قراءة فى | التقـويم الهجــرى ... هوية أمـة وتـاريـخ حضـارة
التقويم الهجرى
هوية أمة وتاريخ حضارة
يقترب فى بعض السنوات الاحتفال بميلاد المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام)
مع الاحتفال بهجرة النبى محمد صلى الله عليه وسلم ولا تخطئ عين المُتابع
للأخبار ضخامة الاحتفال بالسنة الميلادية وكم الأموال الهائل الذى ينفق فيها ،
فى الوقت الذى نلحظ فيه ضمورًا وخفوتًا فى الاحتفال بالعام الهجرى الذى
يقتصر على مجموعة من الفعاليات داخل جدران المساجد فى أحسن الأحوال ،
وبعض البرامج التى تحكى وقائع الهجرة النبوية الشريفة التى نسمعها كما هى
كل عام .
ولا يرضى الإسلام هذه الطرائق من الإحتفال التى يتم فيها التبذير وإنفاق الأموال هباءًا منثورًا بل ربما تطرق الأمر إلى ارتكاب بعض الموبقات كما أن الاحتفال بالعام الهجرى يحتاج إلى اهتمام وتوعية .
أثر ازدهار الحضارات وتخلفها
والواقع أن الأمة الإسلامية لا ترتبط بتاريخها أو تقويمها الهجرى إلا فى حالات الازدهار والرقى والتقدم ، وحينما يتحقق لها واقعيًا مرتبة الشهود الحضارى على الأمم كما أراد لها القرآن الكريم .
وإذا تتبعنا تاريخنا وتقويماتنا التاريخية وجدنا ما قبل سقوط الخلافة كان يُؤرخ له بالتاريخ الهجرى أو قبل سقوطها بقليل حينما توزع ميراث الدولة العثمانية وصارت "رجلا مريضًا " ، فكان يؤرخ للأحداث والمعارك والوقائع والمواليد والوفيات بالتقويم الهجرى .
وبعد ترهل الحكم الإسلامى وذهاب الخلافة الكبرى تحولت الأمة إلى تاريخ آخر هو التاريخ الميلادى الذى نُجله ونحترمه أيضًا ؛ لأنه ميلاد نبى ورسول من أولى العزم من الرسل ، ولا يتم إيمان المسلمين إلا بالإيمان به ، لكننا نتحدث هنا عن تاريخنا نحن ، وهويتنا نحن ، وحضارتنا نحن .
على أن تاريخ النصارى تاريخ رومانى الأصل ، عدله بعض الملوك ورهبان النصارى ونسبوه إلى ميلاد المسيح (عليه السلام) بعد مولده بستة قرون أو ثمانية قرون تقريبًا ، والأشهر الميلادية التى يدور عليها فلك هذا التاريخ تحمل فى اشتقاقها ومعناها معانى وثنية ، ذات ارتباط بآلهة الرومان وعظمائهم .
هوية الأمة فى التاريخ الهجرى
ومما لاشك فيه أن التقويم الهجرى هو هوية أمة ، فالعبادات الإسلامية ترتبط بهذا التاريخ ؛ حيث نجد الحج أشهره معلومات وهى هجرية ، والصيام فى رمضان وهو شهر هجرى ، والزكاة يحول عليها الحول الهجرى ، وعِدَّةُ المطلقة بالتاريخ الهجرى ، وغير ذلك ؛ ولهذا فإن التقويم الهجرى تاريخ حضارة امتدت عبر ثلاثة عشر قرنًا من الزمان ، ومن هنا ارتبطت أمجادنا وأيامنا ومآثرنا وشعائرنا بهذا التاريخ الذى تحولنا عنه إلى غيره ــ فيما سوى العبادات لقداستها ــ نتيجة لأحوالنا وأوضاعنا ، وأثرًا من آثار الغزو الفكرى الذى امتد فى فراغنا ! ..
فقد استمرت المؤامرة لطمس التاريخ الهجرى وإزالته وتجهيل الشعوب الإسلامية به قرونًا متوالية ؛ ففى القرن الثانى عشر الهجرى الموافق للثامن عشر الميلادى عندما أرادت الدولة العثمانية تحديث جيشها وسلاحها طلبت مساعدة الدول الأوربية العظمى (فرنسا وألمانيا وانجلترا ... الخ) ، فوافقوا على مساعدتها بشروط ، منها : إلغاء التقويم الهجرى فى الدولة العثمانية فأذعنت لضغوطهم ، وفى القرن الثالث عشر الهجرى ، التاسع عشر الميلادى عندما أراد خديوى مصر أن يستقرض مبلغًا من الذهب من إنجلترا وفرنسا ؛ لتغطية مصاريف فتح قناة السويس ، اشترطتا عليه ستة شروط ، منها : إلغاء التقويم الهجرى فى مصر ؛ فتم إلغاؤه ، واستبدال التقويم القبطى والميلادى به .
فلن تفيق أمتنا إلا إذا استضاءت بهذا التاريخ العريق ، واستحضرت كل أيام السنة الهجرية ، ونظرت فى أحداثها نظر المتأمل المتفحص الواعى الذى يحيا التاريخ بدروس تضىء دروبه وتمهد له السبيل .
الدعاة ووسائل التوعية بالتاريخ الهجرى
من أهم الأدوار التى نعول عليها هنا ونراهن عليها هو دور الدعاة ، بعد أن تضاءل أملنا فى كثير من المؤسسات الرسمية والحكومات العربية والإسلامية ، فعلى الدعاة والعلماء يُعقد الأمل ، وفيهم يثق الناس ، وبهم يتم التغيير والإصلاح ، ومن أهم الأدوار التى يقوموا بها ما يلى :
أولا : أشاعة الاهتمام بالتاريخ الهجرى كأن يوصى الدعاة الناس أن يتواعدوا بالتاريخ الهجرى ، وأن يذكروا مواليدهم بالتاريخ الهجرى ، وقد أصبح اليوم ميسورًا أن تعرف ما يقابل تاريخ المواليد الميلادية من الهجرية ، وغير ذلك .
