شخصيات إسلامية | الإمام البُخــــارىُّ صاحب الصحيح
الإِمَـامُ البُخــــــــَـارىُّّ
(رحمه الله)
- نســــــــــــبه :
هو : محمدُ بنُ إسماعيل بن إبراهيم بنِ المغيرة بن بَرْدِزْبة (البستانى) الجعفىُّ ولاءً ، البخارىُّ مولدًا . أسلم جَدُّه المغيرةُ على يدِ اليمانِ الجعفىِّ والىِ بُخَارى ، فانتمى إليه . وبارك الله هذه الصلة بين الأسرتين ، فكان عبد الله المسندىُّ بنُ محمد بن جعفر بن اليمان ــ حفيدُ اليمان ــ شيخًا للإمام البخارىِّ ــ حفيد المغيرة . كما كان أُحيد بن أبى جعفر الجعفى ــ والى بخارى ــ راويًا للبخارىِّ .
- مولده وأســــــرته :
كان مولدُ الإمام البخارىِّ فى بُخَارى ــ وهى من أعظمِ مدنِ بلاد فارس وكانت فى هذه الأيام تقعُ على بُعد ثمانية أيامٍِ من سمرقند . وكان مولده يومَ الجمعةِ لثلاث عشرة ليلةً خلت من شوال سنة أربعة وتسعين ومائة (194 هجرية) .
كان والدُه إسماعيلُ عالمًا تقيًا عاملاً ورعًا . قد تقابل مع إمام المدينة فى ذلك الوقت الإمام مالكِ بنِ أنسٍ سنة (179 هجرية) حينما خرج إسماعيلُ حاجًّا .
كان إسماعيلُ والدُ البخارى ورعًا ، يبتعد عن الشبهات ، وكان ذا ثروة طاهرة من كل شبهةٍ ، لذا كان قرير العين حتى مات ، فقد روى أحمدُ بنُ حفصٍ قال : (دخلت عليه عند موته فقال : لا أعلم فى جميع مالى درهمًا من شبهة ، فتصاغرت إلىَّ نفسى) . لقد غُذى محمد بن إسماعيل بالحلال ، فبارك الله له فى علمه .
- نبوغه المبكــــــــر :
لقد ظهرت علاماتُ النجابةِ ، وآياتُ الذكاءِ ، ودلائلُ العبقرية واضحةً وجليةً على الإمام البخارى فى وقت مبكر ، فكان من علامات ذلك حفظ الحديث بإتقان .
يحدث محمد بن أبى حاتمٍ الوراقُ النحوىُّ فيقول : (قلت لأبى عبد الله بن إسماعيلَ البخارىِّ : كيف كان بدءُ أمرك فى طلب الحديثِ ؟ قال : أُلهمت حفظ الحديث وأنا فى الكُتَّاب . قال : كم أتى عليك إذ ذاك ؟ قال : عشرُ سنين ، أو أقلُّ)
وحين بلغ البخارى سنَّ الحاديةَ عَشْرةَ ، كبرت همتُه وسمت ، فبعد أن قرأ الكتبَ طلب آفاقًا أرحبَ لتغنىَ نفْسَهُ ، وتُشبعَ نهمَه الجارفَ للعلم ، فبدأ يتردد على أئمة الحديث لينهل من موارِدِهم ، ويقف من هؤلاء الأئمة مواقف تدل على ثقته بنفسه ، فيصحح لأستاذٍ له ما يخطئ فيه ، مما يجعل أستاذه يسلمُ له ، ويصححُ ماعنده ، معترفًا له بالدقةِ والإتقان .
ويُحدِّثُ البُخارىُّ عن هذه المرحلة من حياته فيقول : (ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشرِ أختلفُ إلى الداخلىِّ وغيره . فقال يومًا كان يقرأُ على الناس : "سفيان عن أبى الزبير المكىِّ عن إبراهيم النخعىِّ" . فقلت له : يا أبا فلان : إن أبا الزبير لم يروِ عن إبراهيم . فانتهرنى . فقلت له : ار جعْ إلى الأصلِ إن كان عندَك . فدخل ، ونظر فيه ثم خرج فقال : كيف هو يا غلامُ ؟ فقلت : هو الزبيرُ بنُ عَدِىٍّ عن إبراهيمَ . فأخذ القلم منى وأحكم كتابَه . وقال : صدقتَ . فقال له بعضُ أصحابه : ابنُ كم كنت إذْ رددتَ عليه ؟ فقال : ابنُ إحدى عشرةَ) .
