من هدى النبى ﷺ | الكَلام والهَدى فى العِبَادات والسُّلوكيَّات والأخْلاقِيَّات
الكَــــلاَمُ والهَــــدْىُ
- إن خير الكلام كلام الله عزَّ وجلَّ وخير الهدى هدى محمد ﷺ ، وإن شر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار ، وذكر الشيخ الألبانى رحمه الله تعالى القواعد والأسس التى تبنى عليها البدعة فقال : كل ما عارض السُنَّة من الأقوال أو الأفعال - كل عبادة لم تأت كيفيتها إلا فى حديث ضعيف أو موضوع - الغلو فى العبادة - ما ألصق بالعبادة من عادات الكفار .
- وهناك بعض الأمور تقع من بعض الناس تخالف ما كان عليه رسول الله ﷺ وقد لايعلمون أنها تعد من البدع ، ومنهم قد يقع فى الشرك بـ الله والعياذ بـ الله وهو لا يعلم . قال الرسول صلى الله عليه وسلم :
{1} إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ : الكَلاَمُ والهَدْىُ .. فَأَحْسَنُ الكَلاَمِ كَلامُ الله ، وَأَحْسَنُ الهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ .. أَلاَ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ ، فَإِنَّ شَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ .. أَلاَ لا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأَمَدُ فَتَقْسُو قُلُوبُكُمْ .. أَلاَ إِنَّ مَا هُوَ آتٍ قَريبٌ ، وَإِنَّمَا البَعِيدُ مَا لَيْسَ بِآتٍ .. أَلا إِنَّمَا الشَّقِىُّ مِنْ شَقِىَ فِى بَطْنِ أُمِّهِ ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ .. أَلاَ إِنَّ قِتَالَ المُؤْمِنِ كُفْرٌ ، وسِبَابُهُ فُسُوقٌ ، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ .. أَلاَ وَإِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ فَإِنَّ الكَذِبَ لاَ يَصْلُحُ بِالجِدِّ وَلاَ بِالْهَزْلِ وَلاَ يَعِدُ الرَّجُلُ صَبِيَّهُ ثُمَّ لا يَفِى بِهِ ، وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الفُجُورِ ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ ، وَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِى إِلَى البِرِّ ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِى إِلَى الجَنَّةِ ، وَإِنَّه يُقُالُ لِلصَّادِقِ : صَدَقَ وَبَرَّ ، وَيُقَالُ لِلكَاذِبِ : كَذَبَ وَفَجَرَ .. أَلاَ وَإِنَّ العَبْدَ يَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَذَّابًا . رَوَاه ابن ماجه ح (46) فى المقدمة ب : 7 عن ابن مَسْعُود (رضى الله عنه) .
- الحديث جامع لموضوعات عديدة ، ومُبيِّن لحقيقة هامة .. وهى : أنَّه لا يجب أن يَهْتم الإنسان إِلاَّ بِأَمرين اثنين .. ألا وهما : القول والفعل .. فخير الكلام كلام الله المُبيِّن للحلال والحرام ، والمُقرر للأحكام ، والهادى إلى طريق السلام .. وخير الهَدْى هَدْىُ رسول الله ﷺ .. المُبيِّن لكيفية العبادات ، والسلوكيات ، والأَخلاقيات ، فلم يترك النبى ﷺ أمرًا إلاَّ وسنَّ لنا فيه سُنَّةً حَسَنةً سواء أكان عِبادة ، أم عَادة ؛ لذلك حذَّرنا من مُحْدَثات الأُمور .. وهى ما يُحْدِثُه الإنسان على أصل موجود .. وقد قال الحق تبارك وتعالى : ﴿ .. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا .. (3) ﴾ المائدة .
- واكتمال الدين يعنى أنه لا شىء يمكن أن يُضَاف إليه ؛ إذ لا نقص هناك .. وعليه فإنَّ كل مُضاف إلى شرع الله أو إلى سُنَّة رسول الله ﷺ يكون مُحْدَثًا ، وكل مُحْدثة بِدْعة .. وكل بِدعة ضلالة .. والكلمة وإِنْ كانت هامة إِلاَّ أنَّ هناك استثناء لبعض الأمور التى أَقرَّهَا رسول الله ﷺ .. مما يعنى أنَّ هناك بِدعة سيئة وهى المقصودة بكلمة (ضلالة) ، وهناك بدعة حسنة تباح لفاعلها ويُثاب عليها .. ودليل ذلك فى قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ .. وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) ﴾ الحديد ..