ثانيا : أن يصبغ الدعاة المجتمعات بالصبغة الإسلامية الممزوجة بهذا التقويم ، فلا نؤرخ لمحاضرة تلقى إلا بهذا التاريخ ، ونربط دائما بين الميلادى والهجرى ابتداء ، وشيئا فشيئا يستقل الهجرى .
ثالثا : الاحتفال بكل مناسبة هجرية كالغزوات وأيام الإسلام فى مواعيدها وتذكير الناس بها ، واستخلاص أهم الدروس والعبر منها ؛ لتكون وميضًا يبرق للدعاة ، ونورا يستضىء به العاملون .
رأبعا : الاحتفال بالشخصيات ميلادًا ووفاة من خلال التقويم الهجرى ، فنتناول سير الشخصيات المهمة فى تاريخنا الإسلامى القديم والحديث والمعاصر ونربط وقائع حياتهم بالقويم الهجرى .
خامسا : تذكير الناس بأن المعتمد فى الأحكام الشرعية هو التاريخ الهجرى ، فحولان الحول ــ شرطًا من شروط وجوب الزكاة ــ هو الحول الهجرى باتفاق ، والصيام يكون مع الهلال فى شهر رمضان ، والحج يرتبط بأشهر معلومة فى السنة الهجرية هى : شوال وذو القعدة وذو الحجة ، وعِدة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها تحسب بالتقويم الهجرى ، وهكذا فكثير من الأحكام الشرعية مرتبط بهذا التقويم المجيد .
سادسا : أن هناك أيامًا نحتفل بها فى تاريخها الهجرى ، ويجب أن تُـثـتـثـمر هذه المناسبات للتأكيد على هذه المعانى ، ومنها يوم عرفة ، ويوم عاشوراء ، وحادث الإسراء والمعراج ، وحادث تحويل القبلة ، كلها ــ بحمد الله ــ نحتفل بها فى التقويم الهجرى ، وهى مناسبات ربما تمثل الحد الأدنى من استبقاء هذا التاريخ .
سابعا : إحياء حادث الهجرة النبوية بما يتناسب معه ؛ فالهجرة حدث غيَّر مجرى التاريخ ، وحول اتجاه الإنسانية ؛ فكانت تاريخًا مشهودا وقف عنده التاريخ وتحول ليتجه اتجاهًا آخر ؛ حيث أقيمت للمسلمين دولة ، فأبرمت الاتفاقيات والمعاهدات ، وخاطبت الملوك والأمراء ، وغزت البر والبحر ، وتحققت لها الزعامة على الناس ، والشهادة على العالمين .
ثامنا : مطالبة الآباء والأمهات ببث الوعى فى الأبناء بأهمية هذا التاريخ ، وإجراء مسابقات لهم فى أيامه ووقائعه حتى يظل الطفل دائمًا مرتبطًا به ، وأن نُحفِّظهم الأشهر الهجرية ، ونعوِّدهم أن يكتبوا التاريخ الهجرى فى كراساتهم ، وأن ينظموا حياتهم عليها .
تاسعا : مطالبة المدارس أن تهتم بهذا التاريخ وكتابته ، على الأقل بجانب التاريخ الميلادى ، وأن يعاقب المدرس على نسيانه ويكافأ على كتابته .
عاشرًا : مطالبـة الصحف ومواقع الإنتـرنت ــ وبعضها يقوم بهذا ــ أن تؤرخ لأحداثها وأخبارها ومقالاتها وتحقيقاتها وحواراتها بهذا التاريخ على الأقل بجانب التاريخ الميلادى .
حادى عشر : مطالبة الهيئات والمؤسسات المهتمة بالدعوة والأوقاف والإرشاد الدينى بالتوعية بهذا الأمر والإهتمام به ، وأن يثمنوا من أهميته لدى الشرائع التى تقوم بالتوعية والتأثير .
ثانى عشر : مطالبة المصالح الحكومية أن تؤسس سنواتها المالية وإجازاتها وبنوكها ومستشفياتها بناء على التاريخ الهجرى ، وفى هذا ارتباط كبير للناس به .
ثالث عشر : عقد مقارنة للناس بين الاحتفالات التى نلقى لها بالا ونتكلف لها الأموال مثل أعياد الميلاد وأعياد الزواج وأعياد الحب وأعياد الأم ، وكلها يتم الاحتفال بها من التاريخ الميلادى ، فى الوقت الذى نستصغر فيه من يتحدث عن التقويم الهجرى وأهميته فى حفظ هوية الأمة من الانطماس والذوبان ، ويمكن البحث عن المقابل للتاريخ الميلادى هجريًا ، والمقابل للتاريخ الهجرى ميلاديًا من بعض المواقع الإسلامية التى خصصت "أيقونات" لذلك ، مثل موقع إسلام أون لاين . نت .
هذه الوسائل قد جمعت بين الفرد والأسرة والمؤسسات والحكومات والإعلام والدعاة وغيرها ، لو تضافرت هذه الوسائل فيما بينها فلن تكون هناك أدنى مشكلة فى الإهتمام بهذا التاريخ الذى ينطوى على صفحاتنا المشرقة ، ويحمل أيامنا المشهودة ، ويحفظ هويتنا الإسلامية . 🅪
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