قضايا عامة | حقوق الإنسان فى الشريعة الإسلامية (الحرية السياسية)

 حقوق الإنسان فى الشريعة الإسلامية

الحرية السياسية

الاستاذ الدكتور/ محمد المختار المهدى

عضو مجمع البحوث الإسلامية

الحرية السياسية تعنى حق الإنسان فى ولاية الوظائف الإدارية فى الدولة إذا كان كُفئًا لها ، وهى تعنى كذلك حقه فى إبداء رأيه فى سير الأمور العامة ، وهى بشقيها تعنى أن الحكم وسيلة لخدمة المجتمع ، لا وسيلة للسيطرة عليه .. أى أن الحاكم خادم للأمة فى تحقيق مصالحها وآمالها ، والإسلام لا يتصور حاكمًا .. يسير على منهجه .. يحيد عن هذه الحرية بشقيها قيد أنملة .. ذلك أن الإسلام يعتبرالخلافة الصحيحة ما كانت نتيجة لانتخاب حر وبيعة عامة للأكفأ والأجدر بتولى هذا المنصب الخطير ضرورة أنَّ نبيّه العظيم قد انتقل إلى الرفيق الأعلى وترك الأمر شورى بين المسلمين .

بل إن الإسلام قد ذهب إلى أبعد من ذلك حين فرض على الرئيس أن يستشير المرءوس فى مهمات الأمور ، قال الحق تبارك وتعالى مخاطًبا نبيّه المعصوم﴿ .. وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ..  (159)  آل عمران . وقال تعالى فى صفة المؤمنين﴿ .. وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ .. (38)  الشورى . 

ولقد وقف الرسول  فى (غزوة أحد) يرسى دعائم الحكم الشورى ، ويُسْمَع التاريخ قواعد الديمقراطية السليمة من خلال سياسته العملية فيها .

لما علم الرسول  أن قريشًا قد زحفت بجيوشها من مكة إلى المدينة جمع أصحابه يستشيرهم فى الأمر ، وبدأ حديثه معهم بقوله : " إنْ رأيْتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا ، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام ، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها " ومع هذا الرأى الصحيح الذى أبداه الرسول  ، ومع حرص الصحابة على تنفيذ أوامره .. مع كل هذا ينفسح المجال فى الجو الإسلامى الصحيح للتناقش والشورى ، وينقسم المجلس إلى فريقين : فريق مع الرسول  ويمثله معظم المهاجرين وبعض زعماء الأنصار ، وفريق آخر يمثله شباب الأنصار المتحمس وبعض المهاجرين . 

قال بعضهم : يا رسول الله ، إنا كنَّا نتمنى هذا اليوم ، أخرج بنا إلى أعدائنا لا يروا أنا جبنأً وضعُفنا .. وقال آخرون إنا لا نحب يا رسول الله أن ترجع قريش إلى قومها فيقولون : حصرنا محمدًا فى صياصى يثرب وآطامها ، فتكون هذه مجرئة لقريش ، وهاهم أولاء قد وطئوا سعفنا فإذا لم نذب عن حوضنا لم يرع . 

وهكذا احتد النقاش وأدلى كل بحجته والجميع لا ينقصه الإخلاص ، ولو شئنا أن نقارن وجهات النظر لوجدنا الرسول  على رأى أحكم وأصوب ، إذ رأى أن جيش مكة ليس كله من قريش ، ولكن من أحلاف مستأجرين كالأحابيش ، فلم يلبثوا أن يدب الخلاف بينهم ويعودوا ، فإن دخلوا المدينة دافع عنها الرجال والنساء والأطفال ، ولكن رسول الله  لما رأى الأكثرية تؤيد رأى الخروج لم يشأ أن يهدم قاعدة الحكم الشورى لئلا تكون نواة للدكتاتورية الفردية ، إذ هو نبراس وقدوة لجند الإسلام إلى أن يأذن الله تعالى للعالم بالفناء .. 

صلى النبى  الجمعة ودخل منزله ولبس لامة الحرب .. وبينما هو يتجهز كانت صفوف المسلمين متراصة .. فأحس بعضهم أنهم أساءوا التصرف مع رسول الله  ، وقالوا : استكرهتم رسول الله  على الخروج فردوا الأمر إليه .. وهنا يقرر الرسول  مبدأ آخر من مبادىء الشورى : مادام المجلس قد قرر رأيًا وانفض فلا يجوز العدول عنه بأية حال حتى لا يؤدى إلى اضطراب الأمر ، وفتور العزائم ، وضعف الهمم ، وبالتالى إلى الفشل .. لذلك يرد الرسول  عليهم قائلا : " ما يَنْبغى لنبى إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه "  أخرجه البخارى . 

