مُعَـــــاذُ بْنُ جَبَـــــلٍ (رضى الله عنه)
إمـــامُ العُلمَــــاء
هو مُعاذ بن جبل بن عمرو بن أوس ، هو أبو عبد الرحمن وهو إمام العلماء ، وهو البدرى الخزرجى الأنصارى الذى شهد بيعة العقبة ، أسلم وعمره ثمانية عشر عامًا ، شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وما تخلف عنه قط ، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعود ، وكان أصحاب النبى ﷺ يُشَبِّهُونه بإبراهيم الخليل (عليه السلام) .
- مكانة معاذ بن جبل عند النبى ﷺ
كان من الأربعة الذين أمر رسول الله ﷺ بأخذ القرآن منهم : "خذوا القرآن من أربعة : عبد الله بن مسعود ، أُبى بن كعب ، مُعاذ بنُ جبل ، سالم مولى أبى حذيفة".. وكان يقول ﷺ : "وأعلمهم بالحلال والحرام مُعاذ بنُ جَبل" . وكان من الستة الذين أذن رسول الله ﷺ لهم بالفتوى فى المدينة ، ثلاثة من المهاجرين : عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلى بن أبى طالب ، وثلاثة من الأنصار : معاذ بن جبل ، وأُبى بن كعب ، وزيد بن ثابت ..( رضى الله عنهم أجمعين) . قال فيه عُمر بن الخطاب وهو على فراش الموت : لو كَان حيًّا لأسْتَخْلفتهُ ثم قَدمتُ عَلى ربِّى فَسَألنِى لم اسْتَخلفتهُ لقلت : سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقول :"إذا حُشِرَ العُلمَاءُ يَومَ القِيَامةِ كَانَ مُعَاذ بنُ جبل أمامهم بركوة أو ركوتين" .
كان (رضى الله عنه) شديد الأدمه ( أى أسمر) ، وضىء براق الثنايا (أى الأسنان الأمامية) ، كثير الصمت لا يتكلم إلا على شوق الجالسين إليه فإذا تكلم خرج من فمه نور ، كان من أحسن الناس وجهًا ، وكان من أحسن الناس خلقًا ، حلو النطق ، صاحب الهيبة ، إذا جلس وسط العلماء نظروا إليه هيبه فإذا إختلفوا فى شىء سألوه أجاب . ذهب إليه رجل وقال علمنى فقال له : هل أنت مُطيعى ، قال : نعم ، قال : قُم وأَفْطِر ، وصَلِّى ونم ، واكْتَسِبْ ولا تَحْزَنْ ، ولا تَبِيتَنَّ إلا مُسلمًا ، وإيَّاك ودَعوةَ المَظلُوم .. كانت الحكمة تخرج من فِيه وكان يقول : اتَّقُوا سَيْفَ الحكيم واعرفُوا الحَقَّ بالحَقِّ فإن لِلحقِّ نُورًا .
مُعَاذ بنُ جبل الصحابى الذى أرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن ليفقه أهلها ، وقال له : بم تقضى ؟ ، قال : أَقضِى بِكتَابِ الله ، قال : فإِنْ لم تَجِدْ ؟ ، قال : أقضِى بِسنَّة رسول الله ، قال : فإن لم تجد ؟ ، قال : أجْتَهدُ رأى لا آلُو جهدًا ( أى لا أقصر فى ذلك ) فتهلَّل وجه النَّبى ﷺ وقال : الحَمْدُ لله الذى وفَّقَ رسول رسولَ الله إلى مَا يُرضِى رسُول الله . قال له رسول الله ﷺ : يا معاذ والله إنى لأحبك فلا تنسى يا معاذ أن تقول عقب كل صلاة "اللَّهمَّ أَعِنِّى على ذِكركَ وشُكركَ وحُسْن عِبَادتك" . وكان (رضى الله عنه) إذا تهجد من الليل يقول : نَامت العُيونُ ، وغَارت النُّجُومُ ، وأنت حىُّ قيُّوم .. اللَّهُمَّ طَلبى للجنَّة بَطِىء ، وهَربى من النَّار ضَعيف .. اللَّهُمَّ اجْعْلَ لِى عِنْدك هُدى تردُّه إلى يَومَ القيامَة .. إنَّك لا تُخلفُ المِيعادَ .
