من هدى النبى ﷺ | ثلاث وثلاث وفَضْل الصَّدقة فى مَحْو الخَطِيئة
ثـَـــلاَثٌ وَثـَـــلاَثٌ
- الصدقات يزيد الله بها الأموال ، وينزل بها البركة ، ويعوض الله فيها صاحبها الخير العظيم ، والتواضع لله وعدم التكبر من أسباب الرفعة فى الدنيا ، والعفو عن المظالم ، والصفح والعفو عن أخيه المسلم إذا أساء إليه فيه خير عظيم ، ومن ظُلِمَ مظلمةً فله أجر عظيم .
- والأحاديث التى بين أيدينا تدل على فضل الصدقة والجود والكرم والإحسان ، والعفو عند المقدرة ، والتواضع لله عزَّ وجلَّ ، فالمؤمن ينبغى له أن يجتهد فى طاعة الله ، والإنفاق فى وجوه الخير والإحسان ، والحذر من الكبر والبخل والمسألة .
- وتُعد الصَّدقة من أحب وأفضل الاعمال إلى الله عزَّ وجلَّ فهى الصدقة على المحتاجين والفقراء ، لأن فى إخراجها دليلاً على صحة إيمان العبد بـ الله ويقينه بأنه هو الرازق سبحانه وتعالى ، ومن فضل الصدقة أنها تمحو الخطيئة وآثارها ، وتقى صاحبها من النار يوم القيامة ، وفيها دواء للأمراض البدنية ، والأمراض القلبية ، وتجعل الله يبارك فى المال ، وتطهر العبد من الحقد والحسد ، وتكون سبب لوصول العبد إلى مرتبة البر ، وتكون سبب فى فتح الأبواب المغلقة ، وتطهر المال مما قد يصيبه من الحرام . قال الرسول صلى الله عليه وسلم :
{1} ثَلاَثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ : مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ .. وَلاَ ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إَلاَّ زَادَهُ الله عِزًّا .. وَلاَ فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلاَّ فَتَحَ الله عَلَيْه بَابَ فَقْرٍ . وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ : إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ : عَبْدٌ آتَاهُ الله مَالاً وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ ، وَيَعْلَمُ لله فِيهِ حَقًا ، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ .. وَعَبْدٌ رَزَقَهُ الله عِلْمَا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً ، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّة ، يَقُولُ : لَوْ أَنَّ لِى مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ ؛ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ .. وَعَبْدٌ رَزَقَهُ الله مَالاً ، وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا ، يَخْبِطُ فِى مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ : لاَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ ، وَلا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ ، وَلاَ يَعْلَمُ لله فِيهِ حَقًا ؛ فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ .. وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ الله مَالاً وَلاَ عِلْمًا ، فَهُوَ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ لِى مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلاَنٍ ، فَهُوَ بِنِيَّتِه ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ . رواه التِّرمِذِىُّ ك : الزُّهْد ، عن أبى كَبْشَةَ الأَنْصَارِىِّ (رضى الله عنه) .
- يُقْسِم النَّبىُّ ﷺ فى هذا الحديث على ثلاثة أمور .. وهو الصادق المصدوق ﷺ بغير يمين :
- أولا: لا يَنْقُص مالٌ من صدقة بل يُبَارَك الله فيه فينمو ويزيد ولا إسراف فى الخير ، والله تبارك وتعالى يَبْسُطُ الرزق لمن يشاء ويَقْدِر .
- ثانيا: مامن عَبدٍ يقع عليه ظُلمٌ فيصبر ، ويُفوِّض أَمرهُ إلى الله إِلاَّ ازداد عِزًّا ، والعزيز مَنْ أَعزَّه الله وصدق الحق تبارك وتعالى حيث يقول : ﴿ .. وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ .. (18) ﴾ الحج .