ويقول أبو بكر بن منير : سمعت محمدَ بنَ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ بنِ المُغيرةِ الجعفىَّ يقولُ : (كنت عند أبى حفصٍ أحمدَ بنِ حفصٍ ، أسمع كتاب الجامع ــ جامع سفيان ــ فى كتاب والدى . فمر أبو حفصٍ على حرفٍ لم يكن عندى فراجعته . فقال الثانية كذلك فراجعتُه الثانية ، فقال كذلك فراجعته الثالثةَ ، فسكت سُويْعةً ثم قال : من هذا ؟ قالوا : هذا محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم بن بردزبه . فقال أبو حفص : هو كما قال . احفظوا عنه فإن هذا يومًا يصيرُ رجلاً) .
وكان البخارى (رحمه الله) لشدة حفظِه وإتقانِه ، أن ظنَّ البعضُ أنه شرب دواءً للحفظِ فقد أذهل العلماءَ بحفظِه للحديثِ وقوةِ ذاكرتِه ونبوغِه . حتى لقد قال له ورَّاقُه محمدُ بنُ أبى حاتم : (هل من دواء للحفظ ؟ فقال : لا أعلم . ثم أقبل علىَّ فقال : لا أعلم شيئًا أنفع للحفظِ من نهمةِ الرَّجلِ ومداومة النظر) .
ومما يدل على شدَّة حفظ الإمام البخارى ، وتيقظِ ذاكرتِه ، وما آتاه الله من قدرةٍ على الإستيعابِ والحفظِ والفهمِ والإدراكِ . ما ذكر فى طبقات الشافعية حيث يقول السبكىُّ :
(دفعوا إلى عشرةِ أنفسٍ إلى كل رَجلٍ عشرةَ أحاديث ، وأمروهم إذا حضروا المجلسَ أن يلقوا ذلك على البخارىِّ ، وأخذوا العدَّةَ للمجلس . فحضر المجلسَ جماعةٌ من أصحابِ الحديثِ من الغرباءِ من أهل خرسان وغيرها من البغداديين ، فلما اطمأن المجلسُ بأهلِه ، انتُدب رجلٌ من العشرةِ فسأله عن حديث من تلك الاحاديثِ . فقال البخارىُّ : لا أعرفه . فسأله عن آخر فقال : لا أعرفه . فما زال يلقى عليه واحدًا بعد واحدٍ حتى فرغ من عَشرتِه ، والبخارىُّ يقول : لا أعرفُه فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفتُ بعضُهم إلى بعضٍ ويقولون : الرجلُ فهِمٌ . ومن كان منهم غير ذلك يقضى على البخارىِّ بالعجزِ والتقصيرِ وقلةِ الفهم . ثم انتُدب آخر من العشرةِ فسأله والبخارىُّ يقول : لا أعرفه . ثم انتُدب ثالثٌ ورابعٌ إلى تمام العشرةِ حتى فرغوا كلُّهم من الأحاديثِ المقلوبةِ والبخارىُّ يجيبهم : لا أعرفه . فلما علم البخارىُّ أنهم قد فرغوا التفتَ إلى الأولِ منهم فقال : أما حديثُك الأولُ فهو كذا ، والثانى فهو كذا ، والثالثُ والرابعُ على الولاءِ حتى أتى على تمامِ العشرةِ فَرَدَّ كل متنٍ إلى إسنادِه ، وكل إسنادٍ إلى متنه ، وفعل بالآخرين مثلَ ذلك ، ورد متونَ الأحاديثِ كلَّها إلى أسانيدِها ، وأسانيدَها إلى متونِها ، فأقرَّ الناسُ له بالحفظِ وأذعنوا له بالفضل) .