يلتقى رسول الله ﷺ بمُعاذ بنُ جبل يومًا فيقول له : كَيفَ أصْبَحت يا مُعَاذ ، فيقول : أصْبحت مُؤمنًا حقًّا يا رسُولَ الله ، فيقول رسول الله ﷺ : يا مُعاذُ لِكلِّ حَقٍّ حقيقة فَما حَقيقةُ إيمانِكَ ، فقال معاذ : يَا رسُولَ الله ما أصْبَحتُ صبَاحًا إلاَّ وظَنَنتُ أنِّى لا أُمْسِى ، وما أَمْسيتُ مَسَاءًا إلاَّ وظَننتُ أنِّى لا أُصْبِحُ ، ومَا خَطَوتُ خُطوةً إلاَّ وظَنَنْتُ أنِّى لا أُتْبِعُها غَيْرها ، وكأَنِّى أنْظُرُ إلى كُلِّ أُمَّة جَاثِيةً تُدْعَى إلى كِتَابِها ، وكأَنَّى أرَى أهْل الجَنَّة فِى الجنَّة يُنَعَّمُون ، وأرَى أَهْل النَّار فى النار يُعَذَّبُون فقال رسول الله ﷺ : يا معاذ عَرفْتَ فَالْزَمْ .
ويقول أنسُ بنُ مَالك (رضى الله عنه) : أتانى مُعاذُ بنُ جبل من عند رَسُول الله ﷺ فقال : "مَن شهد أَنْ لا إله إِلا الله مُخْلِصًا بِهَا قَلبُه دَخَل الجنَّة" .. فذهبت إلى رسول الله ﷺ فقلت : يا رسول الله حدثنى مُعَاذ أنَّك قلت : "من شهد أن لا إله إلا الله مُخلصًا بها قلبه دخل الجنَّة" .. فقال ﷺ : "صَدَقَ معَاذٌ .. صَدَقَ مُعاذٌ .. صَدَقَ مُعَاذٌ" ..
ويقول عنه عبد الله بن مسعود (رضى الله عنه) يوما لأصحابه : إن مُعاذًا كان أُمَّةً قَانِتًا لله حَنيفًا ولَمْ يَكُن مِنَ المشركين .. فقال له رجل : يابن مسعود ، إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول : ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) ﴾ النحل .. فقال ابن مسعود ، إن مُعَاذَ بن جبل كان أُمَّة قَانِتًا لله حَنِيفًا ولَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكِين .. فأعاد الرجل قوله .. فقال ابن مسعود : هَلْ تَعْرفُ مَا الأُمَّة القَانِتُ ؟ .. فقال الرجل الله ورسوله أعلم .. فقال ابن مسعود : الأُمَّة : الذى يُعَلِّم الخير ويُؤْتَمُّ به ، والقَانِتُ : المطيع لله ورسوله .. وإن مُعَاذَ بن جَبَل كان يُعلِّمُ الخَيْرَ ويُؤْتَمُّ به ، وكان مُطيعًا لله ورسوله ..
