الدين المعاملة | العفـَّــة فى الإسلام (حماية الأسرة من الإنحرفات)
العِفَّـــــــة فى الإسلام
حِماية للأسرة من الإنْحرافات
العِفَّـةُ خُلُق من أخلاق المُرْسلين ، والأنبياء ، والصالحين .. والتعفُّف درجات : فمن الناس من يتعفف عن الحرام ، وهى درجة من درجات التقوى .. ومن الناس من يتعفَّف عن الشُّبُهات ، وهى درجة من درجات الوَرَع .. ومنهم من يتعفف عن الحلال ، وهى درجة من درجات الزُّهْد .. وقد أمر الحق تبارك وتعالى الأوصياء على اليتامى بالتعفُّف عن مال اليتيم إن كانوا أغنياء ، فلا يأخذوا شيئًا مقابل الوصاية أو رعاية المال ، وبالأكل منه بالمعروف إن كانوا فقراء فقال عزَّ وجلَّ :
﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ .. (6) ﴾ النساء .
كما أثنى سبحانه وتعالى على الفقراء الذين يتعفَّفون عن السُّؤال رغم شِدَّة حاجتهم فقال سبحانه وتعالى : ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا .. (273) ﴾ البقرة . وكأن شِدَّة الجوع ، والمخمصة ظهرت على وجوههم ، ومع ذلك لا يتكفَّفون الناس ، ولا يسألونهم مهما آلمهم الجوع ، وأضر بهم .
والتعفُّف عن المال له أمثلة كثيرة فى القرآن ، منها ما حدث مع سُليمان (عليه السلام) ، حيث جاءته الهدايا من مَلِكة سَبأ ومع ذلك رفضها كما يحكى القرآن الكريم عنه : ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ﴾ النمل ..
وما من رسول ولا نبى إلا قال لقومه : ﴿ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) ﴾ ، ﴿ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) ﴾ ، ﴿ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) ﴾ ، ﴿ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) ﴾ ، ﴿ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) ﴾ الشعراء .
ويُروَى عن عمر بن عبد العزيز (خامس الخُلفاء الراشدين) أنه حين تولى الخلافة خَيَّر زوجته بين البقاء معه على شَظفِ العيش ، والتخلِّى عن مجوهراتها وممتلكاتها لبيت المال ، وبين الطلاق مع احتفاظها بما تملك ، فاختارت البقاء معه ، وتنازلت لبيت المال عن كل ما منحها أبوها الذى كان من الخلفاء السابقين .. وكان أول أمر أصدره عُمر بن عبد العزيز هو تخلِّى أهله وأقربائه من بنى أمية عن كل ما منحهم الخليفة السابق من مِنَح وعطايا ، وردها لبيت المال .. فجاءته عمته وقالت :
يا بُنىَّ ؛ مالك وما فعله من سبقك ؟!! إن كان ما فعله صوابًا حَرُمَ عليك أخذ أموال أهلك .. وإن كان ما فعله خطأ فلست مسئولا عن خطأ غيرك .. فرفض عمر بن عبد العزيز هذا المنطق وأصرَّ على رأيه ،
فقالت عمته مُهددة : يا بُنَىَّ ، إنى أخاف يومًا تجتمع عليك فيه بنو أمية ..
فقال عُمر : يا عمَّةُ ، كُلُّ يومٍ دُون يومِ القِيامة أخافُهُ لا وقَانِى الله شرَّهُ ..
ويقول أحد معاصريه : لقد كان عمر بن عبد العزيز مرفَّهًا مُنعَّمًا مكتنز اللحم قبل أن يتولى الخلافة ، فلما أصبح خليفة للمسلمين تغير حاله ، وو الله لو شئت أن أَعِدَّ أضلاعه لعددتها ضلعًا ضلعًا من شدة هزاله .. ودخل عليه أحد وزرائه يومًا يعرض عليه أمور الدولة ، فلما فرغ بدأ الوزير يُسامره .. فأمهله عُمر قليلا وقام فأطفأ السراج وأوقد سراجًا غيره .. فتعجب الوزير وقال : يا أمير المؤمنين لا أرى بأسًا بالسراج الذى أطفأته فَلمَ فعلت ذلك ؟ قال : السراج الذى أطفأته يوقد بزيت من بيت مال المسلمين بحثت أمور الدولة معك على ضوئه ، فلما انتقلنا إلى شئوننا الخاصة أَطْفأْتُه وأسْرَجْتُ سِراجًا يُوقد بزيت من مالى الخاص .. ذلك مثال من وَرَع الحُكام ، وتعفُّفهم عن مال الدولة ..