- رحلاته فى طلب العلـــــم :
كان من الممكن ، بعد أن حصَّلَ البخارىُّ من كتبِ والدِه ، وما سمعه من شيوخِ بلدِه ، وأئمةِ الحديث فيه ، أن يقتصر على ذلك ويصبح من أئمة عصره ، غير أن استعداده الفطرىِّ ، ونهمه العلمىِّ الذى لا يشبع وحبَّه للعلم ، كل ذلك دفعه إلى أن يشد الرحال فى الطلب ، وأن يطوف الدنيا طالبًا للحديث ورجالِه .
بدأ رحلتَه : إلى مكةَ المكرمة فى موسم الحج واصطحبَ فيها أُمَّه ، وأخاه أحمدَ الذى يكبره سنًّا ، وكان ذلك فى سنة 216 هجرية . وبعد أن أتم حَجَّه رجع أخوه بأمِّه وتخلف هو فى طلبِ الحديثِ ، فسمع على أئمةِ مكة مثل : أبى الوليد أحمدَ بنِ محمدٍ الأزرقىِّ ، وإسماعيلَ بنِ سالمٍ الصايغِ .
ثم شد رحاله إلى مدينة رسول الله ﷺ ، وزار قبر النبىِّ ﷺ ، وكانت زيارة خيرٍ وبركةٍ ، ظهرت آثارُها على البخارىِّ ، إذ دخل بعدَها فى طورٍ جديدٍ ، هو التأليفُ والإبداعُ .. فيقول : (فلما طعنتُ فى ثمانى عشرةَ سنة صنفت "قضايا الصحابةِ والتابعين" ثم صنفت "التاريخ" فى المدينة عند قبر النبى ﷺ ، وكتبته فى الليالى المقمرة ، وقلَّ اسم فى التاريخ إلاَّ وله عندى قصةٌ ، إلا أنى كرهت أن يطول الكتابُ) . وقد مكث بالمدينة سنةً .
بعد ذلك أخذ يطوف الدنيا ، وينتقل من بلد إلى بلد باحثًا عن الحديث ورجاله أينما كانوا ، ويقول : (وأقمت بالبصرة خمسَ سنين مع كتبى ، أُصنِّف وأحج ، وأرجعُ من مكةَ إلى البصرةِ) ، ويقول : (دخلت الشامَ ومصرَ والجزيرةَ مرتين ، وإلى البصرةِ أربعَ مراتٍ ، وأقمت بالحجازِ أعوامًا ، ولا أحصى كم دخلت الكوفةَ وبغدادَ مع المحدِّثين) .
- شــــــــــــيوخه :
وضع البخارىُّ لنفسه منهجًا فى الإختلافِ إلى الشيوخ ، فلم يكن يقبلُ إلا على من يجده ثقةً ، ولذلك كان اهتمامُه الشديدُ ، بمعرفة حالِ الرواةِ ، وكيفية تلقيهم للحديث ، وذلك حتى يطمئنَّ إلى الأخذِ عنهم . ولذلك كان شيوخُه أفذاذًا ثقات . التقى الكثير منهم فى مكة كما أسلفنا ، وبالمدينة ، وفى الشام ، وببخارى ، وفى بغداد ، وفى البصرة ، وفى الكوفة ، وفى مصر ، وفى الجزيرة . وأعدادهم كثيرة جدًا على اختلاف نوعية شيوخِه وأقرانِه ، وكلٌّ منهم يُشار له بالبنان ، وقد اعترفوا جميعًا بفضله ومكانتِه ودقِة حفظِه واتقانِه ، وأثنوا عليه ، وقدموه ، وصححوا عنه .
كما أن هناك بعضا من شيوخه كان يقرُّ لهم البخارىُّ بالفضلِ ويثنى عليهم . منهم :
علىُّ بن المدينىِّ : قال السراج : (قلت للبخارىِّ : ما تشتهى ؟ قال : أن أقم العراقَ ، وعلىُّ بنُ عبد الله "المدينىُّ" حىٌّ فأجالسه) . وقال البخارىُّ : (ما استصغرتُ نفسى عند أحدٍ إلا عند علىِّ بنِ المدينىِّ) . وكان بنُ المدينىِّ يقدر تلميذَه البخارىَّ ، وشهد له شهادةً ممتاذةً حين قال فيه : (هو ما رأى مثلَ نفسِه) .
