، إو الإستسلام للإنفعالات . 
    
وصلاح هذا الدين وصلاح هذه الأمة لا يتم إلا بصلاح الإنسان المسلم الذى فيه تحلِّيه لأخلاق هذا الدين يكون فيه صلاحه فى دنياه وفى آخرته ، كما قال تبارك وتعالى﴿ .. إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ .. ﴾ الرعد .


؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