وقد كان عمر بن عبد العزيز فى ذلك مقتديًا بِجدِّه عُمر بن الخطاب (رضى الله عنه) الذى اسودَّ جلدُه من أكل الزيت ، وكانت بطنه تمغص عليه فيخبط عليها ويقول : قَرْقرى ما تُقرْقرى ، والله لا تذُوقِين السَّمن حتى يذوقه أفقر رَجُلٍ فى المسلمين .. وقد كان عُمر فى ذلك مقتديًا بأبى بكر الصديق (رضى الله عنه) .. إذ حين مات أبو بكر دخل عليه عُمر وأجال النظر فى البيت ؛ فبكى وقال : لقد أتْعبتَ من بعدَك يا خليفة رسول الله ﷺ .
وكلهم فى ذلك مقتدون بسيد الخلق ﷺ الذى قالت عنه عائشة (رضى الله عنها) : ما شبع محمد ﷺ من خبز الشعير ثلاث ليال تباعًا حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى ، وقالت : كان الهلال يمر ، والهلال يمر ، والهلال يمر ، ولا يوقد فى بيت مُحمد نار .. قالوا : فما كان طعامكم أهل البيت ؟ قالت : هذين الأسودين : التمر والماء .. وقد كان ﷺ يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع .
والتعفف عن المال أحد أنواع التعفف ، فهناك التعفف عن النساء أيضًا .. ومن أمثلة ذلك ما حدث مع يوسف الصديق (عليه السلام) حين دعته امرأة العزيز لنفسها ، فقال كما يحكى القرأن : ﴿ .. مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) ﴾ يوسف .. وحين اجتمعت عليه النساء المرفهات ، وهُدد بالسجن إذا لم يستجب قال كما يحكى القرآن : ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33) ﴾ يوسف . ومن السبعة الذين يُظلهم الله بِظله يوم لا ظل إلا ظله : رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إنى أخاف الله .
وحين هاجر عبد الرحمن بن عوف (رضى الله عنه) إلى المدينة ، وآخى النبى ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع ، وأراد سعد أن يقتسم ماله وزوجتيه مع عبد الرحمن بن عوف ، تعفف عبد الرحمن (رضى الله عنه) ، وقال لسعد : بارك الله لك فى مالك ، وفى زوجتيك ، ولكن دلنى على السوق .. وذهب إلى السوق محاولا الارتزاق بجهده وعرقه ، وحين علم النبى ﷺ بذلك سر من فعله ، ودعا له بالبركة ، واستجاب الله دعاء نبيه ﷺ ؛ وأصبح عبد الرحمن بن عوف من أغنى أغنياء المدينة حتى قال عن نفسه : و الله لقد رأيتنى لو رفعت حجرًا لوجدت تحته ذهبًا .. كناية عن أن الرزق كان يأتيه من حيث لا يدرى ولا يحتسب .. وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول : "منْ يَسْتَعفِف يُعفُّهُ الله ، ومنْ يَسْتغْن يُغِْنهِ الله" .
ومن العفة أن تستر المرأة عورتها ، ولا تبدى زينتها إلا للمحارم كما أمرها الله عزَّ وجلَّ ، حتى وإن كانت كبيرة السن ، حيث يقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ۖ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60) ﴾ النور .
ومن العوامل التى تؤدى إلى اكتساب المؤمن العفة :
- التضرع إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء وكثرة مناجاته بصدق وخضوع ، والإنكسار بين يديه .
- مجاهدة النفس وتربيتها على الصبر ، وتذكيرها بثواب الصبر .
- مراقبة الله تعالى واستشعار وجوده واطّلاعه على كل ما نقول ونفعل .
- الإكثار من النوافل التى تقرب العبد من ربه وتكسبه محبته ، وبالتالى تُعينه على العفة .
- غض البصر ؛ ففيه إبعاد للنفس عن التعرض للشهوات والمُغريات ، وبالتالى حماية الفرج وعفّته عن الحرام .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
من كتاب أخلاقيات الإسلام
للشيخ / ياسين رشدى