الإمام أحمد بن حنبل : قال محمد بن أبى حاتم وراقُ البخارىِّ : سمعت البخارىَّ يقول : (دخلت بغداد ثمانى مرات ، كلُّ ذلك أجالس أحمد بن حنبل . فقال لى آخر ما ودعته : يا أبا عبد الله : تترك العلم والناس وتصير إلى خرسان ؟ فأنا الآن أذكر قول أحمد) .
وقد تأثر البخارىُّ بابن حنبلٍ فى صحيحِه . كما التزم البخارىُّ منهجَ الإمامَ أحمدَ وورعه فى الإنكارِ على من يتكلم فى القرآن وإن كان اتهمه البعض فإنما لم يعوا قوله .
الإمام إسحاقُ بنُ راهوية : كان إسحاق بنُ راهوية ــ فيما قيل ــ سببًا من أسباب ــ تصنيفِ البخارىِّّ للجامعِ الصحيحِ . فقد روى إبراهيمُ بنُ معْقلٍ النسفىُّ قال : (قال أبو عبد الله محمدُ بن إسماعيلَ البخارىُّ : كنت عند إسحاقَ بنِ راهويه فقال : لو جمعتم كتابًا فى مختصر الصحيح سُنَّة رسولِ الله ﷺ . قال : فوقع ذلك فى قلبى ، فأخذت فى جمع الجامع الصحيح) .
يحيى بن معين : لقد تأثر البخارىُّ فى العللِ والجرحِ والتعديل . كما كان مثالاً رائعًا فى الورعِ والتقوى وتأسَّى به تلميذُه البخارىُّ ، وأخذ عنه . هؤلاءِ بعض شيوخِه الذين تاثر بهم ، وشهد لهم بالفضلِ ، وشهدوا له بالعلمِ ، وأثنوا عليه ، ووضعوه فى منزلةٍ رفيعةٍ عاليةٍ .
أخلاق البخارى الإمام : كان البخارىُّ غيورًا على دينِ الإسلامِ ، محبًّا لسُنَّةِ رسولِ الله ﷺ ، وأخذ منه القدوةَ الحسنةَ ، فأقبل على حديثه ، وتطبيقِ تعاليمه ، وظهر أثرُ هذا الحب والغيرة على البخارىِّ فى أخلاقٍ نادرةٍ كريمةٍ ، وصفاتٍ عاليةٍ حميدةٍ ، تنأى به عن الصغائرِ ، وتعلو به فوق الهاماتِ ، فلا يضع نفسَه إلا حيث الرفعة وعلو القدْرِ ، ولا يخشى فى الله لومةَ لائمٍ ، ولا يفرِّط فى التحرى عن صحةِ الحديثِ وسلامةِ سندِه ومتنِه ، هذا مع تقوى الله ، وإكثارٍ للعبادةِ ، وخضوع وخشوع لربِّ العالمين .
بارك الله فى وقته فكان يقرأُ القرآنَ فى السَّحَرِ فى كلِّ ثلاثِ ليالٍ ، ويختم بالنهارِ فى كل يوم ختمةً ، وكان لا يغتابُ أحدًا . وكان كريمًا زاهدًا ، رغم أنه ورث عن أبيه ثروةً ضخمةً مطهرة ، ولكنه لم يستغلها فى التنعُّم والتلذذ بالحياةِ ، فكان ينفق المالَ فى أوجه البرِّ لوجهِ الله . ويقول : (كنتُ أستغلُّ فى كل شهرٍ خمسمائة درهمٍ ، فأنفقها فى الطلب ، وما عندَ الله خيرٌّ وأبقى) .
- اعتزاز البخارى بعلمه :
كان البخارىُّ شديدَ الإعتزازِ بعلمه ، لا يحابى أحدًا ، ولا يداهن حاكمًا ، وكان كلُّ همِّه أن يكون نفْعُ علمِه للناسِ جميعًا ، لذلك كانت سعادتُه فى تأديةِ رسالة العلم ، ولذلك احتل فى النفوسِ مكانةً عاليةً ، والتف حولَه الناسُ فى مجالسه ، وفى المسجدِ ، وفى منزلِه ينهلون من مواد علمِه الفياضِ .
