من هدى النبى ﷺ | الأَعْمَال بالخَواتيم والحِسَاب على النيَّة ولكل امرئ ما نَوى
الأَعْمَــالُ بِالخَـوَاتِيــمِ
- المراد بالأعمال : ما يعمله العبد من عمل صالح أو سئ ، والمراد بالخواتيم : ما يعمله فى ختام عمره وآخر حياته ، وإن الله سبحانه وتعالى بحكمته وعدله إذا علم من عبده صدق القلب وحسن النية ، فإنه يوفقه لعمل صالح يختم عليه ، ولو علم ما عمل من شر ، وإذا علم منه فسادًا فى قلبه فإنه يختم له بسوء الخاتمة ، حتى ولو عمل ما يبدو أنه عمل أهل الجنة ، بل قد يظهر حقيقة أمره للناس ، ويبين ذلك لنا الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول :
- هذا الحديث الجامع من دلائل نبوة النبى ﷺ .. فقد وصف مراحل تطور الجنين بما أثبته علم التشريح حديثًا .. والنُّطفة هى ماء الرجل (المنى) الذى يقذفه فى رحم المرأة ، والعلقة من العلق ، وهو نوع من أنواع الدود الذى يعيش فى الماء ، يتعلق ويلتصق بغيره من الأحياء المائية الكبيرة ، ويعيش على ما يمتصه من دمائها .. والعلقة تتعلق بجدار الرحم ، وتتغذى على ما تمتصه من دم حتى تتحول إلى مُضغة ، وهى قطعة من اللحم الممضوغة بالأسنان .. وذلك هو أبلغ وصف وأصدقه لشكل الجنين فى هذه المرحلة .. فإن قدر الله لهذه المضغة أن يتم خلقها أَمَرَ مَلَكَ الأرحام ، فيكتب أربعة أمور هى كل ما يتعلق بالإنسان فى دنياه وأخراه : العمل ، والرزق ، والأجل ، وشقى أو سعيد .. ثم يُنفخ فيه الروح .. وعليه فإن الأجل مقدر بأنفاس معدودة فى أماكن محدودة .. لا يتقدم ولا يتأخر ، مصداقًا لقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34) ﴾ الأعراف .
- كذلك نجد أنَّ الرزق مقسوم ومقدر ، لا يزيد ولا ينقص ، ولا يتوقف على ذكاء الإنسان أو مجهوده ,, فكم من عامل محروم ، وكم من خامل مرزوق .. فإن رضى الإنسان بما قسمه الله له من رزق أراح بدنه وعقله ، وكان عند الله محمودًا ، وإن لم يرض بما قسمه الله له من الرزق أتعب بدنه وعقله ، وكان عند الله مذمومًا ، وركض فى الدنيا ركض الوحش فى الفلاة .. ولا يصيب منها إلا ما كتبه الله له .
- والإنسان مُخيَّر فى الحصول على ما قُسِمَ له من رزق عن طريق مشروع أو عن طريق غير مشروع .. فمن عَفَّ عن الحرام أتاه رزقه عن طريق حلال ، ومن ابتغى الرزق من طريق حرام لن ينال إلا ما كُتِب له أصلا دون زيادة ؛ فلو فَرَّ الإنسان من الرزق فراره من الأسد لأدركه رزقه حتى يدخل فى فِيهِ .. ولن تموت نفس حتى تستوفى رزقها ، ومَنْ يعتقدون أنهم يحصلون على الأموال بذكائهم الخارق ، أو بمجهودهم واهمون .. والذين يبتغون الرزق بالسلب ، والنهب ، والغش ، والخيانة ؛ ولا يحصلون إِلاَّ على ما كُتب وقُسم لهم .. ولوامتنعوا عن ذلك لأتاهم نفس القدر من المال دون نقص أو زيادة ولكن من طريق مُبَاح .
- وأما العمل الذى يكتبه المَلَك على الإنسان وهو مُضْغَة فى رَحِم أمه .. فهى كتابة عِلْم ، وليس كتابة جَبْر ؛ إذ لو كان عمل الإنسان مفروضًا عليه أو مُجْبَرًا هو على الإتيان به لبطل الإختيار ، ولانتفى الحساب .. وإنما يكتب المَلَكُ ما يعلمه الله عن عمل هذا الإنسان فى المستقبل ، فعِلْم الله سبحانه وتعالى لا يتجدد بالحوادث ، ولا يزيد ، ولا ينقص .. بل علمه قديم أزلى : يعلم ما كان وما يكون وماهو كائن إلى الأبد .