- أى أنَّ الرَّهبانية لم تكن فى شرع النَّصارى ولكنهم ابتدعوها .. فمن رَعَى حقها أُثيب على ذلك ، ومن لم يَرْعَ حقها عُوقِب .. ومعنى ذلك أنَّ الله قد أَجاز لهم هذه البدعة .. وعليه فكل بِدعة سواء أكانت قولاً أم فعلاً ــ ما دامت مُتَّفِقَة مع شرع الله وسُنَّة رسول الله ﷺ ــ فهى بِدعة حسنة وجائزة .. كصلاة القيام فى جماعة التى ابتدعها سيدنا عُمر بنُ الخطاب (رضى الله عنه) ، وقال عنها : نِعْمَت البِدْعَة ، أمَّا إذا كانت مُخَالِفة أو مُعَارِضة لأَىٍّ منهما فهى بِدعة سيئة تنطبق عليها كلمة (ضلالة) .
- لذلك يُحذر الحديث من مُضِّى الزَّمن على الإنسان دون عِلْم بما يجب عليه ، والعمل به ؛ فيقسو قلبه .. أو يتباعد الزمان عن زمن الوحى ؛ ويهمل الناس العمل بِسُنَّة رسول الله ﷺ ، وتَشغلهم الدنيا عن الآخرة ؛ فيورثهم ذلك قسوة القلب .. أو يُوغل بعضهم فى الدين بغير رِفْقٍ وتؤدةٍ وتَثَبُّتٍ ؛ فيملُّوا الطاعة ويفقدوا الإحساس بلذَّتِها ، وما تُضْفِيه عليهم من روحانية ، وما تُورِثه مِنْ خُلُقٌ كريم ، وسلوك فاضل .. إذ أنَّ العبادات وسائل وليست غايات .. ويُحذرنا ربُّنا تبارك وتعالى فيقول : ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) ﴾ الحديد .
- ثم يُؤكِّد الحديث ــ مُشيرا إلى الموت وإلى يوم القيامة ــ أن كل آت قريبٌ ، مِصداقًا لقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ .. (45) ﴾ يونس .. كما يؤكد أنَّ البعيد هو ما ليس بآت .. والحق أنَّ الإنسان بين مخافتين .. بين (عاجل) قد مضى لا يدرى ما الله فاعل به ، وبين (آجِلٍ) قد بقى لا يدرى ما الله قاض فيه .. والعاقل من يأخذ لنَفْسه من نَفْسه ، ومن شبابه لهِرَمه ، ومن صِحَّتِه لمرضه ، ومن فَراغه لشُغْله ، ومن غِناه لفقره .
- ويبين الحديث بعد ذلك أنَّ الشقى من شَقِىَ فى بطن أُمِّهِ .. وهو الذى كتبت له الشقاوة ــ بعلم الله فيه ــ حين كان مُضْغَةً فى رَحِمِ أُمِّهِ ، وكَتَبَ المَلَكُ له أَجَلَهُ ، ورِزْقَهُ ، وعَمَلَهُ ، وشقى أو سعيد .. وقد جاء ذلك فى حديث سبق شرحه من موضوع [ الأعمال بالخواتيم] .. والشقى الحق هو من خَسِرَ آخِرَته ؛ فالدنيا لا تُساوى عند الله جناح بعوضة .. أمَّا السعيد فهو من وُعِظَ بِغيره : فَتأمَّل فى عاقبة العُصَاة والكفار الذين حَفَلَ القرآن ببيان مصيرهم ، فَانتَبَه أيها الغافل ، وتجنب الوقوع فيما وقعوا فيه .
- كما يُوضح الحديث بعد ذلك أنَّ قِتال المؤمن كُفْرٌ ، وسِبَابُهُ فُسُوقٌ .. إذ إن كل المسلم على المسلم حرام : دَمُه ، ومالُه ، وعِرْضُه .. فإذا كان هذا المسلم مؤمنًا فلا شك أن الحُرمة أشَدُّ وأفظع .
