رجال حول الرسول | سَــعْدُ بنُ أبي وقَّـاص خال رسول الله ﷺ (فِـداكَ أَبـى وأُمـى)

 سَـعْــدُ بـنُ أَبـى وقَّـــاص (رضى الله عنه)

فـِـداكَ أَبــى وأُمــى 

  • فمن هو ؟
  • أول من رمى بسهم فى الإسلام فى سبيل الله ، وأول من أسال دما فى سبيل الله ، فقد كان يتخفى بصلاته فى بعض الشِّعاب ولمحه بعض الكفار وحدث تراشق بينهم فأخذ لحى جمل أى فك جمل فضربه به فشج رأسه فأسال دمه فكان أول دم يسيل فى سبيل الله . وهو خال رسول الله  وابن عم آمنة بنت وهب أم النبى   .
  • إسلام سعد بن أبى وقاص 
  • يقول (رضى الله عنه) عن قصة إسلامه : رأيتُ فى المَنام كأَنِّى فِى ظُلْمةٍ لا أُبْصرُ شَيئًا .. إذْ أَضَاءَ لِى قَمَرٌ فاتَّبعْتُهُ ، فكأَنِّى أَنْظرُ إلى منْ سَبَقنِى إلى ذلك القَمَر ، فأَنْظُر إلى زيد بن الحارثة ، وعلى بن أبى طالب ، وأبى بكر الصديق ، وكأنى أَسْألُهُم : متى انتهيتم إلى هَاهُنا ؟! قالوا الساعة .. وكأنَّ النبى ﷺ قد بُعِثَ .. فَذهَبْتُ إليهِ فأَسْلَمْتُ .. فما تَقدَّمَنِى أحد إِلا هَؤُلاءِ الثلاثة ..
  • هو الذى قال له رسول الله  : ارم سَعْد ، فِداك أَبى وأُمى .. اللَّهُم سَدد رَميته وأَجبْ دَعوتهُ ) . فكان أول من رمى بسهم فى سبيل اللهمن العشرة المبشرين بالجنَّة ومن الستة الذين عهد إليهم  سيدنا عمر للخلافة ، قال رسول الله  لأصحابه يوماً : من أحب أن يرى رجلاً من أهل الجنَّة فلينظر إلى الداخل من هذا الباب ، فكان سَعْد بن أَبى وقَّاص . يذهب إليه عبد الله بن عمرو بن العاص ويتحرى عنه وما يعمله ويقيم عنده ثلاث ليال لكى يرى بم استحق البشرى بالجنَّة فلم يجد شيئا يُخالف ما يَعمل أو يَعمل الأَصحاب .. ولكن سعدًا يقطع حيرته ويجيب عن تساؤله بقوله : مَا أَخذْتُ مَضْجَعِى يَومًا وفِى قَلْبِى حَسَدٌ ، أو كُرْهٌ ، أو ضَغِينَةٌ لأَحَدٍ ! .
  • أسلم وهو ابن سبعة عشر عامًا وكان أبرَّ الناس بأُمه .فلمَّا علمت بِإسلامه وكانت مشركة حاولت أن تُثنيه عن عزمه ، فلمَّا فشلت فى ذلك ، هددته بالإمتناع عن الطعام والشراب حتى تموت ، فعيَّره الناس بذلك .. وأنفذت الأم تهديدها ، وجاءه بعض أهله يطلبون منهُ الحضور لرؤية أُمه قبل أن تموت ، ويترك هذا الدين من أجلها فجاءها فوجدها تكاد تلفظ أنفاسها قال لها : يا أم ، والله لقد عَلم الناس أنِّى أبرُّ الناس بأُمِّى .. يا أُمّ ، والله لو كَانَ لك مائةُ نَفْسٍ فَخَرجتْ نَفساً نفساً مَاتركْتُ هَذا الشىء .. فكُلى إنْ شِئْتِ أَوْ لا تأْكُلى .. فلما رأت تصميمه وثباته على دينه أكلت وشربت ..  
  • ونزل جبريل على النبى ﷺ بقول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15) ﴾  لقمان .
  • لم يَفْد رسول الله  أحداً بأبيه وأمه إلا سَعْد بن أَبى وقَّاص الذى كان يُفاخر به ويقول لأصحابه مشيراً إليه : هذا خَالى ، فَليُرنى امرؤا خالهكان طاهر القلب ، نقى السريرة ، يتحرى الحلال فى طعامه لذلك كان مجاب الدعوة ، مُهاباً ، يخشاه الناس ويخافون من دُعائِه الذى لايُرد .
