الدين المعاملة | الكــرم فى الإسلام
الْكـــرَمُ فى الإسلام
الكرمُ ، والسَّخاء ، والجُود : أسماء لصِفات كريمة ، وأخلاق عظيمة ، تخلَّق بها الرُّسُل ، والأنبياء ، والصالحون .. والكَرم ضد البُخْل ، كما أن السَّخاء ضِد الشُّحِّ ، وأرفع درجات السخاء : الإيثار وهو أن يجود بالمال مع الحاجة إليه ، وهذا ما تخلَّق به الأنصار ، كما أن الكرم ليس مجرد فضيلة أخلاقية فردية ، بل هو عبادة ترتبط بالله والمجتمع ، ويعتبر دليلا على كمال الإيمان ، ويظهر حسن الظن بالله ، ويؤدى إلى الكرامة فى الدنيا ورفع الذكر فى الآخرة .
ومن صفات الله سبحانه وتعالى ــ أنه الكريم ، وهو الكثير الخير ، الجواد المعطى الذى لا ينفذ عطاؤه . كما أن الله سبحانه وتعالى جعل الحسنة بعشرة أمثالها ، والله يضاعف لمن يشاء .
وقال رسول الله ﷺ : "إنَّما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخْلاق" فقد حرص الإسلام على كل ما فيه منفعة للإنسان ، فرغب فى التحلى بالأخلاق الحميدة ، ونفَّر من الأخلاق السيئة ، كما حرص على تنمية الروح التعاونية والمشاركة بين المسلمين .
وكان النبى صلى الله عليه وسلم أكرم الناس شرفاً ونسباً ، وأجود الناس وأكرمهم فى العطاء والإنفاق ، فقد أتاه رجل يطلب منه مالا ، فأعطاه النبى ﷺ غنماً بين جبلين ، فأخذها كلها ، ورجع إلى قومه ، وقال لهم : أسلموا فإن محمداً ﷺ يُعطى عطاء من لا يخشى الفقر .
وتروى السيدة عائشة (رضى الله عنها) عن النبى ﷺ ــ أنهم ذبحوا شاة ، ثم وزعوها على الفقراء ؛ فسأل النبى ﷺ السيدة عائشة : "ما بقى منها ؟" فقالت : ما بقى إلا كتفها ؛ فقال النبى ﷺ : "بقى كلها إلا كتفها" رواه الترمذى .
اى أن ما يتصدق به الإنسان فى سبيل الله هو الذى يبقى يوم القيامة ، ولا يفنى إلا ما استعمله فى هذه الدنيا ، ويقول النبى ﷺ : "ما نقص مالُ عبد من صدقة" رواه الترمذى .
قال أبو هريرة (رضى الله عنه) : نزل برسول الله ﷺ ضيفٌ ، فلم يجد عند أهله شيئا ، فدخل عليه رجلٌ من الأنصار ، فذهب بالضيف إلى أهلهِ ، ثم وضع بين يديهِ الطعام ، وأمر امرأتَهُ بإطفاء السِّراج ، وجعل يَمدُّ يده إلى الطعام كأنَّهُ يأكلُ ولا يأكلُ ، حتى أكل الضيفُ الطعام ، فلما أصبح قال له رسول الله ﷺ : "لقد عَجِب الله من صَنيعِكُمَا بِضيْفِكُما الليلة" .. رواه البخارى عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .. ونزل قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ .. وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ﴾ الحشر .
ويحكى عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) فيقول : أُهْدى إلى رجُل من أصحاب النبى ﷺ رأسُ شاةٍ فقال : إنَّ أخى أحوجُ منِّى إليه ، فَبعثَ به إليه ، فلم يزل كلُّ واحد يبْعثُ به إلى آخر حتى تداولهُ سبعةُ أبيات ، ورجع إلى الأوَّل .
وقال حذيفة العدوى : انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لى ومعى شىء من ماء ، وأنا أقول : إن كان به رمقٌ سقيتُه ، ومسحتُ به على وجهه ، فإذا أنا به فقلت : أسقيك ، فأشار إلىَّ أن : نعم ، فإذا رجل يقول : (آه) فأشار ابنُ عمىِّ إلىَّ أن انطلق به إليه ، فجئته فإذا هو (هشام بن العاص) فقلت : أسقيك ، فسمع به آخر فقال : (آه) فأشار (هشام) أن انطلق به إليه ، فجئته فإذا هو قد مات ، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات ، فرجعت إلى بن عمى فإذا هو قد مات .. رحمة الله عليه أجمعين .
والله تبارك وتعالى يأمر بالكرم والجود ، ويُبشر عليه ، ويُحذِّر من البُخل ، والإمساك فيقول : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) ﴾ البقرة .