- فلو حاسب الله الخلق بِعلْمِهِ فيهم لدخل أهل الجنَّة الجنَّة ، وأهل النار النار دون حاجة لخلق الدنيا وما فيها ؛ ولكن الله يحاسب الناس على أعمالهم ، وخَلَقَ الدنيا لإمتحانهم واختبارهم ؛ لتكون حجَّتُه عليهم بالغة .. فتأتى أعمالهم وفق علم الله تعالى الأزلى فيهم .. فهم مُخَيَّرون مختارون وليسوا مجبورين .. وتتحدد السعادة أو الشقاوة وفق أعمالهم التى سوف يعملونها فى دنياهم ؛ ولذلك كتب المَلَك ضمن ما كتب : شقى أو سعيد .. وما كتبه المَلَك لا يعلمه إلا الله .. فإذا خرج الإنسان إلى الحياة وأصبح مُكَلَّفًا ؛ بدأ الحَفَظَة يحصون عليه أقواله ، وأعماله ، وحركاته ، وسكناته يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) ﴾ سورة ق . ..
- هؤلاء الحَفَظَة يكتبون ويسطرون الواقع دون علم بما كتبه مَلَكُ الأرحام أو تأثر به .. فيتفق ما يسطره الحفظة مع ما سطره ملك الأرحام ؛ لأن علم الله تبارك وتعالى لا يتطرق إليه : خلل ، ولا خطأ ، ولا زيادة ، ولا نقصان . ولما كانت العبرة بخواتيم الأعمال ؛ فقد يعمل الإنسان بعمل أهل الجنَّة طوال حياته ثم يعمل بعمل أهل النار قبل مماته ، والعكس صحيح .. وهذا معنى قوله : " يسبق عليه الكتاب " ، أى أن عمله الآخر يتفق مع ما قد سطره مَلَكُ الأرحام والذى لا يعلمه إِلاَّ الله .. وهذا المعنى يتضح من قول النبى ﷺ فى الحديث التالى :
- نجد جملة " فيما يبدو للناس " توضح أن ظاهر الأعمال شىء والدافع لها قد يكون شيئا آخر .. لذا كان الحساب على النيَّة ولكل امرئ ما نوى .. والنية محلها القلب ، ولا يطلع عليها إلا الله .. فهى سر بين العبد وربه ، لا يستطيع ملك أن يطلع عليها فيكتبها ، ولا شيطان فيفسدها .. والنية هى اختيار العبد المطلق الذى لا سلطان لأحد عليه فيه . والحفظة الكتبة لا يسطرون إلا ظاهر الأعمال دون علم أو اطِّلاع على نية العبد فى هذه الأعمال .
- والإنسان مهما خدع الناس بأعمال صالحة فى ظاهرها فلن يخدع العليم الخبير الذى لا تفوته فلتة خاطر ولا لفتة ناظرحيث يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) ﴾ غافر .. وقد يُسْتَدْرَج العبد المخادع من حيث لا يَعْلَم أو يتوقَّع ؛ فيقع فى المعصية قبل أن يموت ، ولا يتمكَّن من التوبة .. كما قد يُلْهَم العبد الطيب العمل الصالح قبل أن يأتيه الموت .. فيعمل بعمل أهل الجنَّة بصدق نِيَّة ، ويقلع عن الأعمال السيئة التى ربما أتى بها نتيجة جهله بها أو جهالته ، وذلك مما يُؤكده قول النبى صلى الله عليه وسلم :
- نستخلص من هذا الحديث أنه يجب ألا يطمئن الإنسان إلى عمله .. فإنه لا يدرى ما يُختم به عمله .. ولا يعترض على غيره .. فربما يُختم له بما لا يتوقعه إنسان .. فكم من عاصٍ تاب فتاب الله عليه .. وكم من طائع فى ظاهر الأمر ونِيَّته فاسدة ، أو انطوى قلبه على الغش ، والخديعة .. أو بطل وحبطَ عمله بسبب ما احتواه قلبه من : حِقْد ، أو غِلٍّ ، أو حَسَد ، أو غُرور أو بما وقع فيه لسانه من غِيبة ، ونميمة ، وإفساد بين الناس .. والله يعلم وأنتم لا تعلمون .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