- ثالثا: مَنْ سأل الناس من غير فاقة أو احتياجٍ زاده الله فقرأ على فقر .. فالقناعة أَمرٌ مطلوب ، والرِّضا بما قَسَمَه الله واجب . والقرآن يُشير إلى الفقراء الذين تَجِب لهم الصدقة فيقول : ﴿ .. يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا .. (273) ﴾ البقرة .. فليس المسكين مَنْ تَردُّه اللقمة واللقمتان ، وإِنَّما المسكين الذى أسكنه الفقر وأقعده وتَعفَّف عن السُّؤال ؛ فغفل عنه الناس .. ثم يُقَسِّم الحديث الناس إلى أربعة أصناف ، لكل صنف منهم منزلة يبلغها بعمله أو بِنِيَّته :
- الصنف الأول : رجل آتاه الله مَالاً وعِلْمًا نافعًا فعمل فى ماله بطاعة الله .. فوصل به رَحِمَهُ ، وأنفق على الفقراء من أقربائه ، وأَدَّى حق الله فى المال فأخرج زكاته .. وهذا الصنف فى أعلى المنازل والدرجات بعمله .
- الصنف الثانى : رجل آتاه الله عِلْمًا ولم يُؤتِهِ مَالاً .. فيرى الأول يُنفِق ماله فى سبيل الله مُبتغيًا رضاه ، فلا يحسده وإنما يغبطه فيدعو له ويَتَمنَّى أنْ يُعطيه الله مثل ما أعطاه ، فيعمل فى ماله مثل فعله ، وهو صادق النِّيَّة فى ذلك ، فينال من الأجر بنيَّته ما ناله الأَوَّل بعمله .
- الصنف الثالث : رجل آتاه الله مالاً ولم يُؤتِهِ عِلْمًا فهو يَتصرَّف فيه بغير عِلْمٍ وعلى غير هُدًى : فينفقه فى المعاصى ، ولا يعمل فيه بطاعة الله ، ولا يُخْرِج زكاته ، ويمنعه عن المستحقين .. وهذا الصنِّف فى أخبث المنازل يوم القيامة .
- الصنف الرابع : رجل لم يُؤتِهِ مَالاً ولا عِلْمًا ، ينظر إلى من ينفق ماله فى معصية الله حاسدًا له ، مُتمنِّيا لو كان عنده من المال ما يمكِّنه من ارتكاب المعاصى والإفساد فى الأرض ، فهما فى الوِزْر سواء : ذاك بعمله القبيح ، وهذا بنيَّة السُّوء .. إذ إِنَّ الأعمال بالنِّيَّة ولكل امرئ ما نوى . وهناك حديث آخر يُقْسِم النَّبىُّ ﷺ فيه على ثلاثة أمور أخرى فيقول :
{2} ثَلاثٌ أَحْلِفُ عَلَيْهِنَّ : لاَ يَجْعَلُ الله مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِى الإِسْلاَمِ كَمَنْ لاَ سَهْمٌ لَهُ ، وأَسْهُمُ الإِسْلاَمِ ثَلاَثَةٌ : الصَّلاَةُ والصَّوْمُ والزَّكَاةُ .. وَلاَ يَتَولَّى الله عَبْدٌ فِى الدُّنْيَا فَيُوَلِّيهِ غَيْرَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ .. لاَ يُحِبُّ رَجُلٌ قَوْمًا إِلاَّ جَعَلَهُ الله مَعَهُمْ .. والرَّابِعَةُ لَوْ حَلَفْتُ عَلَيْهَا رَجَوْتُ أَنْ لاَ آثَمَ : لاَ يَسْتُرُ الله عَبْدًا فِى الدُّنْيَا إِلاَّ سَتَرَهُ يَوْمَ القِيَامةِ . رَوَاه أحمد ، والنَّسَائىُّ ، والحاكِمُ ، والبيهقىُّ عن عَائِشَةَ (رضى الله عنها) ، رَوَاه أبو يَعْلَى عن ابن مَسْعُودٍ (رضى الله عنه) . الأمور الثلاثة الأولى فى هذا الحديث هى :
- الأمر الأول : إنَّ الله تبارك وتعالى لا يجعل من له سَهْمٌ فى الإسلام كَمَن لا سَهْمَ له .. وأَسهُمُ الإسلام ثلاثة هى : الصَّلاة ، والصَّوم ، والزَّكاة .. فلا يستوى المسلم الذى أَدَّى الفرائض : فَصلَّى ، وصَام ، وزكَّى مع مَنْ لم يحافظ على صلاته ، أو صيامه ، أو زكاته .. فلو دخل الإثنان الجنة كانت درجة مَنْ له سهمٌ فى الإسلام أعلى وأرفع ممن ليس له سهمٌ فى الإِسلام .. فمثلا حين يذكر النَّبُّى ﷺ السبعة الذين يظلُّهم الله بظلِّه يوم لا ظلَّ إِلاَّ ظِلُّه يذكر من بينهم الشَّابَّ الذى نشأ فى طاعة الله ومات عليها .. وبالتالى فمن عصى الله فى شبابه ثم تاب وقُبِلَت توبته ينجو من النَّار بفضل الله ، ويدخل الجنَّة برحمته ، لكنه لن يَستظلَّ بظلِّ العرش يوم لا ظلَّ إِلا ظلَّ العرش .