  • هو الذى أحب الله ورسوله وأحبه الله ورسوله ؛ يجلس يوما فيسمع رجلاُ يسب عليَّا وطلحة والزبير (رضى الله عنهم) فيهدده ويقول له : إياك وأن تسب هؤلاء القوم ، فسخر منه فقال : إذن أدعوا عليك . فقال ذلك الرجل أراك تتهددنى هل أنت نبى ؟ فرجع سعد (رضى الله عنه) إلى بيته فتوضأ وصلى ركعتين ثم قال : اللَّهُم اجعله عِبْرَة .. اللَّهم إن كان قد سب قومًا سبقت لهم منك الحسنى وقد أسخطك سَبَّهُ لهم فاجعله عِبْرة .
  • ويترقب الناس ويمضى وقت طويل حتى تخرج ناقة  شارده تخرج لا تلوى على شىء تُسرع بين الناس فى الزحام وكأنها تبحث عن شىء بعينه حتى تصل إلى ذلك الرَّجل الذى دعا عليه سعد (رضى الله عنه) فتأخذه بين قوائمها تقضى عليه والناس من حوله ينظرون .
  • هاجر إلى المدينة وشهد غزوة ( بدر) مع رسول الله  وأبلى بلاء حسناً ، وشهد غزوة ( أحد) وثبت مع رسول الله  يدفع عنه الكفار ، لاشاغل له إلا الجهاد فى سبيل الله لرفع راية الإسلام .
  • فى أول خلافة عُمر تقوم قائمة الفرس ويستردون ما فُتح فى عهد أبى بكر من أيدى المسلمين ويغتمَّ عُمر غمًا شديداً ويُقرر أنْ يقود الجيش بنفسه ليستعيد ماسلبه الفرس من أرض الإسلام . ويخرج عُمر على رأس الجيش ويَستخلف علياً على المدينة ولكن عبد الرحمن بن عوف ومعه نفر من الصحابة يُدْركُون عُمر قائلين : ياأمير المؤمنين ، لاتُصبْنَا فيك ، ولا تُصِبِ المسلمين وأَمِّر رجلاً آخر فيقول عُمر : أَشِيرُوا علىَّ أيُّها الناس .. منْ لِهذا الأَمْر الخَطِير ؟!  ومنْ يَحْمل هذه المسئولية وقد جمع الفُرسُ جُمُوعًا تفوق الحصر تحت قيادة السَّفَّاح رُسْتُم ؟!  ويفكر الحاضرون .. ثم يهتف عبد الرحمن بن عوف : لقد وجدته يا أمير المؤمنين .. فقال عُمر : من هو ؟  قال : الأَسد فِى بَراثِنه ، من إذا رَمَى عدوًّا بسهم أصابه ، وإذا دعا الله بدُعاء أجابه ، الفارس المقدام ، المُبشَّر بالجنَّة ، خَال رسول الله ﷺ : سَعْد بن أبى وقاص .. ويقر الحاضرون ابن عوف على رأيه .
  • شجاعة سعد بن أبى وقاص   
  • يتولى سَعْد بن أَبى وقَّاص إِمرة الجيش ويذهب إلى العراق ويَستعد للقاء الفرس بقيادة رستم القائد الشهير المعروف فى التاريخ ، وقد حشد الفرس مائة الف مقاتل كلهم فرساناً ، ويرسل إليه عمر بن الخطاب رسالة يقول فيها : يا سَعْدُ ، لا يَغُرَّنَّكَ من الله أنْ قِيلَ عنْك : خال رسول الله ﷺ فإنَّ الله ليس بَينهُ وبين أحَدٍ من خَلْقهِ نَسبٌ إلا بِطَاعتهِ ، والنَّاسُ شَريفُهُمْ وَوَضِيعُهُم فى ذات الله سواءٌ ، يَتفاضَلُونَ بالعافِيةِ ، ويُدْركُون ما عنْد الله بالطاعة .. يا سَعْد انْظُر الأَمر الذى رأيت عَليْه رسُولَ الله ﷺ منذُ بُعثَ إلى أن فَارقَنَا عليه ، فالزَمْهُ ، فإنَّه الأَمْرُ .. يا سعدُ ، اكتُبْ إلىَّ بأَحْوالكُم ، وأيْن عَدوُّكُم منْكم ، وأين تقِفُون مِنهُ ؟ .. واكْتب إلىَّ وكأنى أنظُرُ إليْك ، واجْعَلْنِى بكُتُبكَ إلىَّ كأَنِّى مَعَكُم .    