- ويُبين الحديث أنَّ مجرد خِصام المُسلم وهَجْره فوق ثلاثة أيام من المحرَّمات ، وقد أُبيحت الأيام الثلاثة حتى تهدأ النفوس ، ويذهب الغضب ، ويُراجع الإنسان نفسه .. فَيتَّقِى المُسلم رَبَّه فى أخيه المسلم ويُسارع المُخطئ لإسترضاء من أخطأ فى حقه .. ثم يحذِّر الحديث من عاقبة الكذب فى الجدِّ أو الهزل ، حتى لوكان بين الأب وابنه .. فلا يصحُّ أنْ يَعِدَ الأبُ ابنه بشىء ثم لا يفى بوعده ، فيسىء تربيته ويكون بذلك قُدوة سيِّئة له .
- والأبناء أمانة يُسْأَل عنها الأبُ يوم القيامة .. وقد يغفل الإنسان عن ذلك مُعْتَقِدًا أنَّه مع أبنائه غير مُعَاتَب ، ولكن الكذب كذبٌ ، والصدق صدقٌ ، مهما كانت المبِّررات ، ومهما كان من تتحدَّث معه . ولذلك تقول الملائكة عن الصادق : صدق وبَرَّ ، فيكون مصيره إلى الجنَّة ، وتقول عن الكاذب : كَذَبَ وفَجَرَ ويُكتب عند الله كذَّابًا ، فيكون مصيره إلى النار وبئس القرار .
- ويقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) ﴾ سورة ق .. فإذا كان كل لفظ مكتوبًا ومسطورًا ، فالفعل أوْلى بذلك . وما دام قد كُتِبَ وسُطِّرَ ، فلا بد أن يُسأل عنه الإنسان عَظُمَ أو صَغُرَ ، ويحذِّرنا النبى ﷺ من الذنوب الصغيرة فيقول :
{2} إِيَّاكُـمْ وَمُحَقَّـرَاتِ الذُّنُـوبِ فَإِنَّ لَهَـا مِـنَ الله طَالِبًا . رواه النسائىُّ ، وابن ماجة عن عائشة (رضى الله عنها) .
- هذا الحديث يؤكِّد أنَّ العبد سوف يُسْأَل يوم القيامة عن كل ما يفعله من ذنوب أو أخطاء قد يستصغرها فى عينيه ــ اعتقادًا منه بعدم أهميتها ــ فإذا به يُطالَب بها يوم القيامة . والعاقل من الناس هو الذى تتضاءل فى نَظَرِه طاعته ، وتعظم فى عينيه معصيته ؛ إذ أن طاعته من فضل الله عليه ، أمَّا معصيته فهى من فعل نفسه .. وإهمال الإنسان لصغائر الذنوب ، وعدم الإستغفار منها ، والإقلاع عنها يجعلها تتراكم عليه فَتُلْقِى به فى النار .. ولذلك يُنبِّهنا الصادق المصدوق ﷺ فيقول :
{3} إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ؛ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ : كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلاَةٍ ، فَحَضَرَ صَنِيعُ القَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِىءُ بِالْعُودِ ، وَالرَّجُلُ يَجِىءُ بِالْعُودِ ؛ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا وَأَجَّجُـوا نَارًا وَأَنْضَجُـوا مَا قَذَفُوا فِيهَا . رواه أحمد ، والطبرانىُّ ذكره السيوطى فى جامع الاحاديث عن ابن مسعود (رضى الله عنه) .
- هذا الحديث يُبين مُحَقَّرات الذنوب وهى ما يعتبره الإنسان حقيرًا لا يؤاخذه الله عليه ، فهى ليست من الكبائر أو الفواحش ، وإِنَّما هى أخطاء صغيرة لا وَزْن لها ، فيهملها ، ولا يقلع عنها ، ولا يستغفر منها ، فإذا بها تتجمع ، وتتراكم ، وتُوضع فى ميزانه فترجح كفة سيئاته .. ويُشبِّه الحديث هذا الأمر بقوم مسافرين نزلوا بأرض واسعة خاوية لأخذ قِسْط من الراحة ، ويريدون أن يؤجِّجُوا نارًا تكفى لطهى طعامهم .. فأخذ كل واحد منهم يأتى بعود من الحَطَبِ رفيع لا ينفع فى شىء ، ولا يمكن أن يُوقِد نارًا .. ولكن بعد أن جمعت هذه العيدان أصبحت كافية لإشعال نار عظيمة أنضجت طعامهم .
- هذا التشبيه وإن كان غريبًا إلاَّ أنَّه يُمثل ما تفعله الذنوب الصغيرة بالإنسان الذى لا ينتبه لها ، فتجتمع عليه فتهلكه .. والعياذ بـ الله .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
المرجع/ مجامع الكلم
للداعية الإسلامى/ياسين رشدى