طَلحـــةُ بنُ عُبَيْـــدِ الله (رضى الله عنه)
الشَّهــــيد الحـــىُّ
هو طَلحة بن عُبيد الله بن عُثمان القرشى التيمى ، نشأ فى طاعة الله ، أسلم وعُمره واحد وعشرون سنة ، اشتهر بالسخاء المطلق ، وواحد من العشرة المبشرين بالجنة ومن الستة أهل الشورى الذين قال فيهم عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) : لقد مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض .
هو الذى عُذب فى الله وسُمى هو وأبو بكر بالقرينين فقد قيدهما أحد صناديد قريش بحبل واحد ليمنعهما من الصلاة فلم يرعه إلا أنه رآهما قائمين يصليان رغم أنه قيدهما بيده فسُمى هو وأبو بكر القرينان . كان واحدا من الخمسة الذين أسلموا على يد أبى بكر الصديق ، وكان من الأغنياء ، وكان إذا رأى ماله أمامه بكى بكاءًا شديدًا وخرج من ماله وقسمه بين أقربائه وجيرانه .
هو الشهيد الحى الذى قضى نحبه وهو يمشى على رجليه ، فقد آخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبى أيوب الأنصارى فى المدينة ، كما آخى بينه وبين الزبير بن العوام ، هاجر إلى الحبشة ثم هاجر إلى المدينة . وشهد بيعة الرضوان ، وسماه رسول الله ﷺ يوم (أحد) : "طَلْحة الْخَيْر" .. ويوم (العسرة) : "طَلحة الفَيَّاض" ويوم (حنين) : "طَلْحة الجُود" . وكان (رضى الله عنه) يصد النبال عن رسول الله ﷺ بيده فقطعت اصبعه ، ولقد شهد (رضى الله عنه) جميع المشاهد مع رسول الله ﷺ ، ونزل فيه قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) ﴾ الأحزاب .. يقول جابر بن عبد الله (رضى الله عنه) قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَرادَ أَنْ يَنْظر إلى شَهيدِ يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْه ، فَلْيَنْظُر إلى طَلْحَة بْن عُبَيْد الله".
لم يشهد غزوة (بدر) ، ولكن رسول الله ﷺ قال له : إن لك من الأجر مثل أجر من شهد بدر وقسم له من الغنائم مثلما قسم لأهل بدر ، وفى غزوة (أحد) لم يكن الشغل الشاغل له إلا حماية رسول الله ﷺ ، فكان يحميه بجسده ، وحينما أصيب النبى ﷺ وسقط فى حفرة حمله على ظهره وأوصله إلى صخرة ووقف يحميه بجسده ونفسه ، ويتلقى عنه الضربات حتى سقط مغشيا عليه ، وبه بضع وسبعون إصابة ما بين : ضربة بسيف ، وطعنة برمح ، ورمية بسهم .. وحين أسرع أبو بكر ، وأبو عبيدة بن الجراح إلى رسول الله ﷺ وجدا طلحة صريعًا بين يديه فقال لهم رسول الله ﷺ : " دُونكُمْ أَخاكُمْ .. لقد أوْجبَ طَلْحةُ " فأَصْلحَا من شأنه وحملاه إلى المدينة .
- استشهاد طلحة بن عبيد الله
حين جاءت خلافة عُثمان بن عفان (رضى الله عنه) ، وكثرت شكاوى الناس من الولاة ، وكان طَلحة ممن عارضوا عثمان فى تصرفاته ، فلما قُتل عثمان ندم على معارضته ، ولم يكن يتصور أن تصل المعارضة إلى سفك الدماء ، وخرج مُطالبًا بثأر عُثمان (رضى الله عنه) مع الزبير بن العوام ، والسَّيدة عائشة (رضى الله عنها) ، وعندما حدثت وقعة (الجمل) أرسل علىُّ بن أبى طالب يَطلب الزبير وطلحة للحوار ، وذكَّرهما بِأُمور ، وعَاتَبهما . فقررا العودة إلى المدينة ، واعتزال القتال .. ولم يُرْضِ هذا بعض الناس الذين يريدون للفِتْنة أنْ تَستعِر ، فَقَتل ابن جرموز الزُّبَيْر بن العوام وهو قائم يصلى فى بعض الطريق ، ورمى أحدهم طَلْحةَ بنُ عُبيْد الله بِسَهم فى رُكْبَتهِ فَنَزف منه الدم .. وأخذ الدم ينزف حتى مات (رضى الله عنه) وكان عمره فى ذلك الوقت بضع وستين سنة .