ويؤكد التطبيق الإسلامى فى عهد الخلفاء الراشدين هذه الحقيقة التى تعتبر الأمة مصدر السلطات ، قال " عمر بن الخطاب " (رضى الله عنه) : " لوددت أنى وإياكم فى سفينة تذهب بنا شرقًا وغربًا فلن يعجز الناس أن يولوا رجلا منهم ، فإن استقام اتبعوه ، وإن جنف قتلوه " ، فقال طلحة : وما عليك لو قلت : وإن تعوج عزلوه ، فقال " عمر" : " لا : القتل أنكل لمن بعده " ، وكتب لأبى موسى الأشعرى واليه على الكوفة : " يا أبا موسى ، إنما أنت واحد من الناس غير أن الله جعلك أثقلهم حملاً .. إن من ولى أمر المسلمين يجب عليه ما يجب على العبد لسيده " . 

وقال " أبو بكر" (رضى الله عنه) حين ولى الخلافة : " يا أيها الناس ، قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن رأيتمونى على حق فأعينونى ، وإن رأيتمونى على باطل فسددونى ، أطيعونى ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لى عليكم " .

وقال " عثمان بن عفان " (رضى الله عنه) : " إنى أتوب وأنزع ولا أعود لشىء عابه المسلمون ، فإذا نزلت عن منبرى فليأتنى أشرافكم فليرونى رأيهم ، فوالله إن ردنى الحق عبدًا لأذلن ذل العبيد " . 

الفرق بين الشورى والديمقراطية

بيد أن يجب التنبيه إلى أن هناك فرقًا بين النظرة الحديثة للديمقراطية ، وبين نظرة الإسلام .. فإنه ليس للشعب فى عرف الإسلام ولو بأكثرية وغالبية أن يلغى حدًا من حدود الله تعالى ، أو أن يعدل بعض قوانين الإسلام إلا أن يجد له سندًا من النصوص ، بحكم أن الدستور الإسلامى ليس من وضع البشر ، حتى يعدلوا فيه ما شاءوا ، ولكنه من وحى الله تعالى الذى لا تخطئه المصلحة ، أى أنه لو تعارضت ظاهريًا مصلحة مع النص فالمقدم النص ، والشك فى النظر إلى المصلحة ، إذ محال أن يكون فى الإسلام تعارض حقيقى بين المصلحة الحقيقية والنص القطعى ، والحق حق ولو خالفه الجميع ، والباطل باطل ولو قدسه الجميع ، قال تعالى﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ .. (116)  الأنعام . 

هذا فيما يتعلق بالشطر الأول من هذه الحرية .. والأدلة واضحة فى أن الحاكم خادم للأمة ، مختار منها ، مؤتمر بأمرها ، خاضع لمشورتها ، وهو أكفؤها ، وموضع ثقتها .. أما الشطر الثانى وهو النقد ، فإن الإسلام لا يعبر عنه بأنه حرية ، ولكنه داخل فى مفهوم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وهما فريضة على المسلمين ، بل إن نقد الحاكم الظالم يسمو إلى مرتبة أفضل من الجهاد . 

ولقد كان السلف الصالح رضى الله عنهم لا يخشون فى الحق لومة لائم .. وما كانوا يخافون من قول الحق جهارًا نهارًا أمام الحاكم مهما كانت قوته وبأسه . 

رأى " عمر بن الخطاب " ــ أثناء خلافته ــ رجلا وامرأة على فاحشة فجمع الناس وقام فيهم خطيبا وقال : " ما قولكم أيها الناس لو رأى أمير المؤمنين رجلا وامراة على فاحشة ؟ " ، فقام " على بن أبى طالب " (رضى الله عنه) فأجابه بقوله : يأتى أمير المؤمنين بأربعة شهداء أو يجلد حد القذف شأنه فى ذلك شأن سائر المسلمين ، ثم تلا قوله تعالى﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً .. (4)  النور . فسكت " عمر " (رضى الله عنه) ولم يعين شخصى المجرمين . 

وقال رجل من المسلمين لـ " عمر" : اتق الله ! فاستنكر عليه أحد الحاضرين ، فغضب " عمر " وقال : " ألا فلتقولوها .. لا خير فيكم إذا لم تقولوها ، ولا خير فينا إذ لم نسمعها " .

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