- محنة الإمام البخــارى :
فى يوم طلب أميرُ بخارَى خالدُ بنُ أحمدَ الذهلىُّ من الإمام البخارى أن يأتيَه بكتبِه حتى يُسمعَها له ولأولادِه فى قصرِه خاصةً . فرفض البخارىُّ وقال : (فى بيت العلم ، والعلم يُؤتَى إليه) . فراسله الأميرُ طالبًا أن يعقدَ مجلسًا لأولادِه لا يحضره غيرُهم ويحضر الأولادُ إليه ، فامتنع أيضًا وقال : (لا يسعنى أن أخصَّ بالسماعِ قومًا دون آخرين) .
غضب الأميرُ ، وأسَرَّها فى نفسِه ، وأخذ يتحين الفُرصَ للإيقاعِ به ، ووصل الأمير خِطابٌ من محمدِ بن يحيى الذُّهَلِىِّ الذى كان يكن العداءَ للبخارىِّ فرماه بالإعتزالِ ، وبالقولِ بخلقِ القرآنِ حتى صرف عنه الناسَ بنيسابور .
وجدها الأميرُ فرصةً للإنتقام من البخارىِّ فشنَّع عليه بذلك ليصرفَ عنه الناس ببخارى ، ولم يفلح ذلك التشنيعُ فى أن يغصَّ مجلس الإملاءِ فى جامع بخارَى ، حيث كان يجلسُ البخارىُّ للإملاءِ . فأمر الأميرُ بنفيه . وكان ممن ساعد على ذلك خالدُ بنُ أبى الورقاء من أهل العلم ببخَارَى .
خرج البخارىُّ إلى بَيْكَنْد ، ثم إلى خَرْتَنْك "قرية من قرى سمرقند" ، وعند خروجِه دعا عليهم فقال : (اللهم أرهم ما قصدونى به فى أنفسِهم وأولادِهم وأهليهم) .
فأما خالدٌ : فلم يأتِ عليه إلا أقلُّ من شهرٍ حتى ورد أمرُ الظاهرية بأن ينادَى عليه . فنُودِىَ عليه وهو على أتان ، وأُشخصَ على أكافٍ وسُجن حتى مات فى سجنِه . وأما ابنُ أبى الورقاءِ ، فإنه ابتُلى بأهلِه .
وهكذا انتقم الله للبخارىِّ ممن كادوا له ظلمًا وبهتانًا ، وردَّ الله كيدَهم إلى نحورِهم ، فذهبوا ، وبقى شامخًا كالطودِ لا يتزعزعُ ولا يتزحزحُ عن الحقِّ .
- مكانة البخارى وشهادة العلماء له :
تطلعت الدنيا إلى البخارىِّ كنموذج للكمالِ الإنسانىِّ، المتمثَّل فى سعةِ علمهِ ، ورجاحةِ عقلهِ ، وحسن خُلقِه ، وورعِه وتدينه ، فارتقى بذلك درجاتٍ عاليةً من المكانةِ يصْعَبُ على أقرانِه الصعود إليها ، أو التطلع إلى نيلِ مثلِها ، وقد شهد له الجميعُ بالفضلِ ، ومن شهد له ؟ إنهم على حد تعبير الإمام النووى ــ أئمةُ المسلمين ، أولو الورعِ والدينِ ، والحُفَّاظُ النقَّادُ المتقنون الذين لا يجازفون بالعبادات ، بل يحررونها ويحافظون على صيانتها .