  • ويلتقى الجيشان ..ويتقدم سَعْد بن أَبى وقَّاص الصفوف ممتطياً صهوة جواده ملوحاً بسيفه ، هاتفا فى جنوده : هلم ياأصحاب محمد .. هلم إلى الجنَّة .. ويكبر أربع تكبيرات .. وتبدأ المعركة ، وينتصر المسلمون فى موقعة (الجسر) ، ويتابع تقدمه  حتى (نهاوند) فينتصر فيها .. ثم يتابع فلول ، ويعترض سعد بن أبى وقاص نهر دجلة ، والمسلمون لا خبرة لهم بالأنهار ويقف سعد أمام هذا العائق العظيم ويفكر كيف يجتازه ، ويرسل الطوائف من أصحابه يبحثون عن مكان ضحل فى هذا النهر يستطيعون أن يمروا فيه ثم يتوكل سعد على الله ويقول لأصحابه سوف نعبر جميعا ونحن نمشى على هذا الماء وكلكم يقول : حسبنا الله ونعم الوكيل  .. ويهتف الجيش كله قائلاً : حسبنا الله ونعم الوكيل .. ويعبر سعد بفرسه ويعبر المسلمون جميعا خلفه  ويردد الجيش هتافه ، حتى أن سلمان يتعجب ويقول : والله ليخرجن منه أفواجا كما دخلوه أفواجا . ولا يفقد منهم شىء حتى أن أحد الجنود فقد وعاء له فأبى أن يعبر وقد فقد شيئا فقال لمن حوله : لقد فقدت وعائى وتأتى موجة فتحمله إليه فليلتقطه ويمر جيش سعد آمنا لم يفقد شيئا . 
  • ويتتبع  سَعْد جيش الفرس حتى ( المدائن) كبرى مدن الفرس ، وعاصمة ملكهم التى تتهاوى تحت أقدام سَعْد ، وسنابك خيل المسلمين.. وينصره الله نصرا عزيزًا مؤزرًا وتنتهى دولة الفرس إلى الأبد ، ويرسل سَعْد بكنوز كِسْرَى وسُوار مُلْكِه إلى سيدنا  عُمر بالمدينة المنورة ، فتلقى تحت قدمه بمسجد رسول الله ﷺ ، ويؤمر عمر بن الخطاب سعدًا على الكوفة والعراق .
  • سعد بن أبى وقاص واليًا على العراق
  • يولى سيدنا عمر بن الخطاب سَعْد بن أبى وقاص على العراق ، ويقوم سَعْد ببناء ( الكوفة ) ويتولى شئون الناس ويُنظم أمورهم ، ويحمى ديارهم ، وحدودهم التى امتدَّت وشملت بلاد الفرس .. وتَمر الأيام ويشتعل الحقد والغيرة فى قلوب بعض الناس حديثى العهد بالإسلام ويشكون سَعْد لسيدنا عُمر أنه لايُحسن الصلاة بهم .
  • يستدعى عمر سعدًا إلى المدينة ، ويسأله ، فيقول له سعد : والله ، إنى لأوَّلُ العَربِ رَمَى بِسهْم فى سَبِيل الله ، والله ، إنْ كنَّا لنَغْزو مع رَسُولِ الله ﷺ مَالنا من طَعامٌ إلاَّ وَرقُ الحُبْلَة ؛ وهذا السَّمُر (نوع من أنواع الشجر) حَتَّى إنَّ أَحَدنَا ليَضعُ كَمَا تَضعُ الشَّاةُ ما له خَلْطٌ* ، ثم أَصْبحَتْ بَنُو أَسدٍ تُعَزِّرُنى (توبِّخنى) على الدِّين .. لقد خِبتُ إذًا وضَلَّ عَمَلى .. والله يا أَمِيرَ المؤمنين ، إنِّى لأُصلىِّ بِهمْ صَلاةَ رسُولِ الله ﷺ لا أَحْرِمُ مِنْها شَيئًا .. أُطيلُ فى الأُولَيَيْن ، وأرْكدُ فى الأُخْريَيْن . فقال له عُمر : ذاك الظَّنُّ بك أبَا إسْحَاق ..     * (الخلط) : يخرج منهم كما يخرج من الشاة لا يختلط بشىء آخر نتيجة إطعام ورق الشجر فقط .