ويبين الحق تبارك وتعالى السبيل إلى البِرِّ وهو خُلق الأبرار فيقول : ﴿ لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) ﴾ آل عمران .
لقد كان من فضل الله تبارك وتعالى أن جعل الحسنة بعشر أمثالها ، وذلك فى جميع أعمال البر والخير إلا الصدقة فإنه جعل الحسنة بسبعمائة ضعف ، وقد يزيد على ذلك ، وهذا الفضل العظيم لم يحظ به أى عمل من الصالحات سوى الإنفاق حيث يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) ﴾ البقرة .
ويبين النبى ﷺ فضل المال إذا كان صاحبه كريمًا فيقول : "نِعم المالُ الصَّالح للمرء الصَّالح" ويحذر النبى ﷺ من عاقبة الشُّح فيقول : "واتَّقوا الشُّحَّ فإن الشُّحَّ أهلك من كان قبلكم : حَملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلُّوا مَحارمهُم" . رواه مسلم عن جابر (رضى الله عنه) .
ومن أمثلة الكرم ما حدث من سيدنا إبراهيم (عليه السلام) مع أضيافه كما يحكى القرآن الكريم عنه قوله عزَّ وجلَّ : ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) ﴾ هود .. فقد جاءهم بعجل وكان عددهم لا يزيد عن أربعة نفر ــ كما قيل ــ ولم يأت بشاة ، وقد كانت تكفى وتزيد ، ولم يسألهم إن كانوا يريدون طعامًا أم لا ، بل جاء به على الفور .. وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول : "منْ كان يُؤمنُ بالله واليوم الآخر فليُكرمْ ضَيْفهُ" . رواه البخارى والترمذى .
ويعيب القرآن الكريم على الذين لا يكرمون الأضياف كما حدث مع موسى (عليه السلام) والخضر قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) ﴾ الكهف .
ويزداد فضل الكرم والإنفاق كلما كان ذلك فى الخفاء : فمن السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله : رجل تصدق بصدقة ، فأخفاها ، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ، والكريم لا يخاف يوم القيامة إذا خاف الناس ، ولا يحزن إذا حزن الناس لأن الله تبارك وتعالى يقول : ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) ﴾ البقرة .
ويعاتب الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة الذين منعوا أموالهم عن السائلين كما ورد فى الحديث القدسى : ﴿ يابن آدم ، اسْتطعمتُك فلم تُطعمنى .. قال : يارب ، وكيف أُطعمُك وأنت رب العالمين ؟! .. قال : اسْتطعمكَ عبدى فلان فلم تُطعمه ، أما علمت أنك لو أطْعمتَه لوجدت ذلك عندى ؟ .. يابن آدم ، اسْتسقيْتُك فلم تُسقنى .. قال : يا رب وكيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟ .. قال اسْتسقاك عبدى فلان فلم تُسقه ، أما علمت أنك لو سقيتَهُ لوجدت ذلك عندى ﴾ رواه مسلم .
ولقد كان رسول الله ﷺ يتعوذ من البُخل فيقول : "اللَّهم إنى أعوذُ بك من البُخل ، وأعوذ بك من الجُبن ، وأعوذ بك أن أُردَّ إلى أرْذل العُمُرِ" .. رواه البخارى .. ويقول ﷺ : "خَصْلتان لا تَجْتمعان فى مُؤمن : البُخل ، وسُوء الخُلُق" رواه الترمذى .. ويقول ﷺ : "شرُّ ما فى الرَّجل : شُحٌ هَالعٌ ، وجُبنٌ خَالعٌ" .
ويحكى لنا جبير بن مطعم (رضى الله عنه) فيقول : بينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقفلة (رجوعه) من فتح خيبر إذ علقت برسول الله ﷺ الأعراب يسألونه حتى اضطرُّوه إلى سَمُرَة (شجرة) فخطفت رداءه فوقف ﷺ وقال : "أعْطُونى ردائى ، فوالذى نفسى بيده لو كان لى عدد هذه العضَاة (شوك الشجرة) نعمًا لقسمْتُهُ بينكم ثُم لا تجدونى : بَخيلاً ، ولا كذابًا ، ولا جبانًا" .
وقد اشتهر (حاتم الطائى) فى الجاهلية بالكرم ، وحين وقعت ابنته أسيرة فى إحدى الغزوات ، استأذنت على النبى ﷺ وحين دخلت عليه قالت : أنا بنت حاتم الطائى فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ أباك كان يُحبُّ مَكارمَ الأخلاقِ " وأمر رسول الله ﷺ أصحابه فأطلقوا سراحها .
وتقول أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز : أُف للبُخل .. ولو كان البُخل قميصًا ما لبستُهُ .. ولو كان البُخل طريقًا ما سلكتُهُ .. وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول : "اتَّقُوا النَّار ولو بشقِّ تَمرةٍ" رواه البخارى .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