استدان مُعاذ بن جبل دينًا كثيرا بسبب كرمه وانفاقه ، فقد أرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن وقال : يا معاذ لعل الله يجبرك ويؤدى عنك دَيْنَكَ ، يذهب معاذ ويقضى بين الناس فيما يختلفون فيه ، ويفقههم فى الدين ، ويُعلِّم الناس القرآن .. تمر الأيام وينتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى ، ويعود معاذ بن جبل فى خلافة أبى بكر الصديق ويتلقاه عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) فيجده قد أثرى وتحققت نبوءة النبى ﷺ ويقول له : يا معاذ أنزل عن شطر مالك لبيت المال .. فيأبى معاذ .. فيذهب عمر إلى أبى بكر الصديق ويقول له : يا خليفة رسول الله شارك معاذ بن جبل فى ماله ، ويأبى أبو بكر الصديق (رضى الله عنه) ويفاجأ عُمر فى الصباح بمعاذ بن جبل يأتيه مهرولًا وهو يبكى ، ويقول : ياعُمر .. لَقدْ رأيْتُ فى مَنامِى أنى أَخُوضُ خَوْضَة مَاء أَخْشَى الغَرقَ ، حتى جِئْت أنت يا عُمَرُ فَخلَّصْتَنِى .. هاك شَطْر مَالِى يا عمر أَنْزل عنْهُ لِبيْت المَال .. وينطلق عُمر مع معاذ إلى أبى بكر الصديق يعرض عليه شطر مال مُعاذ ، ويرفض أبو بكر أن يأخذه - فقد علم أن مال مُعاذ صفو حلال - فينظر إليه عُمر ويقول : الآن يا مُعاذ حَلَّ وطَابَ .. ويبقى (رضى الله عنه) بالمدينة المنورة حتى يوفده الخليفة إلى الشام ليفقه الناس فى الدين ، ويعلمهم القرآن .
تمضى الأيام ويتولى إمارة الشام بعد موت أبى عبيدة بن الجراح أميرها فى خلافة عُمر بن الخطاب (رضى الله عنه) ، ولم يمكث إلا قليلا حتى جاء الطاعون ، ويتجه إلى الله بالدعاء : اللَّهُمَّ أدخل عَلى آل مُعاذ حَظهم من هذا .. فقد علم أن الطاعون شهادة لأمة محمد ﷺ .. ويستجيب الله لدعائه وتموت زوجتاه بالطاعون ، ويموت ابنه الوحيد عبد الرحمن بالطاعون .. ويبقى معاذ ينتظر نصيبه منه ، ولم يمكث إلا قليلا حتى أصيب به .
يثقل المرض على مُعاذ بن جبل ويدخل عليه أصحابه يعودونه ، فيجدونه يبكى فيقولون له : أتبكى يا معاذ ؟ وأنت صاحب رسول الله ﷺ ، وأنت إمام العلماء يوم القيامة .. فيقول (رضى الله عنه) : والله ما أبكى جزعًا من الموت أن حلَّ بى ، ولا على دُنْيَا تَرَكْتها بعدى ، وإنما هما القبضتان ، فلا أدرى من أى القبضتين أنا ؟ وذلك لما روى عن رسول الله ﷺ : "إنَّ الله قَبضَ قَبْضَتيْن ، فقال : هذه للجنَّة ولا أُبالى ، وهذه للنَّار ولا أُبالى". يبكى مُعَاذ ويخاف ويُغشى عليه ليلة كاملة فإذا أفاق قال : هل أصبحنا فيقولون : لم نصبح بعد ، حتى سأل مرة أخرى : هل أصبحنا ؟ فقيل أصبحنا يا معاذ فقال : أَعوذُ بالله مِنْ ليلة صَبَاحُها فى النار.
يقترب الأجل أكثر وأكثر وإذا بمعاذ (رضى الله عنه) يقول : مَرْحبًا بالمَوْت زائر حَبِيب جَاءَ على فَاقَّه ( أى شدة احتياج له) ، ويسلم معاذ بن جبل روحه لبارئها طاهرًا مطهرا طيَّبًا مطيَّبا إِمام العلماء ، ويلحق بالسابقين الأولين من أصحاب النبى ﷺ وعمره ثمانية وثلاثون عامًا ، ذلك الشاب الذى آمن وأسلم وهو ابن ثمانية عشر عامًا ، شيخ العلماء وإمام العلماء .
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يعلى شأنه وأن يرفع مقامه فى عليين وأن يجزيه خير ما جزى به عالمًا عن علمه وعن أمته .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
المرجع / فى رحاب الأصحاب
للداعية الإسلامى / ياسين رشدى