قضايا عامة | الإدمان بين فطرة الإنسان وحبائل الشيطان

 الإدمان بين فطرة الإنسان وحبائل الشيطان 

منقول

الإنسان مخلوق مكرم ، فضله الله عزَّ وجلَّ بالعقل الذى يُميز به بين الحسن والقبيح ، يقول الحق تبارك وتعالى﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)  الإسراء . فإن حُرم الآدمى فضيلة الرُّشد والإدراك الكبرى وفقد عقله ، رُفع عنه التكليف بالشرائع وأُعفى من الواجبات وحُجر عليه فى تصرفاته حتى لا يضر نفسه وأمته . 

 هناك صنف آخر من أصحاب العقول وضعوا عليها الحُجب ، وكسفوا نورها عن عمد وآثروا الضلالة على الهدى ، والغِواية على الرُّشد ، ومن ثم عاندوا نداء الفطرة والعقل وكلاهما بعيد عن معرفة الله ، والخضوع له والتسليم لأمره ، ومن هنا كانت رتبتهم أدنى من درجة البهائم  يقول سبحانه وتعالى﴿  ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ( 179 )   الأعراف .

يقول الحسن البصرى : لو كان العقل يُشْترى لتغالى الناس فى ثمنه ، فالعجب ممن يشترى بماله ما يفسده !! فهل يعقل أن يشترى إنسان بماله ما يذهب به بصره أو يثقب أذنه ؟! فلماذا يرضى أن يتلف ما هو أفضل من السمع والبصر .. (العقل والإدراك) ولذا أفرد الإسلام العقل بمكانة مستقلة عندما حدد الكليات الخمس التى يجب على المسلم حفظها ، بكل طرق الحفظ وهى : " الدين ، والعقل ، والنفس ، والعرض ، والمال " . 

ولا ينتهى العجب من أناس رضوا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا ويُصرون مع ذلك على معاقرة الخمر وتناول المخدرات والمفترات كالحشيش والأفيون وما فى معناها من الخبائث الضارة التى تذهب العقل وتؤثر سلبًا على صحة الإنسان وحياته اليومية . لأن أصحاب الفطرة السليمة والأذواق الرفيعة منعوا أنفسهم الخمر والسَّكر حتى وهم فى الجاهلية كأمثال أبى بكر الصديق وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وأبى عبيدة بن الجراح (رضى الله عنهم جميعا) . 

فليس مستغربًا إذا جاء محمد رسول الله  ليعيد الناس إلى فطرتهم السليمة ، ويضع لهم من التشريعات ما يحفظ عليهم نعم الله . فنزل القرآن الكريم بالتحريم القاطع للخمر بعد تدرج مقصود ليتخلص الناس من إدمانها . يقول الحق تبارك وتعالى﴿  ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90)  المائدة .  والخمر اسم جنس يشمل كل ما خامر العقل وغطاه كالخمر وما فى معناها وكل ما أدى مؤداها . 

وجاءت السُّنة النبوية مبينة للقرآن الكريم وشارحة له ، روى أحمد وأبو داود عن أم سلمة رضى الله عنها : أن رسول الله  : " نهى عن كل مُسكر  " فكل ما من شأنه الإسكار والإخلال بنظام البدن كالفتور والخدر فهو منهى عنه بصريح كلام رسول الله  حتى لو تناول منه شيئًا قليلا لم يصل به إلى السَّكر أو الخدر : " فما أسكر كثيره فقليله حرام " . 

وقد تخطط دائرة الحُرْمة السكران والنشوان إلى كل من له صلة بالخمر أو يَسَّر الحصول عليها . عن ابن عمر (رضى الله عنهما) قال : قال رسول الله  : " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها ومبتاعها وبائعها ، وعاصرها ، ومعتصرها ، وحاملها والمحمولة إليه " رواه أبو داود وابن ماجه . واللَّعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى . وقد نص الفقهاء على أن من زرع عنبًا ليبيعه لمن يعتصره خمرًا فهما فى الإثم سواء وكلاهما بائع خمر . 

والتعبير عن معاقرة الخمر وأخواتها بالإدمان تعبير نبوى ورد فى أكثر من موضع منها : عن ابن عمر (رضى الله عنهما) أن رسول الله  قال : " ثلاثة حرم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة : مدمن خمر ، والعاق ، والديوث الذى يقر الخبث فى أهله " . 

ولكن اللافت للنظر فى شأن الإدمان الآن شيوعه فى جميع الطبقات وفى جميع الأعمار والمستويات ، وقد كان الإدمان قديمًا يكاد ينحصر فى مجالس المترفين والعابثين ، أمَّا الآن فتُطالعنا الصحف عن شرب "البانجو" فى المدارس وظاهرة "الشيشة" عند الفتيات فإذا كان قيم المدرسة ومعلم الصف مدمنًا فهل سيخرج أناسا صالحين ؟! 

إن غياب الوازع الدينى وتهميش قيم التدين فى نفوس الناس لن يجنى باذروه إلا الشوك والعلقم . ومن ثم يصبح المُدمن عالة على أسرته وعلى المجتمع بدلا من أن يكون قوة منتجة وفاعلة فى خدمة مجتمعه وتقدمه ، علاوة على هدم صحة الفرد وذهاب عقله وفقدان وعيه ووظيفته وانحطاط كرامته وتفكك أسرته وهدر كرامته الإجتماعية .

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