  • سعد بن أبى وقاص مجاب الدعوة
  • عاد سعد إلى الكوفة وأرسل سيدنا عُمر وراءه رجالاً يسألون عن أخباره فى المساجد ، فأثنى عليه جميع الناس ماعدا رجلٌ واحد من بنى أسد ، إِمتلأ قَلبه بالحِقْد والغِل والحَسد  يقال له : أبو سعدة ، اتهمه بأنه لايَسير بالسَّريَّة ، ولا يُقْسمُ بالسَّويَّة ، ولا يَعدلُ فى القَضيَّة .. ويعزل سيدنا عُمر سَعد عن ولاية العراق ، ويتوجه سَعد (رضى الله عنه) بالدعاء إلى الله على هذا الذى اتهمه ظُلما قائلاً : اللَّهمَّ إن كان هذا الرَّجلُ قد قَال مَقَالته رِيَاء ، وسُمعة  فَرَائِى بِهِ ، وسَمِّعْ بِهِ ، وأَطل عُمرَهُ ، وأَطلْ فَقْرَه ، وعَرِّضْهُ للفِتَنِتمر الأيام وتُستجاب دعوة سَعد ، ويطول عُمْر الرجل ويكبر حتى تسقط  حواجبه على عينيه ، ويَفْتَقِر ، ويراه الناس يتابع الجوارى ، والإماء فى سِكَك الكوفة يُغَازلُهن ، وحين يُلام ويُعاتب على ذلك ، يقول عن نَفْسه : شيخٌ كبير ، مَفْتُون ، أصَابته دعوة سَعْد .
  • سعد بن أبى وقاص يعتزل الفتنة
  • يتولى الخلافة سيدنا عُثمان بنُ عفان ، ويظل  سعد جندياً من جنود المسلمين ، يذود عن ديار المسلمين ، ويتولى على بن أبى طالب الخلافة ، وتحدث الفتنة بين  عَلى ، ومعاوية . ويعتزل سعد (رضى الله عنه) الفتنة ، ولا ينضم لعلى ، ولا لمعاوية .. ودارت الأيام ودانت البيعة لمعاوية بن أبى سفيان فأرسل إليه وقال له : يا سعد  إنك لم تقاتل معنا ولم تقاتل مع غيرنا ، فقال سعد : ما كنت أحمل سيفى وأقاتل رجلا قال فيه رسول الله ﷺ أنت منِّى بمنزلة هارون من موسى ، فسكت معاوية بعد أن عرف اتجاه سعد (رضى الله عنه وأرضاه) .
  • وفاة سعد بن أبى وقاص
  • وتمضى الأيام ويبلغ (رضى الله عنه) الثمانين من عُمره ، وقد انتقل المهاجرون جميعًا إلى الرفيق الأعلى ولم يتبقى سواه ، ويمرض مرض الموت ، ويأخذ ابنه عامر بن سعد رأسه فى حجره ، ويبكى .. فيقول له أبوه : لا تَبْـكِ يا بُنىَ ، ولا تَخْـشَ شَيْئًا ، و الله لا يُعَـذِّبُنِى الله أبـدًا ، وإِنِّـى مِـنْ أَهْـلِ الجنَّـة .. فَقدْ بَشَّـرَنِى رَسُولُ الله ﷺ بِذَلـكَ .. يا بُنَـىّ افْتَـحْ هَـذِه الخَـزَانَة ؛ تَجِـدْ فِيهَا جُبَّـة صُـوف ، فَكَفِّنِّـى فيهـا ، فإِنِّـى كُنْـتُ لَقـيتُ المُشْـركِينَ فِيهـا يَـومَ (بَـدْر) وهِـىَ علـىَّ ، وإنَّمـا كُنْـتُ أخْبؤُهَــا لِهَـذَا .. وتصعد روحه الطاهرة إلى بارئها ، وتنفذ وصيَّته ، ويُكَفَّن فى جُبَّته ، ويكون آخر المهاجرين لحوقًا برسول الله ﷺ ، ويُحْمل على أعناق الرِّجال إلى المسجد ، ويُصلى عليه مروان بن الحكم ، وأزواج النبى  ،  ويُدفن بالبقيع إلى جوار أصحاب رسول الله  الذين سبقوه إلى حيث الرضا والرضوان .. وبقيت لنا الذكرى والعبرة من هذا الصحابى الجليل .
                                     ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛                                
     المرجع : فى رحاب الأصحاب  
       للمرحوم الشيخ / ياسين رشدى