فيما يلى طرفًا من شهادات أهل عصره له ، من كل ناحية وحدب :
عن حاشِد بن إسماعيلَ : (كنت بالبصرة ، فسمعت بقدوم محمدِ بنِ إسماعيلَ ، فلما قدم قال محمدُ بنُ يسار : دخل اليومَ سيدُ الفقهاء)
عن محمودِ بنِ النضرِ أبى سهلٍ الشافعىِّ : (دخلتُ البصرةَ والشامَ والحجازَ والكوفةَ ، وجالست علماءَها ، فكلما جرى ذكرُ محمدِ بنِ إسماعيلَ فضلوه على أنفسِهم)
عن عبدِ الله بن أحمدَ بنِ حنبلٍ عن أبيه الإمامِ أحمدَ أنه قال : (ما أخرجَتْ خرسانُ مثلَ محمدِ بنِ إسماعيلَ)
عن يحيى بنِ جعفر : (لو قدرتُ أن أزيدَ فى عمرِ محمدِ بنِ إسماعيلَ من عمرى لفعلتُ ، فإن موتى يكون موتَ رجلٍ واحدٍ ، وموتَ محمد بنِ إسماعيلَ ذهابُ العلم)
عن الترمذىِّ "صاحب السنن" : (لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخرسان فى معنى العِللِ والتاريخِ والأسانيدِ أعلمَ من محمدِ بن إسماعيلَ) .
عن عبدِ الله بن عبدِ الرحمنِ السَّمرقندىِّ : (رأيتُ العلماء بالحرمين والحجازِ والشامِ والعراقِ ، فما رأيت فيهم أجمعَ من أبى عبد الله محمد بن إسماعيلَ البخارىِّ)
وعن الحاكم أبو عبد الله النيسابورىُّ : (البخارىُّ هو إمامُ أهلِ الحديثِ بلا خلافٍ بينَ أئمةِ النقلِ)
وقال الحافظُ بنُ حجر فى نهايةِ فصل الثناء على البخارىِّ : (ولو فتحت باب ثناءِ الأمةِ عليه ممن تأخر عن عصره لفنَى القرطاسُ ، ونفدت الأنفاسُ ، فذاك بحرٌ لا ساحلَ له)
- مؤلفات الإمام البخارى :
للإمام البخارى غير الجامع الصحيح مؤلفات أخرى ، لها قيمتها العلمية ، سواء فى تواريخ الرجال ، من أصحاب النبى ﷺ والتابعين وتابع التابعين أو غير ذلك من فروع العلم نذكر منها على سبيل المثال لا على الحصر : التاريخُ الكبير ــ التاريخُ الصغير ــ كتاب الأدبِ المفردِ ــ قضيا الصحابة والتابعين ــ كتاب المسندِ الكبير ــ الجامع الصحيح "صحيح البخارى" .
- الباعث على تصنيف الصحيح :
كانت الكتب المصنَّفة قبلَ صحيح البخارى تجمعُ الحديثَ النبوىَّ ، وأقوالَ الصحابة وكذا فتاوى التابعين ، ومنها ماهو صحيح ومنها غير صحيح ــ لذلك كانت الحاجةُ ماسةً لتصنيفٍ يحتوى على سنةَ رسول الله ﷺ ، من أقوالٍ وأفعالٍ ــ وتقريرات ، مُنَقًّى من غيرِها ، مصحَّح ، مستبعَد منه كل منكر أو ضعيف .
ولما تميز به البخارىُّ من مقدرةٍ علميةٍ ، وكمالٍ فى معرفةِ الحديث ، وشهادةِ العلماءِ له ، بالفضلِ والتقدمِ وجهوا إليه الدعوة للقيامِ بهذا العملِ الضخمِ ، وكانت الدعوةُ الموجهةُ إليه فى منزلِ أستاذهِ إسحاق بن راهويه بمحضرٍ من العلماءِ .
شرح الله صدرَ الإمام البخارىِّ ، وملأ قَلبَه همةً وإقدامًا برؤية النبى ﷺ منامًا ، وهو يذب عنه بمروحةٍ فى يده ــ وفسرت له الرؤيا بأنه يذبُّ الكذبَ عن النبى ﷺ . لذلك أقبل على تصنيفه .
ويقول الإمام : (فأخذتُ فى جمعِ الجامعِ الصحيحِ . وصنفتُه لست عشرة سنة ، وخرجتُه من ستمائةِ ألفِ حديثٍ ، وجعلتُه حجةً بينى وبين الله عزَّ وجلَّ) .