- الأمر الثانى : إذا كان العبد يتولَّى الله فى الدنيا .. أى كان مُفَوِّضًا أمره إليه ، متوكِّلا عليه ، يقول : " حَسْبِىَ الله ونِعْمَ الوَكِيلُ " مؤمِنًا بها ، مُطِيعًا لأوامر الحق تبارك وتعالى ، سَاعِيًا فى طريقهِ ، لا جئًا إليه ، مُستغيثًا به ، مُستعينًا به لا يسأل سواه .. فإن الله تبارك وتعالى يتولاَّه يوم القيامة ولا يوليه غيره .. وصدق الله تبارك وتعالى حيث يقول : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) ﴾ المائدة .
- الأمر الثالث : وهى نقطة بالغة الخطورة فائقة الأهمية .. فلا يُحِبُّ رجلٌ قومًا إِلاَّ كان معهم حيث صاروا : سواء إلى الجنَّة ، أو إلى النَّار .. فالمرء يُحْشَرُ مع مَنْ أَحَبَّ .. فإن أَحبَّ الإنسان أهل النَّار ــ والعياذ بـ الله دخلها معهم ، وإِذا أحبَّ أهل الجنَّة دخلها معهم .. أى أن المرء يلقى مصير مَن أَحَبَّهم ولو لم يعمل بعملهم ؛ فعلى الإنسان أن يُحسِنَ اختيار مَن يُحِبُّ ، وأن ينظُر مَنْ يُخالِل ؛ فالمرء على دِينِ خلِيلِه .
- ثم يُشير الحديث إلى أمر رابع يرجوا النَّبُّى ﷺ لو أنه أَقْسَم عليه لم يأثم .. وهذا القول منه ﷺ من باب الأمل فى رحمة الله عزَّ وجلَّ ، ومن باب التَّواضُع وهَضْم النَّفس .. ذلك أن مِنَ العِبَاد مَنْ لو أقْسَم على الله لأَبَرَّه ، فكيف بِسيِّد الخَلْق أجمعين ﷺ ؟
- الأمر الرابع هو : إِنَّ من عصى الله تبارك وتعالى فستره فى الدنيا لعِلْمِهِ بِصِدْق نيَّته فى التوبة .. فإنه سوف يَسْتُره كذلك يوم القيامة ، ولا يفضحه بين خلقه .. والسِّتْر فى الدنيا هو الاَّ يطَّلع الناس على ذنوب العبد ومعاصيه بِلُطْف الله تبارك وتعالى .. أمَّا السِّتْر فى الآخرة فإن الله تبارك وتعالى يُدنى المؤمن ؛ فيضع عليه كنفه وسِتْره من الناس ، ويُقرِّره بذنوبه بينه وبينه فلا يَسمَعُهما أحد ، ثم يعطيه كتاب حسناته بيمينه كما ورد فى الحديث رقم {1} من موضوع [ الستر فى الدارين] والذى سبق شرحه . ويقول صلى الله عليه وسلم :
{3} مَامِنْ يوْمٍ يُصْبحُ العبَادُ فيه إلاَّ مَلَكَانِ يَنْزلانِ ، فَيقولُ أَحدُهُما : اللَّهمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلفاً ، ويقولُ الآخَرُ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسكاً تَلَفاً . رواه البخارىُّ ، ومسلم عن أبى هريرة (رضى الله عنه) .
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
المرجع/ مجامع الكلم
للداعية الإسلامى/ياسين رشدى