حين أُخبر علىُّ بن أبى طالب بموت طَلحة بن عُبيد الله جاءه ووقف عليه يبكى ويقول : عَزيزٌ علىَّ أبَا مُحمَّد أن أرَاكَ مُجَدَّلا (أى مصروعًا تحت نجوم السماء) .. ثم قال : إلى الله أشكو عُجَرى وبُجَرى ، (أى همومى وأحزانى)، ويبكى ويبكى أصحابه ثم يقول بعد دفن الزبير وطلحة : والله إنى لأرجوا أن أكون أنا وطلحة وعثمان والزبير ممن قال الله فيهم : ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (47) ﴾ الحجر .. ويقول : ليتنى مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة .. لقد سَمِعَتْ أُذنى رسول الله ﷺ يقول : "طَلْحَةُ والزُّبَيْر جَارَاىَ فِى الجَنَّة" ، فقد قُتل طلحة غدرا ، وقُتل الزبير خيانة وغدرا وكل ذلك من أجل خلاف لا يستحق ماجرى من أجله ولكن الله يفعل ما يشاء وتلك إرادة الله عزَّ وجلَّ أن يصطفى أصحاب النبى ﷺ ويختار لهم الشهادة .
وهكذا نرى أن الجميع ندموا على خلافاتهم التى استغلَّها بعض مُثِيرى الفِتْنة .. والذين لا يمكنهم العَيْشُ إلا فى أجواء العَدَاوة والبغضاء ، فكلهم مُبشَّرينَ بالجنَّة : كَعلِىٍّ ، وعُثْمَان ، وطَلْحَة ، والزُّبَيْر (رضى الله عنهم أجمعين) اختلفت آراؤهم ولم تختلف قلوبهم .. ولكن الخلافات حين خرجت إلى نطاق العامة الذين لا يُقدِّرون العَوَاقِب ، والذين يمكن أن يكون بينهم من يكيد للإسلام وأهله .. فحدث ما حدث من صراع وقتال كانت الأُمة فى غنى عنه لو أن الحوار كان بين أهل الحَلِّ والعَقْد فقط .
ذات يوم سمع سعد بن أبى وقاص رجلاً يسب عَليَّا ، وطَلْحَة ، والزُّبَيْر فقال له : لا تَسب رجالا سبقت لهم من الله الحُسنى ، فأَصرَّ على سبِّهم ، فقام سعد فصلى ركعتين ثم قال : اللَّهم إنْ كان هذا الرجل مُسْخطًا لك فيما يقول فأرنى فيه آفةً ، واجْعَله للناس آية .. فلم يلبث إلا قليلًا حتى خرجت ناقة طويلة العنق تشق طريقها بين الناس وكأنها تبحث عن الرَّجل ، وتأخذه بين قوائمها ، وتبرك عليه ، وتسحقه حتى يموت .. والناس من حوله ينظرون ويتعجبون ويذهبون إلى سعد بن أبى وقاص ويقولون له : هنيئًا لك أبا إسْحاق .. أُجيبت دَعْوتُك ..
- رُؤية طلحة بن عبيد الله فى المنام
تمضى الأيام .. ويرى رجل فى منامه طَلحة بن عُبيد الله يقول له : حولنى من قبرى فقد آذانى الماء ، وتتكرر الرؤيا ثلاث ليالى متتالية فيذهب الرجل إلى ابن عباس يقص عليه رؤياه ، فيذهبوا إلى القبر فوجدوا الماء يَنْشَعُ ، فنقلوا طَلحة من قبره إلى قبر جديد ، ويوضع الجسد الطاهر فى قبره الجديد ، وكأنه نائم إلى حين .. لم تؤثر فيه الأرض ولم يَبْلَى ولن يَبْلَى إلى أن تقوم الساعة .. وصدق رسول الله ﷺ حين قال : "مَنْ أراد أنْ يَنظُر إلى شهيد يَمْشى على رِجْلَيه فَلْينظُرْ إلى طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ الله " . رضى الله عن طَلحة بن عُبيد الله ورفع درجته فى عليين ويحقق وعد رسول الله ﷺ فينزله فى جواره .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