- منهج البخارى وشروطه :
التزم البخارىُّ بأن يوردَ فى صحيحه الأحكامَ والفضائلَ ، والتزم أيضًا بألا يورد إلا الحديثَ الصحيح ، وقد صرح بذلك فقال : (ما أدخلتُ فى الجامعِ إلا ما صحَّ) . وكذلك تخريج الأحاديثِ التى اتصل إسنادُها ببعض الصحابة عن النبىِّ ﷺ ، سواءً كان فعلاً ، أو قولاً ، أو تقريرًا .
ومن شرطه : أن يكون الإسناد متصلاً ، وأن يكون الرواةُ عدولاً ، وأن يتصفوا بالضبطِ ، وفى الرواةِ يشترط أن يكون الراوى كثيرَ الصحبةِ لشيخِه عارفًا بحديثِه .
قال الحافظُ أبو عبد الله الحازمى : (إن شرطَ الصحيح أن يكون إسنادُه متصلاً ، وأن يكون راويه مسلمًا صادقًا غير مدلِّس ولا مختلطٍ ، متصفًا بصفاتِ العدالةِ ، ضابطًا متحفِّظًا سليم الذهنِ قليل الوهم سليم الإعتقاد .
وكان الإمام البخارى دقيقًا فى روايةِ الحديث ، حتى أنه كان يترك الرواية عن كلِّ راوٍ فيه نظرٌ من المحدِّثين ، مهما كانت عنده من حديثٍ ، ولا يطمئن إلى توثيق الثقاتِ لراوٍ ، بل لابد أن يستوثق منه بنفسِه .
- مكانة الجامع الصحيح :
عرف العلماءُ ، من قدماء ومحدثين فضلَ صحيح البخارى وقدروه حقَّ قدره ، ومدحوه . فقد شهد للبخارى تلميذهُ الأولُ الإمامُ مسلمُ بنُ الحجاج ، وأطلق عليه أنه سيد المحدِّثين ، وطبيب الحديث فى علله .
وقال الذهبى : (وأما جامع البخارى الصحيح فأجلُّ كتب الإسلام بعدَ كتابِ الله تعالى ، فلو رحل الشخصُ لسماعه من ألف فرسخٍ لما ضاعت رحلُته)
- وفاة الإمام البخـــارى :
فى سنِّ الثانية والستين من حياةِ هذا الإمامِ العظيم ، خرج إلى خرتنك ــ قرية من قُرى سمرقند ــ ونزل ضيفًا على غالبِ بن جبريل ، وهو قريبٌ له . قال غالبٌ : فسمعته ليلةً وقد فرغ من صلاةِ الليل يدعو ويقول : (اللهمَّ قد ضاقت علىَّ الأرضُ بما رحبت ، فاقبِضْنى إليك) .
أقام الإمام أيامًا فى خرتنك ، مريضًا . ثم جاءه رسول من أهل سمرقند يحمل دعوةَ أهلِها إليه ليذهب إليهم ، فأجاب وتهيأ للركوب ولبس خفيْه وتعمَّم ، ولكنه بعدَ عشرين خطوة أو قريبًا من العشرين توجه إلى الدابة ليركبها . ولكنه قال : (أرسلونى فقد ضعفتُ) . فأرسلوه فدعا بدعواتٍ ثم اضطجع فقضى ــ رحمةُ الله عليه .
قال عبدُ الواحد بنُ آدم الطواويسى : (رأيت النبى ﷺ فى نومى ، معه جماعةٌ من أصحابه وهو واقفٌ بينهم . فسلمت عليه ، فرد السلام . فقلت : ما يوقفك يا رسول الله ؟ قال : أنتظر محمدَ بنَ إسماعيلِ البخارىَّ . فلما كان بعد أيام بلغنى موتُه ، فنظرنا ، فإذا هو قد مات فى الساعة التى رأيتُ النبى ﷺ فيها) .
وكانت وفاتُه فى ليلةِ السبت ، عند صلاة العشاء ليلةَ الفِطْر . ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر لغرة شوالٍ سنة 256 هجرية . بعد عمر دام اثنين وستين عامًا وثلاثة عشر يومًا . ملا فيها الدنيا نورًا بأحادِيثه عن النبى ﷺ .
رحمه الله رحمةً واسعةً ، وجزاه عن الإسلامِ ، والمسلمين بقدر ما قدم من خيــــرٍ
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